حسين سرمك حسن : عيسى حسن الياسري شاعر قرية .. أم شاعر إنسانية ؟ (ملف/36)

hussein 7

إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.

المقالة :

( يا هذا الكهل .. أيا وجهي
أنت تكابر
قل : للطفل وداعا
قل : للبحر وداعا
قل : للحب وداعا
للغابات وداعا
واستلق فوق هشيمك وارقد بهدوء ….. )

( مجموعة شتاء المراعي – قصيدة : المملكة الأولى )
لا أعلم أي تأسيس للإتجاه الرعوي يزعمه بعض النقاد وقام به عيسى حسن الياسري في مجموعاته الأولى في الشعر ؟ لقد أمسكوا بجانب من جسم الفيل على طريقة العميان في قصتهم المشهورة مع الفيل ، هذا ربع الحقيقة في ذلك الوقت .
ولا أعلم هل أن تشبيه الياسري بالشاعر الروسي الكبير “يسنين” وتسميته يـ ” يسنين العراق ” يشكل في نظر البعض تكريما له ؟ أنا أرى خلاف ذلك ، لأن هؤلاء ينطلقون من تشابه مظهري بين الإثنين ، مثلما أرى أن تسمية الشاعر القروي
ليست دقيقة . فهل أن الشاعر الذي يستخدم ألفاظا زراعية مثلا هو شاعر ” فلّاحي ” ؟ وهل الشاعر الذي يردد مفردات صخرية هو شاعر الصخور والجبال ؟؟ الشاعر هو أولا شاعر إنسان قبل أن يكون شاعر قرى وغدران . إن الياسري شاعر إنسانية مولود في قرية عراقية على نهر أبي بشوت ، لكن همومه كونية ووجودية أصيلة تجعل شعره ذا بعد إنساني هائل ، وهذا البعد – بطبيعة الحال – لا يلغي انتماءه المحلي والوطني . في قصيدة ( أترك لي بعض الوقت ) من ديوانه ( شتاء المراعي ) الذي عده البعض ديوانا يؤسس للإتجاه الرعوي في الشعر العراقي والعربي !! ، يقول الياسري :
( الموت صديق
لا يحظى إلا بكراهيتنا
لم تعط أنفسنا لحظات
جنون أخرى
لنكون جديرين بيوم غائم
بامرأة
تشبه أمسية ماطرة
بنهار
يحمل قبضة قمح محصود للتو
بذرتنا .. كان الموت
الموت
خمرتنا كان
نتقاسمها في حفلات تبادل
أنخاب الأحزان – شتاء المراعي – قصيدة أترك لي بعض الوقت – ص 87 و88 )
يقول رسول حمزاتوف : ( أحد أصدقائي ، وهو شاعر آفاري ، صدر له في العام الماضي ديوان شعر . وقد وزّع فيه شعره على أبواب . كأنما يوزع غرف شقته في المدينة : الشعر السياسي أو الاجتماعي مثلا – المكتب ، الشعر الوجداني أو شعر الحب – غرفة النوم ، شعر في مواضيع مختلفة – غرفة الإستقبال ، الشعر الخاص بالزراعة والخبز ورعاة الغنم .. لا أعرف أين أنسبه – أليس في المطبخ ؟ ) . aisa alyasiri 6
الشاعر هو أولا شاعر إنسان قبل أن يكون شاعر قرى وغدران . إن الياسري شاعر إنسانية مولود في قرية عراقية على نهر أبي بشوت ، لكن همومه كونية ووجودية أصيلة تجعل شعره ذا بعد إنساني هائل ، وهذا البعد – بطبيعة الحال – لا يلغي انتماءه المحلي والوطني .
فهل امتياز عيسى الذي يؤسس به للإتجاه الرعوي هو في تشبيهات الأمسية الماطرة والقمح المحصود توا ، ومفردات طبيعة مثل الغيمة والبذرة .. إلخ ، أم هو هذا الإنهمام الملتهب بمحنة الإنسان في كل مكان وزمان وهو يواجه صديقه اللدود – وياله من وصف رائع للموت كصديق كريه – المثكل ؟ وعلينا أن نضع في أذهاننا حقيقة أن إحساس الفلاحين بالموت كمشكل وجودي ضعيف ، وشعورهم بالقلق – الذي يشعل جذوة الإبداع – ضئيل ( ولهذا يكون إنجازهم الجنسي كبيرا لأن الإنتصاب يبدأ في الدماغ ) ، في حين أن الياسري يعاني ومنذ وقت مبكر عمرا وشعرا من سطوة قلق الموت وضربات سياطه الممزقة . وهذا هو أنشغال مركزي من إنشغالات الشاعر ، نجده صارخا وبارزا في عشرات القصائد ، ومنها هذه القصيدة التي يختمها متوسلا بأخاذ الأرواح :
