محمد شاكر السبع : أبو علي الغالب (ملف/8)

mohammad shaker alsabe(8)

مات أبوه السيد واضعا خاتمة لأبشع الأساطير في ريف الوطن ، أذ ظل علـــى مدى
أكثر من نصف قرن يحكم عشيرة كبيرة مـن أنصاف المتوحشين الحفاة وشبه العراة
من خلال سلالة من الشيوخ الأميين الذيــــن لا يقلون همجية عـــــن أبناء عشيرتهم .
كان أسمه لوحده يثير الهلع ويسقط الرعب فـــي القلوب . كانت قسوته وبطشه تدفعان
أولئك المتوحشين الحفاة وأنصاف العراة للألتجاء الى الشيخ فرارا من جحيم السيد ،
وهكذا تحول الشيخ الطاغية الى منقذ للمساكين . كان هذا يدخل السرور في قلوب كل
الشيوخ الذين خدمهم السيد قبل أن تختفي سلطتهم الى الأبد . كان قــد وضع مــا يشبه
الأعراف والقوانين التــــي ينبغي أن لا يخالفها الشيوخ الجدد الذيـــن يتسلمون رئاسةالعشيرة خلفا لآبائهم ، الـى حد أن كثيرا مـــن الحكايات تداولها أبناء العشيرة تؤكد أن السيد يوبخ مرارا أولئك الشيوخ على معظم تصرفاتهم . لــم يسمع أو يعرف أحد مـن تلك العشيرة أن شيخا أو سركالا أنب أو زجر السيد ، وهكذا أنقلب الرجل مــن كاتب يمسك دفتر حسابات الشيخ الى أسطورة ترشح بالرعب والهلع . لكن ذلك ليس هو ما
يمكن وصفه بالحقيقة الكاملة ، أذ برع في طمر ما لحق به من أهانات مريرة في أشد
الظلال قتامة ، ثم تعلم أن يبتلع المرارات مـــن دون شكوى ، ولم يكن بوسعه الأنتقام
من الشيوخ وما يمت لهم بصلة القربى ، لكنه يصب جحيم غضبه على الفلاحين .
مات أبوه السيد في شارع القرية العام ، يعني على رؤوس الأشهاد . كان يسير وحيدا
في طريق عودته الى البيت فــــي ظهيرة أحد الأيام ، لكنه لـــم يكمل خطواته أذ سقط
منكفئا على وجهه ، فصرخت النسوة المارات في ذلك الشارع والقريبات منـه .حملوه
من يديه ورجليه الى حيث تقف عربة دفع باليد ، ووضعوه في داخلها بين كمية كبيرة
من الخضروات التالفة . أوصلوه الى البيت وسط التكبير، هكذا أستقبلت العائلة ربهــا
السيد ملطخا بعفن الخضروات التالفة . أسرع أولاده بأخــذ جثمانـه الـــى مقبرة وادي
السلام في النجف خوفا من أن يتسلل اليها العفن من حرارة الجو.داروا بتابوتــه مرقد
الأمير علي بن أبي طالب ، ثم انطلقوا بسرعة أيضا الى المقبرة وواروه التراب وسط
صراخ نسائه الثلاث ونحيب أولاده . كانت المقبرة خالية تماما مــن الناس فـــي ذلك
الوقت من بعد الظهيرة . أنتشرت أشاعة في القرية بعد يومين مــــن موت السيد تؤكد أن خنزيرا أخذ يظهر في المقبرة قريبا من قبر السيد ، وأن الحكومة والناس قد عجزا
عن قتله ، وكان يختفي عند قبر السيد حين يطاردونه .
