أحمد معن الزيادي : قراءة في مجموعة (آدم آخر) للدكتور عادل البصيصي

ahmad maan 2ليس بعيداً عن المجمتع , إنه من صلبه , هو ممتعٌ جداً لا تكاد تقرأه حتى يأخذك الشغف لأعادته مرةً أخرى , هو واقعي مبتعد عن الاوهام كلاسيكي متجدد يصلح لكل العصور يتضح ذلك من كونه وضع في ديوانه قصائد مكتوبة عام 1999 وأخرى في 2010 وكلاهما مستساغ وصالح للجمال. كما أن وضع قصائد بفترات زمنية متباعدة يدل على أهتمام الشاعر بقارئه وبتاريخه الشعري فأنا متأكد بأن البصيصي كان قد كتب الكثير من القصائد خلال هذه الفترة لكنه لم ينشرها ربما لان مستواها أقل من مستوى القصائد المنشورة ولكي لا تحسب عليه كمؤاخذة.
منذ الوهلة الاولى يشرع البصيصي بأعلان انتمائه لللحزن الفراتي الاصيل والفلكلوري من خلال مناجاته لذاته بلسان والدته:
//هي منيةٌ لا أستلذ بغيرها//
//أنّي أخبّر أن ابنك قد شيعك//
لهذا فالشاعر لم يكسر النسق السائد في الشعر العراقي منذ نشأته والى الآن فهو ممتلئ بالحزن ينطبق عليه قول الماغوط (الفرح ليس مهنتي) وها هو الشاعر عامر عاصي يثبت الحزن كصلاة سادسة على الفرد العراقي من خلال قوله أن (الحزن طبع أصيل في الشخصية العراقية والفرح طبع دخيل عليها) إلا أن شاعرنا استطاع أن يتميز عن سابقيه من خلال كسر الرتابة المستخدمة في تناول الحزن من خلال قصيدته الاولى (أمي تحرض الحلم ) التي جسدت حلماً شديد الحزن.
قصيدة (سيد الماء) التي يمكن القول أنها سيدة قصائد المجموعة إذ تبدو وكأنها مكتوبة لأهل البيت –عليهم السلام- من خلال المغالاة في الوصف التي تعود الى أثر بيئة النجف الاشرف الدينية التي جعلت منه شاعراً يجيد وصف الاشياء بقيمتها الحقيقية , قد تكون هذه المغالاة في غيرهم مثلبة إلا أنها فيهم حسنة:
//هم سادة الماء ينمو فوق جبهتهم// ويظمؤون وفي أيديهم السحب//
ولابد للشاعر أن يفخر بنسبه العريق ألذي ينتهي الى سادة البشر حيث يختم قصيدته قائلاً:
//هم ينتمون إليهم منهم ولدوا//أولاء أهلي فشكراً أيها النسب//
بعد ثلاث قصائد كلاسيكية في الشكل متباينة في المضمون يأتي الشاعر بقصيدته الرابعة التي يدحض بها جميع الايدلوجيات المسبقة عن (الشعراء الاكاديميون) الذين لا يجيدون سوى النظم مستعينين بالوزن والقافية, قصيدة (سيأتي نقلة نوعية مفاجئة في المجموعة تختلف عن سابقاتها شكلاً وفناً مع بقاء المضمون منسجم –لكي يحافظ على روحية المجموعة- القصيدة عبارة عن مزيج من الترق والتأمل والانتظار أعتقد أن الشاعر كتبها للامام المهدي –عج- فمن غيره يمكن أن يطهر شفاه الماء أطهر ما خلق الله , ومن يمكن له ان يقوم بكل هذه المعاجز سواه –عج-. هذا ما يتضح من طقوس المجموعة التي يكون الدين فيها أيقونة adel albsaisiجميلة فالشاعر أهدى قصيدتين الى السيد الصدر وأخرى الى سلمان المحمد وأخرى الى حبيب بن مظاهر أضافة الى كون الشاعر يبتعد الغموض ولا يتطرق الى المفاهيم الحساسة داخل المجتمع كالجنس وغيره.هذا كله جعل قصيدة (سيأتي) الى الامام المهدي –عج- . لكن هذا يبقى تأويلاً إذ إن لهذا النص قدرة متميزة لتحمل تأويلات عديدة إذ إن (تعدد القراءات سمة إستثنائية لنصوص إستنائية) على حد تعبير الدكتور رحمن غركان , فهذه القصيدة يمكن أن تكون مهداة الى حبيب غائب يرتقب رجوعه من خلال علامات داخل النص :
//قالوا سيأتي عندما الاشجار//تحترف الرحيل الى هناك//وهناك يختبئ القمر//
بعدها مباشرة جاءت قصيدة (ثقوا بالماء) التي تظهر فيها نرجسية الشاعر بشكل ملحوظ , لم يختلف البصيصي عن زملائه في هذه النرجسية إذ يقول أدونيس (من المبالغ القول أنني الوحيد..ربما أنا الاكثر جذرية) لكن نرجسية البصيصي أضفت بعداً جمالياً على النص.