( تذكّر
يا آخر ضيف يطرق بابي
إني محتشد بالحزن البشري
وهدير طواحين الماضي
فاختر لي دربا
أقل جحيما
أرجوك :
إجعله أقل جحيما – ص 90 )
ويبدو أننا صرنا مجبرين على التنبيه – وبحس فكه – إلى أن طواحين الماضي لا يقصد بها الياسري طواحين القرية التي تطحن الحبوب !! وما قلناه لا يلغي الحقيقة القاموسية والتصويرية الرعوية أو القروية البارزة .
هذا هو درس الخراب والموت الذي يأكل فيه الإنسان لحم أخيه الإنسان ، درس فاجع ، والمشكلة هي أن المارة تدمع عيونهم ويبكون لأجل الشاعر / الحكيم الجوال ، مستثنين ذواتهم من لعنة الخراب ووحشية العالم الذي يحيون فيه . ولا يجد الشاعر من ملاذ سوى في عطايا الطفولة وذكرياتها .. دائما تسحره وجوه صبيات المدرسة .. وحتى تقسيم مقاطع القصيدة عند الياسري يأتي مدروسا ومخططا لتحقيق غاياته الأساسية من خلال مقطع هاديء النبرة وفيه صورة جميلة أو ذكرى آسرة ، ليتبعه مقطع يقلب التوقعات المُسرّة التي تأسست على الصورة أو الذكرى التي استدرجنا إليها وأطفأ بها مرارات الموقف السابق ، فبعد أن يعلن أمامنا عن إنسحاره بمرأى وجوه صبيات المدرسة ممتصا حرقة بكاء المارة المتعاطف بعد أن سمعوا درسه وهو في شيخوخته عن مظالم هذا العالم الظالم والمتوحش يعود ليصعّد صدمة المفاجأة ، فصبيات المدرسة اللاتي يحبهن يتعاملن معه بصورة أكثر إثارة للأسف والألم الذي يعتصر ذاته ، فمع كيسه ، كيس درسه العظيم ، تعتقد الصبيات أنه شحاذ بحاجة للعون :
( لكن
وما أن تخرج إحداهن ورقة
من فئة ما
وتقدمها لي
حتى أطرق بخجل نحو الأرض
وأخطو مبتعدا – ص 72 ) kh aisa 10
وحتى هنا فالشاعر ينتصر للطفولة ، لأن موقف الأسى والمبادرة بالمساعدة رغم أنه نجم عن سوء فهم إلا أنه سمة إيجابية معاكسة للفلاح الذي يطيح بعنق النخلة والحارس الذي يسرق خبز صغاره … إلخ . وفي قصائد الياسري هناك دائما روح سردية تحكم حلقاتها .. روح سردية مصوّرة .. وصورها ملتقطة بعين كاميرا سينمائية .. ولعل هذا من شروط الحداثة الشعرية : التحول في التصوير من عين الكاميرا الفوتوغرافية إلى عين الكاميرا السينمائية حيث السمة الحركية وتعدد زوايا النظر والمشهدية الممتدة والتوتر الدرامي ..
نتوقع من ابن الأرض ، ابن الحصى والمياه العميقة ، إذا صح هذا الوصف السطحي المستهلك : ” الشاعر القروي ” ، أن يكون مستودعا للأمل والنماء ، رفيقا للخضرة والحياة المورقة المنتشية أبدا ، ملتحما بحركة الطبيعة المزدهرة في ظلال كمال الإكتفاء الذاتي الغامر ، ومتصالحا مع دوافع التفتح والإلفة في أعماقه هو ذاته ، لكن الياسري فتح عيني طفولته على عالم موحش مليء بالإذلال والإنسحاق .. عالم الطغيان الذي خدع النقاد جميعا الذين ظنوا أنه وهو يتحدث عن دفء الموقد والشتاءات الرائعة والشجيرات الرحيمة والقبرات الحكيمة ورغيف الحقيبة الفارغ فإنه إنما يمجّد الفردوس الريفي ، غافلين عن أن 99% من قصائد الياسري في مجموعاته الست التي حللناها تنز بالخيبة والحزن والألم ولا توجد فيها من وقفات سعادة وجيزة سوى لحظات الهناءة الأمومية المعذبة أيضا . أي شاعر هذا الذي يحيا بين أحضان الريف “المرفه” و الطبيعة ” الرحيمة ” والبساطة الغنّاء ولا ينشد سوى للموت ؟! . ترى كيف سمحنا لأنفسنا بأن نحل محله في إسقاط تمنياتنا المعتمة والمعطلة كأبناء مدن ضائعين ومضيعين لتفسير خمس الصورة المشكوك في أصالة بريقها المتفائل ، مضحين عسفا بالأربعة أخماس المشتعلة أسى وشقاء وضياعات وانتكاسات ؟ ! والرجل الياسري صادق في الإعلان عن محنته بلا مواربة ، حدّ أن الصدق النقدي يخاتله مرائيا ، فهو لا يتردّد في الإعلان عن أنه ابن القرى المميتة والأرياف المغدورة ، في حياة سوداء لا تتيح له سوى فسحة تمني الموت وموائمة هواجسه :
( يا هذا الكهل .. أيا وجهي
أنت تكابر
قل : للطفل وداعا
قل : للبحر وداعا
قل : للحب وداعا
للغابات وداعا
واستلق فوق هشيمك وارقد بهدوء – قصيدة المملكة الأولى – ص137 )
لقد ألبس الياسري – وهذا امتيازه الكبير – كل هذه الأحزان الكونية الرهيبة لباس القرية ومفردات حياة الأرياف وأردية تحولات الطبيعة .
من هو الشاعر – الإنسان الريفي أصلا الذي يستشرف الموت المؤكد المقبل مع حبيبته .. موتهما مع ذكريات الطفولة الوردية واندثار دار الطفولة الآمنة ، كيف لا يرى إلا السواد وسط الخضرة الآمنة ، ولا يسمع غير نداءات الموت وسط سقسقة عصافير المحيط المطمئنة :
( ذات نهار
سنموت معا
أنتِ
وأنا
ومماشي غابات طفولتنا
وهدوء الدار – شتاء – “لا تنتظري شيئا”- ص 33 )
يتعكز بعض النقاد الذين ينسحرون عادة بالعناوين الكبيرة التي تعفيهم من عناءات الحفر في تربة النص الصخرية ، على العنوانات الجاهزة التي تغمط في حقيقتها حق المبدع الذي يحترق بنيران الخلق ، ولكنها توفر لهم ” كليشيه ” المداخل التي برعوا بها بطنين المصطلحات وسوء فهم ” اللغة النقدية المتعالية – metalanguage ” . وهذا يخالف المعنى الحقيقي للنقد .. ويؤذي المبدع .. ويجرّح نصّه .. ويسلبه حقّه .. لنتفق على عجالة عابرة أن الياسري موغل شعريا في الولاء للقرية والأرياف ومواقد الشتاء بمعاني الشاعر القروي .. لنتفق هكذا وبسرعة .. ولكن لنستمع إليه وهو يهشم سمعة تلك القرى المشرفة ، ويمسخ هيبة موقد الأحلام ، ويفكك أطروحة ” البراءة الريفية ” و ” فراديس القرى ” :
( لا قرى .. لا مواقد
هذي مدافن طفل الشتاء
وهذا الذي يتصاعد من كوّة الكوخ
دخان أحلامنا الذابلة – قصيدة “ذاكرة الموقد”- ص 32 )
ويبدو لي أن هؤلاء النقاد ” مستعجلين ” دائما ، يكتفون بالمقدمات ، ولا يلاحقون النص في صورته الكلية المعبرة . ويجوز أنهم قرأوا في هذه القصيدة مقاطعها الأولى التي تتغزل بنار الشتاء المقدسة وفاكهة الموقد وبراءة الجميع وطهر الأرض .. إلخ .. متغافلين عن حقيقة أن أعظم جمرة لا تخمد جذوتها في الشعر … بل نارها الحارقة والأزلية ، هي جمرة الخذلان ، جمرة الخيبة من الصلاة رغم أن الجميع يصلون وابيضت عيونهم من النظر إلى السماء ، هي التأسيس النهائي على بدايات النكبة التي كان أبشع ما فيها أنها انطبعت على صفحة روح الطفولة البيضاء للشاعر .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.