كان ذلك أشارة لا تقبل التأويل الـى الخاتمة الحزينة لأبيه السيد ، ولم يكن بمقدور أبي
علي الغالب أن يوقف سيل الأشاعات التي تداولها ناس قريته بعد موت أبيه السيد.كان
يكتفي بالبكاء ، وتمنى لو لم يكن هناك تقليد أسمه مجلس الفاتحة أذ أن كل أهل قريته
ومعظم أهل القرى المجاورة قدموا الى مجلس فاتحة أبيه السيد . كانوا يقرأون الفاتحة
علـــى روح الفقيد ،ثم يحتسون القهوة والشاي ويدخنون السجائر ، ويتحدثون بصوت
عال عـن مناقب أبيه السيد بكلمات ظاهرها المديح وباطنها القدح والأنتقاص .كان أبو
علي الغالب يسمع ذلك الكلام ويفهم ظاهره وباطنه ، لكنــــه عاجز عن فعل أي شىء
دفاعا عن أبيه السيد .kh mohammad shaker 5
بعــــد أنتهاء مجلس الفاتحة وأنسحاب الحزن مـــن الوجوه الـــى القلوب غدا أبو علي الغالب عاجزا عن أقناع أخوته الأشقاء بأحتفاظهم أمهم معهم . أصروا على أن تعيش
معه فـي بغداد لكونه الأخ الأكبر. كان يعرف سبب أصرارهم هــــذا ،وكانوا يعرفون
سبب رفضه . بدا وكأنهم أتفقوا على عدم البوح بالأسباب . لــم تكن حتى فكرة عيشها
لترد في خاطره فـــي ما مضى من الأيام ، لا لأنه يبغي الحيلولة دون أحتدام الصراع
بين أمه وزوجته ، وأنما هو نفسه يكره هذه الأم منذ صغره وكان يتمنى لهــا الموت،
ولــم تكــن الأم جاهلة بمشاعر كراهيته لهــا ، غير أنها لـــم تدرك سببها ، لأنها ظنته
صغيرا عاجزا عــن الفهم حين كانت تتحدث مــع رجال القرية حول عدم خوفها مــن
ذهابها لزيارة أختها فــــي القرية المجاورة وعودتها خلال الليل وحيدة . كان أبو علي
الغالب قد سمعها تقول لهم :
– لماذا أخاف وسط الظلام حين أعود ؟
ويسألونها :
– ألا تخافين من قطاع الطرق ؟
– لماذا أخاف منهم ؟ أنا لا أحمل نقودا حتى يسلبوها منـــي ، وأذا أرادوا مضاجعتــي
فأنها تجعلني أتلذذ .
كان يرى أبو علي الغالب التماع عيون الرجال بعد حديثها هــــــذا . ترصدها الرجال
وقضوا وطرهم منها . لم يفهم أبو علي الغالب مغزى كلامها فــي ذلك الوقت ، لكنــه
أستوعب المعنى حين شب عــن الطوق ، وتوصل مـــن خلال تفكيره الـــى أن معظم
رجال قريته قد نالوا أمه ولوثوا شرف أبيه السيد . فيما بعد توصل أخوته الأشقاء الى ما
توصل اليـه أخوهم الكبير ، فأحتفظوا بسر شرف أمهم المثلوم على مضض . أضطر
أمام أصرار أخوته أن يصطحب جرحه العميق والعصي على الشفاء معه الـــى حيث
يعمل ويسكن ، وكان كلما تذكر دعوتهـا لرجال قريته أن يترصدوها ينفغرذلك الجرح
مـــن جديد ولا يجد ما يفعله سوى كيل اللكمات والرفسات لها ، ثم رميها الــى قارعة
الطريق ليلا . كان يتركها حتى الصباح هناك ، غير أن الكثير مـن الجيران يتألم لهذه
المنكودة والحنق على هذا الأبن العاق ، وكان يتحمل تقريع الجيران علــــى أن يفشي لهم السر الممض .
لم تكن الكدمات في وجهه قد أختفت تماما ، بل ما زالت بقاياها تجذب نظر الآخرين،
وكان قد قال لأخوته أن عربة خيل صدمته . ما كان يرغب في الخوض مع أخوته في
مناكدات لا طائل وراءها ، ولكنهم علــى أي حال لـم يصدقوا أن عربة خيل يمكن أن
تسبب كل هذه الكدمات في وجه أخيهم الأكبر، وأخيرا عرفوا مــن الزوجة أمرا قريبا
جدا من الحقيقة ، على الرغم مـن أنها لم تذكر لهم أي شيىء عن سبب تلك الكدمات ،
وأنما هم عرفوا حين سألوها عن عربة الخيل التي صدمت أخاهم ، أذ دهشت قائلة :
– عربة خيل ؟ .. عن أي عربة تتحدثون ؟
تبادل الأخوة أبتسامات السخرية وعندئذ عرفوا الأمر . لكن هذا لم يشعره بالخجل في
أي حال من الأحوال حتى لو أطلعوا على ما حدث بالضبط ، فهو مازال مرتبطا بأبيه
السيد على الرغم من نومه تحت تراب بأرتفاع مترين . كان على أقصى غاية مــــــن
القناعة أنه هـــو الوريث الوحيد لأبيه السيد من بين كل أخوته الأشقاء وغير الأشقاء،
الوريث لذلك التراث الهائل للحيلة والنميمة والشر ، فهــو حسب علمه الوحيـد الـــذي
خصه أبوه السيد بنصائحه التي تتجاوز قيمتها كل ثمـــن ، وكذلك تلقينه أصول التآمر
والكذب والأفتراء والدسائس ، كما حقن السم في دماغه منذ الصغر .
عاد الـــى بغداد محملا بالحزن والألـم والأسى لمـــوت أبيه السيد ، وبالسخط والحنق
والغضب لأجباره على أصحاب أمه للعيش معه . عاد ليجد علـــى منضدته أمر نقلــه الى القسم السابع . حاول أن يودع رئيس القسم لكن الفراش الجالس علــى كرسي أمام
بابه أخبره أنه لا يمكن الدخول عليه لأنه في أجتماع مـع مسؤولين كبار فـــي الحزب
والدولة . كر راجعا بأتجاه مكتب معاون الرئيس فوجـــد بابــه مقفلا . أخبره الموظف
في المكتب المجاور أنه في أجتماع مع رئيس القسم . لم يبق أمامه سوى الذهاب الــى
قسمه الجديد ، وكان يكره هذا القسم لأن الكثير مــن موظفيه كانوا شهودا حين ضربه
سميع المحمود بحذائه .
أستقبله رئيس القسم السابع بجفاء وخاطبه بخشونة :
– ماذ ستفعل في قسمي ؟ .. ألا يكفيني هؤلاء السفلة حتى تأتيني أنت ؟
لم يتخيل أبو علي الغالب أن يخاطبه أحد بمثل هذا الكلام الخشن الجارح .. قال :
– ليس من حقك أن تخاطبني هكذا فأنا لا أعمل عندك وأنما أنا موظف في الدولة .
لم يتأثر رئيس القسم بهذا الكلام .. قال :
– لا أريد مشاكل وأذا قمت بها فالويل لك .
بهذا التهديد الصريح باشر أبو علي الغالب عمله فـــي قسم يغلب علـــى الكثير مـــــن العاملين فيـــه الطبع الخشن المشاكس . أدرك أبو علي الغالب أنه يتوجب عليه الحذر
الشديد من الأحتكاك مع هؤلاء المشاكسين . أتخذ له منضدة في مكتب مـع موظف بدا
له أنه يختلف عن الآخرين ، لكن ما ذهب اليه كان غير حقيقي ، فقد تحرش به فـــــي
ظهيرة اليوم الأول نفسه ، لكن أبو علي الغالب أبتسم فـــي وجه الرجل وتظاهر انه لم
يفهم مرامه . واسى نفسه المذلة المهانة في كل مكان ، وأمتدت يده لتتحسس أصابعــه
الكدمات التي سببها له السائق . قال فـــي سره : تحمل كل الأهانات وتفادى التحديات
فليس فــي كل يوم تظهر لك كدمات جديدة . أستطاع أبو علي الغالب بصبره علـى ما
يوجهه له زميله في المكتب من كسب وده أخيرا .
لكن هذا الود لم يعمر طويلا فقد شاعت الأخبار أن علي الحسني قـد نقل مـــن وظيفته
الى وظيفة في وزارة أخرى ، بسبب قريبه الوزير الذي كشف أشتراكه فــــي مؤآمرة على الحزب . حين تأكد أبو علي الغالب مــن أن الخبر ليس ملفقا أسرع الـــى مقابلة المدير العام شارحا له الظلم الـــذي الحقه به علي الحسني ، طالبا منـه أن يعيده الــى
القسم الذي نشأ فيه كموظف فـــي هذه الدائرة . أقتنع المدير العام ، أو أنه عطف عليه
لأسلوب كلامه المتوسل ، أو ربما للأهانات والضرب الذي تعرض له .
أحتل منضدته القديمة في مكتبه السابق مع شريكه سميع المحمود مرة ثانية . قال:
– أهلا بقدومك يا أبا علي الغالب .
– أنه مكاني الذي يجب أن أشغله .
– أذا كففت عن السعي الى جعل المسؤول الأول خاتما في أصبعك .
– من يقوم بأدارة القسم الآن ؟
– معاون رئيس القسم .
– تعني أبا صالح ؟
– نعم .
– هذا الرجل لا يمتلك الكفاءة .
– هذا صحيح لكن علي الحسني ترك له رجالا كفوئين.
– هل تعتقد أنه قادر على قيادتهم ؟
– أولئك الرجال يعرفون أنه رجل طيب .
– الطيبة وحدها غير كافية .
– درجته الحزبية المتقدمة ستشفع له ، أضافة الى أن شقيق زوجته عضو في القبادة.
– أي قيادة ؟
– قيادة الحزب .
– هذا هو أهم من الكفاءة .
حدجه بنظرة قاسية ، قال :
– ماذا تعني ؟
– أعني أن تبوأ الوظائف الكبيرة ما عاد يعتمد على الكفاءة وأنما على الدرجة الحزبية
المتقدمة ، أو حتى غير المتقدمة أذا كنت قريبا من أحد القياديين الكبار .
– أهذا مخالف للقانون ؟
– على العكس فمن حق الذين ناضلوا أن ينالوا هم وأقرباؤهم ما يستحقونه مـن مراكز
رفيعة في الدولة .
شك سميع المحمود في قصد أبي علي الغالب فسأله :
– أتتحدث عن جد أم أنك تسخر ؟
أحتج أبو علي الغالب :
– أسخر ؟.. ليس في كلامي شيىء من السخرية ، أنما أنا جاد كل الجدية .
– والآن ينبغي أن تكون حذرا مـــــن أبي صالح فهو كما تعرفه ذا مزاج عنيف عندما
تثار حفيظته .
قال مندهشا :
– ولماذا أثير حفيظته ؟
– هو طبعك المشاكس يدفعك الى ذلك . أضافة الى قناعتك التي لا تتزحزح عنها بأنك
قادر على جعل المسؤول الأول في العمل خاتما في أصبعك .
– أليس هذا من حقي أذا كنت قادرا عليه ؟
– لا ليس من حقك ، بل من حق ذلك المسؤول عليك أن تحترمه وتنفذ تعليماته .
نظر الى سميع المحمود بأستغراب .. قال :
– بدأت تتحدث بلسان المسؤولين .
– بل أتحدث بلسان الحزب .
– ماذا ؟
– سمعت ما قلته جيدأ .. هل نسيت أنني عضو في الحزب ؟
– لا لم أنس ذلك .
أنطوى أبو علي الغالب على نفسه خائفا ووجلا من شريك مكتبه الـذي تمترس داخل
قوقعته الحزبية . ثم أكتشف فيما بعد أن صداقة وثيقة تربط هذا الشريك بأبـــي صالح
الذي يقوم الآن بمهام رئيس القسم الثاني . فهـم بسرعة أن أي عمل مضاد لهذا الرجل
سيجعل سميع المحمود يقف في وجهه والحذاء فـي يده ، عندئذ قرر أن يهادن ويداهن
ويصافح اليد التي يعجز عــن ليها كمــا أكد له مرارا أبوه السيد . شرع يتقرب مـــــن
أبي صالح سالكا طريق التزلف الذي يعرف كل منحنياته والتواءاته . لكن خشيته تقبل
من سميع المحمود الــذي بمقدوره أن ينسف جميع خططه فــي لحظة غضب أو تعكر
مزاج . تساءل : ما الذي جعل هذا المحمود يقف له ليس في منتصف الطريق وأنمافي
بدايته ؟.. هو يعرف أن طموح هذا الشريك يكاد يكون معدوما علـى الرغم مــن كونه
عضوا فـي الحزب . كما يعرف أيضا أن كفاءة أبي صالح تكاد تكون معدومة وكانت
هذه ستمهد له الطريق ليضعه خاتما فــي أصبعه . لـم يكن وجود أولئك الكفوئين فـــي
العمل تحت أمرة أبي صالح لتقلقه أذ بوسعه أن يشتتهم مــن حوله ، بتعبئة أبــا صالح
ضدهم وتعبئتهم ضده ، وكان يعتبر كل ذلك مشروعا حيث ساد أو حــل عصر النفاق في صفوف الحزب ودوائر الدولة .
أستقبله أبو صالح بضحكاته المجلجلة التي تسمع فـــــي آخر الممر ، ولـــم يكن يجهل الكثيرمما ينطوي عليه من صفات وأخلاق، وعلى الرغم من معاملته الحسنة لـم يدعه
يقترب منه كثيرا ، يعني جعله علــــى مسافة ليست بالقريبة مــــن خصوصياته ومـن
قيادته للعاملين معه . شعر أن تصرفات أبي صالح غير معقولة ، فهي لا تتطابق مــع ما هو معروف عنه . لكن ذلك لم يمنعه من المواظبة على زيارته اليومية لــه ، وكان
خلال تلك الزيارات يروم معرفة تلك التغيرات التي طرأت بسرعة عليه فغيرته مـــن
حال الى حال . حاول جاهدا أن يعرف متانة الوشائج التي تربط هـذا المسؤول بسميع
المحمود.
عرف أنه يمنح الكثير من المكافآت له خلال الشهر عما يكلفه مــن أعمال ، فبدأ حقده
يحرك أمواجه بأتجاه الرجلين ، كما بدأ دماغه بفرز سمه . تساءل : لماذا لا يكلفه هـو
أيضا ببعض الأعمال ؟.. غير أن هذا التساؤل ظل حبيسا في ذلك الدماغ المسموم .
خلال أحدى زياراته سأل أبا صالح عن سبب عدم تكليفه بأي عمل ،ولماذا أقتصر في
تكاليفه على صديقه وشريكه في المكتب سميع المحمود . أحتقن وجه أبا صالح بحمرة
الغضب ، وسأله بصوت حانق :
– هل تحاسبني عن تصرفاتي ؟
أصفر وجه أبي علي الغالب وقال بصوت أشبه بالهمس :
– لا يمكن أن أفعل ذلك ، وكنت في سؤالي أعني رضاك مـــن خلال تأديتي للواجبات
التي تأمرني بها .
أستأذن بالخروج من مكتب أبي صالح خوفا من أن يتطور غضبه الى شيىء قد يجلب له مصيبة . كان عليه أن يقطع زيارته اليومية ، وأن يبقى بعيدا عن أبي صالح وهذا
ما فعله ساجنا نفسه فــي مكتبه الصغير وحيدا، أذ أن شريكه كان يغادر المكتب مبكرا
في كل يوم لينفذ ما يطلبه منه أبي صالح . هاجمه شعوره القديم بالوحدة القاسية التــي
تطحنه بمشاعر مؤلمة . لـــم يواس نفسه كما كان يفعل فيما مضى راميا محنته علــى
الحظ العاثر الذي يكيد له دائما .
في تلك الأيام التي عدها من أتعس الأيام التي مرت به ، فخلالها فقد أباه الى الأبد ، ثم
تحولت الى معذب يمتلك البراعة في تعذيبه ، فأبو صالح تجاهله أو تناساه تماما كمـــا لـوأنه مسحه من وجوده فــــي القسم،وشريكه فـــي المكتب أخذ يغيب عنه لأيام عديدة
وحين يظهر يكتفي بتحيته ببرود . كانت لياليه أكثر قسوة من نهاراته ، فآلامه القديمة
وجروحه الغائرة في أعماقه تطفو الى السطح لمرأى أمه ، وهكذا تأتي ثوراته في كل
ليلة على تلك الأم التي فرطت بشرفها ملخقة العار به الى الأبد . كل يوم يحس أنه ينقل
خطواته على أسفلت الشوارع ، وأنما فوق نيران لا يخمد أوارها . كل يوم يجد نفسه قد ناء كثيرا عمــــا يرنو اليـــه ويتمناه . تساءل : هــل لهذا العذاب نهاية ؟.. هل لهذا الحرمان من تعويض في آخر المطاف؟. لكن أيقاع حياته اليومية الذي لا يطرأ عليه
أي تغيير يرده الى عذاباته التي لا تتوقف أبدا .
قرر أن يضع حدا لطرف من طرفي تعاسته فعاد بأمه الى القرية . هناك أخبرأخوته
أنه ما عاد بوسعه تحملها ، وأنها يجب أن تعيش معهم ، غير أن أخوته الأشقاء وقفـوا
جميعا في الضد منه ، وأصروا على عيشها معه . صرخ فيهم :
– أهي حجر رحى علق الى رقبته ؟
فأكدوا له :
– نعم فأنت أبنها البكر وعليك حق عيشها معك .
