الرئيسية » ادب عامي » قاسم شاني : البحر الاخضر .. ينبع من مئذنة المطاريحي

قاسم شاني : البحر الاخضر .. ينبع من مئذنة المطاريحي

emad almatarehi 2ثمة شيء يضغط على مفاتيح المخيلة ويفتح اسرار المئذنة والبحر الاخضر لنجد انفسنا عالم عام تتشابك فيه رؤى التجديد والتراث ، عبر رموزه واساطيره لخلق بنية النص الشعري .. كاللغة والصورة والبنى الموسيقية .
وان القراءة المتأنية لقصائد الديوان تكشف لنا الاطار الرؤيوي للشاعر وفلسفته في الحياة لفهم ( الانسان) و( الدين ) متخطياً الثقافة السلفية وايمانها المطلق بالمسلمات وانتقاصها من قدرات العقل كطاقة خلاقة مبدعة وهذا ما يتنافى مع فلسفة الشاعر الشمولية للكون والحياة التي تعطي ( للانسان)و(الدين) سمة كونية فوق مستوى الواقع وقياساته التي تحجب حركتهما وانفتاحهما على حركة الازمنة.
فلغة الخطاب في مقدمة الديوان تنم عن مثل هذه الجرأة التي تؤطر لثقافة الشاعر ورؤيته الفلسفية في التعاطي مع مركز الفعالية الكونية(الانسان) ( اسود كان ام ابيض) فهو المعيار الجمالي للحياة ( ما دام وطنة المحبة) ( ودينه الانسانية).
وعندما يتحول الشاعر المطاريحي من الاهداء في مقدمة الديوان الذي يشكل جوهر خطابه النثري الى الخطاب الشعري فانه لا تهيب ناصية اللغة التي تراكمت فوق بعضها لتشكل كماً هائلاً من المفردات اجترها الشعراء فاستهلكت طاقتها .. فالمهمة ليست باليسيرة امام المطاريحي حتى يعيد الى اللغة براءتها الاولى ويغسل وجهها من صدأ الاستخدام والتكرار اللذين ارهقا اللغة كثيرا .. لكن اللغة ترخي زمامها وتنقاد طائعة وراء المطاريحي بفعل طقوسه الابداعية مع اللغة فنجح في اكثر من قصيدة في ان يعيد الى اللغة عذريتها وعفويتها ويملأها بدلالات جديدة مستقاة من حساسيته ورهافته في التعامل مع المفردات فاصبحت اللغة لديه ذات طاقة تعبيرية ايحائية ( تتمكن من تحريك عنصر التخيل والتساؤل لدى المتلقي) فلا يمكن لقارئ قصيدة ( كتبوا بلوح الثلج ) الا ان يتوقف امام المشهد الشعري .
من غمض جفن الشمس
كتبوا بلوح الثلج تيجانهم
وخضبت تاريخك .. بدم الحجر
ان اللغة التي اشتغل عليها المطاريحي في هذه الصورة اثبتت قدرته في ازاحة وغسل المفردات في معانيها القديمة واعادة خلقها بمعان جديدة مستقاة من روح العصر والتجربه .
ولو تأملنا جيداً في تراكيب ( لوح الثلج)و( دم الحجر) لرأيناهما ضدين مختلفين في القوة والثبات والتلاشي والفناء لكن المطاريحي تمكن من جمعها في بنية واحدة فتحولت اللغة من ( اداة للتعبير الى اداة للخق والابتكار)( ولم تعد الكلمات دوال ومدلولات بل اتحدت مع الوجود وشكلت واقعا جديدا) يشير ولا يعبر كما في قصيدة امي .
( فالشمس ) و( الماعون) خرجتا من سياقهما العلمي الى مستوى الرؤيا والكشف وتحولت الشمس من ظاهرة كونية فلكية الى كائن حي كوني لا يحتويه الفضاء تمددت بقدمين حافيتين في ماعون لا تحده حدود وليس له قياسات وربما هو المعادل الموضوعي للكون في الخصب والنماء الذي تستمد منه الشمس طاقتها وحيويتها وكثيرا مما تتكرر مثل هذه الصور في قصائد الديوان وبمستويات مختلفة ودلالات مغايرة لخلق فضائات جديدة تتحرك فيها اللغة المنبعثة من اعماق الشاعر واستجابتها لصوت اللاوعي بما يخزن من ذكريات الطفولة والرغبات المكبوتة ومخلفاتها النفسية . kh emad almatarehi
ففي قصيدة ( السما مطرت عصافير)
حضنتك
والعسل يكطر من الشباج
حضنتك
واشتعل حضني وطفه الشباج
حضنتك
وانت تشربني ( غوه) براسك
واصب روحي( نده ) وتشرب
ونزلت غيمه بيضا
وشربتنه الليل
نزل وحي الغرام
وشربانه الناي
وغفينه ونامت الساعه
وغفه الشباج
بهذا التشكيل الرائع للغة وتعدد ألوانها يمكننا القول ان المطاريحي كما غيره من الشعراء تجاوز الشعر الانطباعي فاصبحت القصيدة لديه قصيدة معرفية بالرغم من المزاحمات الانطباعية والغنائية هنا وهناك لكن الهاجس الاعم هو الهاجس المعرفي في القصيدة المطاريحية ومثلما نجح الشاعر في تأسيس بنية لغوية شعبية جديدة لرصد حركة الواقع والحياة وخلق دلالات نابعة من اعماق الشاعر متأثرة بحساسيته وعلاقته العاطفية بالمفردة ، نجح وبالمقدار نفسه الى حد ما في خلق بنية تصويرية تتجاوز فيها الكلمات لخلق تركيبة مؤتلفة دافعاً باللغة من بنيتها المحلية الضيقة الى افاق اللغة الواسعة حتى وكأنك امام نص شعري شعبي اكثر قدرة على التعبير والانفعال باللحظة الشعرية من لغة الفصحى ذاتها واشد حساسية واشف عاطفة كما في هذا المشهد من قصيدة ( امي) .