بدء القصيدة بقوله (لأنني من طين) ثم بيّن أن احلام البشر صالحة للبقاء والرؤيا ما دامت مزروعة في امتداداته السمراء , ثم يقول (ولأنني من ماء) ربما كان الاجدر به المحافظة على النسقية داخل النص كان الاجدر به أن يذكر التراب بدلاً من الطين لأنه جعل من عبارة (لأنني من ) قالباً يشكّل عليه فلابد أن يكون هناك رابط بين هذا التشكلات فحين يذكر التراب الماء سيكون الرابط بينهما كبيراً إذ إن اختلاطهما سيولد أنساناً , اما الطين والماء فصلة الربط بينهما ضعيفة, مع ذلك فإن القصيدة تبقى نوعية مميزة وعلامة فارقة داخل المجموعة من خلال جماليات المعنى التي حملتها.
تأتي قصيدة (الصمت المقدس) لتكمل ما بدأ به الشاعر في (ثقوا بالماء) بحيث يزداد فيها الفخر ليصل الى أقصى جد ممكن:
//أنا ملح هذي الارض كل حيائها//تتنفس الصحراء بعض توردي//
وأيضاً:
//في جبهتي تنمو نبوة ثائرٍ//سيفر منها كل غارٍ موصدِ//kh adel albsaisi
ثم قصيدة (حلم الماء) التي أهداها شاعرنا الى الجواهري وكتبها مجاراة لقصيدة الجواهري (أرح ركابك) وبنفس الوزن والقافية, ومما يجدر ألاشارة إليه هنا أن البصيصي يمتلك قدرة شعرية هائلة فهو قد كتب قصيدة تشبه قصيدة الجواهري في الوزن والقافية والمستوى الفني , أنا لا أتردد بالقول أن هذه القصيدة إن لم تتجاوز فهي تضاهي قصيدة الجواهري فنياً.
//يا سامر الحي هذي الدار موحشةٌ//و أمّها تزرع الغيّاب في الجُدُرِ//
وأيضاً:
//يا ابن الفراتين في منفاك مغترب//منفاي في وطني هاك استمع خبري//
وليثبت موقفه المشرف الصادق حيث الموقف أهم من القصيدة يقول:
//يا سيد الشعر ما سامرت خانعةً//لساني الحر ما غنى لمنحدر//
يستمر الشاعر في رحلة إثبات الموقف في قصيدة أخرى (أحداق اغنية)) يقول:
//أبدو نقياً..(سماري) كل أمتعتي//في رحلة الماء لم أشرب سوى تعبي//
لابد لشاعر فراتي ولد من رحم العناء أن يتغنى بالجوع الذي كان ولا يزال أيقونة الحياة لنسبة كبيرة من أبناء الشعب :
//ما بين صبري والرغيف مواسمٌ//ثكلى بدربٍ بالجياع مقيد//
ينال الشاعر مهدي النهيري حصته من نكران ذات البصيصي فهو قد أهداه قصيدة رائعة تليق بجمال النهيري.يقول فيها:
//عشقته نهراً..تقبله شفاه النخيل//
هكذا هي مجموعة الدكتور عادل البصيصي لا تنضوي على طقس واحد فقط فرغم غلبة الطابع الديني فإن هناك قصائد مهداة الى الجواهري والنهيري وقصيدة واحدة غزلية.
مما يظهر جلياً لقارئ المجموعة تأثر الشاعر المباشر بالقرآن الكريم ,وهذا من حسناته إذ يقول الناقد اسامة غالي أن (القرآن الكريم هو ألأس المعرفي الأول للثقافة العربية).
إن تكرار كلمة (ماء) كثيراً داخل المجموعة يرتبط ارتباطاً بنشأة الشاعر على ضفاف نهر الفرات الذي سقاه علماً وحباً وشعراً.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.