فلعنها بصوت عال . توسلت بهم أن يتركوها تعيش معهم لكــي ينقذوها مـن هذا الأبن العاق الذي يضربها كل يوم ويرميها الـى الشارع ، لكنهم أصموا آذانهم عن توسلاتها
وأشاحوا بوجوههم عنها .عاد بها الى بيته في بغداد حاملا عارها وعاره .كان قد كف
منذ زمن طويل عن أخبار زوجته بخيباته التي تراكمت واحدة فوق الأخرى كمـا كف
عن لعن الحظ والزمن اللذين غدرا به .بدا في تمرغه بتلال الخيبات تلك أقرب شبهــا
بحيوان يعض بكـل قوته علـى جرحه المميت . ثــم تلقى توبيخات متكررة مــن دائرة
الأمن التي وجدت فــي تقاريره عــن الموظفين وسلامة مواقفهم تجاه الحزب والثورة
نوعا مـن السذاجة وعدم الدقة ، وأفهمه مسؤوله الأمني أن عليـــه رؤية الأمور بشكل
لا يتطرق اليه الخطأ لأن هذه الدائرة ليست من الدوائر الأعتيادية وأن قراراتها يمكن
أن تلحق الأذى والمصائب بالآخرين .
تمنى أن تقع هذه المصائب بسرعة فوق رؤوس الجميع كما تمنى أن يحدث زلزال أو
تقصف الصواعق هــذه المدينة التي الحقت به النكبات والأحباطات منذ أن عاش فيها
غير أن تمنياته لــم تتحقق . أيقـن أن الله والشيطان كلاهما يقفان ضده ويفسدان كل ما
كان قد خططه من أجل أن يتربع على مركز وظيفي ذي أهمية أو يستولي على أرادة
أحد المسؤولين فــي هذه الدائرة العملاقة . تألم كثيرا حين مر بخاطره أنه سيغادر هذا
العالم من دون أن يحقق لنفسه ما حققه أبوه السيد . أنه الآن أعزل تماما لا مال حصل
عليه ولا رفعة مركز وظيفي . تساءل بخيبة أمل : هل كل هـذا حدث لأنه باع الحزب
لدائرة الأمن قبل أكثر من عشر سنوات ، لكن غيره فعل ذلك أيضا ومـــع ذلك تسلقوا
المناصب الحكومية ، أو أعادهم الحزب الى صفوفه ألا هو .. لماذا؟.
مل من تكرارهذه التساءلات فلجأ الى الأنطواء على نفسه بعيدا عن أبي صالح وبعيدا
عن سميع المحمود وبعيدا عـــن جميع موظفي القسم الثاني .أكتفى بمراقبة الآخرين ،
ليضمن لنفسه السلامة التـي يجهل متى يفقدها ، لأنه موقن أن أولئك الآخرين يجيدون
حبك المؤآمرات وأنهم لن يتركوه يعيش في وئام وسلام بينهم ،كان يرى في عيني كل
واحد منهم العديد مـن المؤآمرات ضده . عندئذ أحتاط لكل شيىء لكـــي لا يؤخذ بغتة
مثل مغفل . مع ذلك فأنه لم يتخلص من حنقه وسخطه وغضبه ، بل تفاقمت كثيرا جدا
تلك المشاعر الى حد تمنى أن يجتاح المدينة وباء الطاعون .
لم يكتشف أبو علي الغالب بالجفاف والضمور الــذي أصاب جسده ، وحتى زوجته لم
تتطرق الى الحالة التي أصبح عليه زوجها فقد عزت ذلك الى كثرة التفكير وأن هـــذا
التفكير جعل جسمه يأكل بعضه بعضا . تنبه لهذا الضمور سميع المحمود يوما فسأله
– هل أنت مريض ؟
– لا .. لماذا هذا السؤال ؟
– لقد هزلت كثيرا .. ألا ترى نفسك في المرآة ؟
– أنا متعب فقط .
– هذا ليس تعبا .. أفحص نفسك عند طبيب .
في الليل قال لزوجته :
– يبدو أن جسمي هزل كثيرا .
– كف عن التفكير لأن جسمك من النوع الذي يأكل بعضه بعضا .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.