من عصر تفرش جفنها
وتضم دمعتها ضوه بجيب الليالي
ولذلك من يمرنه الليل بخدوده وشم
……………..
…………….
والنخيل يقدم بصينية عمره
الاغرب في هذه الصورة الشعرية هو قدره الشاعر في ان ينفخ في هذا المفردات ويجعل لها فما ولسانا ويكسوها بالدم واللحم والعظام حتى لكأنها تنطق حقا وانت تقرأها .
في هذه الصورة تحديداً وصور اخرى من قصائد الديوان تمرد المطاريحي تمرداً ابداعياً على موروث الصورة الشعرية الشعبية التي اعتاشت زمنا طويلا وما زالت تعتاش على التشبيهات في رسم الصورة الشعرية .. فالتشبيه صيغ بلاغيه لا تليق بالانماط التعبيرية الحديثة ( فالشاعر المبدع هو الذي يستطيع ان يرى العالم في حيويته وبكارته وطاقته على التجدد) وفي خلق صور تركيبية تستوعب احساسات الشاعر وانفعالاته كما في :
( والنخيل يقدم بصينيه عمره)
او ( الغراب والصحيفة) التي تفوح منها رائحة التراب ونكهة الطبيعة ووقار السماء وذكورة الارض .
وفي هذه القصيدة تمكن المطاريحي من مزاوجة المفردات في بنية تعبيرية امتازت بحسها الرومانسي وجموح اللغة الدرامية .
من فتح سجل الفصول
ومسح عنوان
الربيع
صاحت عليه سنبله
شال بستان البنفسج
والحمامه بلا جنح
الايقاع الشعري ..
اختلفت قصائد الديوان وتوزعت على اوزان مختلفة منها من تحرك على سلالم موسيقية موروثة بوحدات قياسية ثابتة كما في قصيدة ( سالوفه) وقصائد اخرى:
بستان عمري عطش
وطيور حبك خضر
وضحكاتك الهن جنح
حطن بروح العصر
وفي قصائد اخرى نلاحظ ان المطاريحي تجاوز الوحدات الوزنية الثابتة الى مستوى الايقاع ووحداته القياسية المتحركة محققا بذلك نقلة ابداعية على مستوى الموسيقى متنقلا من ( عالم الطبيعة الى طبيعة النفس ) فالايقاع خلاف الوزن لا يخضع للتخطيط بل هوانبعاث داخلي يجد نفسه في بنية موسيقية يبتكرها الشاعر عبر خصائص صوتية وتراكيب لغوية تبنى حسب اللحظة الانفعالية وتعاطيه مع المفردة فالايقاع (يرتبط بالابتكار عند الشاعر ولا نستطيع تحديد مفهوم معين . لانه يتجدد مع كل قصيدة ) .
ففي قصيدة ( الغراب والصحيفة) يكون الشاعر قد حقق حريته بالخروج على مسار النموذج التراثي من الوزن واختط لنفسه سلماً موسيقياً يتناغم مع طبيعة اللحظة الانفعالية وقدرة اللغة على الايحاء .
ضاعت البوصلة الاولى
الاحداثيات
نقطة التوكيد
مفتاح الطلاسم
كل حسابات الحياة
يالتشتمون البنفسج
يالتشتمون العنب
الجوع
ما يلغي هوية
الخوف
ما يشرب قضية
كما ان الايقاع يمنح الشاعر حرية اكبر في تبيعه التراكيب اللغوية كالتكرار كما في قصيدة ( المئذنة والبحر الابيض):
الذمة غطاها الجليد
الديره غطاها الجليد
الجليد
الجليد
الجليد
ان تنوع السلالم الموسيقية لدى الشاعر المطاريحي ( لا تخضع للتخطيط والهندسة بل هي وهج ينفذ من لا وعي الشاعر) حتى بات يعزف على وتريات ذات ترددات ايقاعية وزنية مختلفة دون ان تضعف شاعريته وقوة الاستجابة في اقتناص اللحظة الابداعية.
فتارة يعزف ايقاعاته الذاتية على ترددات الخوف والفجيعة فتتسع آفاق اللغة وتتعمق علاقتها ببعضها فتتدفق عاطفة الشاعر متجاوزا الموروث الوزني للقصيدة الشعبية وتارة يلجأ الى الاوزان الموروثة فلا تضيق عليه اللغة ولا تغلق ابوابها وشبابيكها مستفيدا من قدرته في ترشيق اللغة وتهذيبها وكنس معانيها القديمة فارضا سيادته وسلطته الربوبية على قاموسه الشعري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *