د. لاهاي عبد الحسين : وداعاً زها حديد (ملف/10)

lahay abdulhusseinأطلق الخبر الحزين والمفجع بوفاة إيقونة الهندسة المعمارية العراقية الموصلية والقامة العلمية الشامخة والأستاذة بمرتبة ‘أستاذ زائر مقيم’ في كبريات الجامعات الأمريكية والأوربية، ‘زها حديد’، موجة عاصفة من رسائل التعازي والمواساة عبر وسائل الأعلام والتواصل الأجتماعي في كل أنحاء العالم وبخاصة هنا في العراق. فقد تنادى عدد كبير من المثقفين، الناشطين، الصحفيين، الكتّاب والأدباء والأكاديميين في نعيها حتى لامست كلماتهم وتعابيرهم شغاف القلوب وإستدرت الدموع ساخنة من عيون الرجال والنساء على السواء. وصفت الكاتبة والأديبة العراقية المعروفة لطفية الدليمي حديد في أنّها ‘صانعة الأساطير المعاصرة الخالدة’. وعبر د. فالح عبد الجبار عن خبر الوفاة بالقول ‘يا لعتمة الحفرة… لكأننا فقدنا حضارة’، ووصفها مدير معهد الفنون المعاصرة في لندن نقلاً عن فاطمة المحسن بأنّها ‘كنز وطني’. لعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا ما الذي حرك نوازع العراقيين ووحد مشاعرهم وأبكاهم وجمعهم على الترحم لها وهي التي غادرت العراق في سن مبكرة وشقت طريقها في العالم لتصنع لنفسها إسماً لم يشأ أنْ يتقوقع في ميدان الهندسة المعمارية بل خرج ليخترق ميادين معرفية أخرى قلما إستطاع أحد أو واحدة أنْ يفعله. وفي خضم الظروف القاسية والمرهقة التي نعيشها كعراقيين يبدو من المناسب أنْ نجيب على هذا السؤال بتصور أنّها مثلت الحلم العراقي الطموح بغدٍ سعيد إذا ما توفرت البنية والبيئة الأجتماعية المناسبة. كما يمكن القول إنّ الغالبية العظمى من العراقيين الذين نعوا، بكوا، حزنوا وعزوا بوفاة حديد إنّما كانوا يرثون حالهم وتبدد الحلم من بين أيديهم الأمر الذي يقع في صميم ما نسميه في مجال علم الأجتماع، ‘سوسيولوجيا الموت’. فكم إنتشى العراقيون وهم يعبرون عن الفخر والكبرياء لكونهم سليلي أولى الحضارات الأنسانية المتقدمة في العالم التي أسست لنهضةٍ بشرية عظيمة إنطلقت من سومر وأكد وآشور وبابل. وكم تعالى العراقيون وتباهوا بأرض الرافدين ونهري دجلة والفرات التي سقت أمجادهم ورعت مواهبهم وخبراتهم. فكان أنْ بحث كل هؤلاء عن مصادر للفخر والكبرياء كجزء من آليات البحث عمّا يدعم مفهوم الذات الأيجابية لديهم في شخصيات بشرية ذات حضور بدني ملموس يستطيعون التطلع اليه والتواصل معه. الظاهر أنّهم وجدوها في شخصيات إنسانية إجتماعية ناجحة ومتطورة يستطيعون إبصارها وتلمسها بالدليل الميداني الكونكريتي القابل للتصديق كما في ‘زها حديد’. على هذا الصعيد، جسدت زها حديد الآلهة الحية وليس فقط تلك التي تتحدث عنها الروايات zoha 6والأساطير الموغلة في البعد عن الزمن المعاصر واللحظة الآنية. من جانبٍ آخر، قدمت حديد نموذجاً إستثنائياً عندما أثبتت أنّها هي الفتاة والمرأة السيدة التي إستطاعت أنْ تبقي على الذكر الحسن لوالدها الوزير العراقي السابق ‘محمد حديد’. وجاء هذا على الضّد مما تعارف عليه الناس في مجتمع أبوي ذكوري صارم لا تكاد تلحظ المرأة فيه إلا من وراء الجدار أو في ظل عباءة الآخر أباً، أخاً زوجاً أو إبناً. ولما كانت هي نفسها إمرأة غير متزوجة لم تنجب ولداً أو بنتاً فقد بعثت من خلال هذا برسالةٍ حكيمةٍ أخرى. لقد أنجبت حديد تصاميم هندسية ذات مسحة إنسانية وثقافية عملاقة سرعان ما صارت بياناً على قدرتها وذكاءها وتميزها المرتبط بنظرتها الأنسانية الواسعة والمستمد من أصولها الثقافية العراقية الخلاقة. إخترقت حديد ميدان تخصصها العلمي – الهندسة المعمارية – بأنجازات علمية متميزة نظرية وتطبيقية ميدانية رفعتها الى مرتبة المثقف المنتج وكذا فعلت على الصعيد الأجتماعي. إذْ قلبت الموازين التقليدية وأظهرت وبخاصة في مجتمعنا العراقي التقليدي القرابي الأبوي الذكوري أنّه لا وجود للمستحيل أمام المرأة عندما تختار طريق التميز في مستوى الأداء عبر بوابة الدرس والعلم والجهد الدؤوب. ولم يقف هذا المجتمع الموصف بالتعصب والتنكر للمرأة لا أبالياً وسلبياً بل تحرك بأتجاه دعمها وإضفاء أرقى موازين الرعاية والتقدير والمحبة والأحترام

زها تصميم فريد لطاولة وكراسي
زها تصميم فريد لطاولة وكراسي

لأمكاناتها. لقد صنعت زها حديد المجد لنفسها وكذلك للمجتمع الذي ولدت وترعرت فيه فما كان منه إلا أنْ يتلقاها بأذرع مفتوحة وإعجاب وإنبهار. يحق لنا إذن أنْ ندعي الفخر بزها لعراقيتها ونبصر نوعاً من الحكمة في وفاتها المبكرة وهي في عز نشاطها وأداءها المبدع. لعل في توقيت وفاتها وهي بعد في منتصف الستينات من العمر مسعى لتحقيق هزة قوية في وعينا. صحيح أنّها شخصية إستثنائية وبخاصة على صعيد النساء إلا أنّ للأستثناءات التاريخية من هذا الوزن وظيفة لأيقاظ النيام ودفع السائرين بوتائر بطيئة الى الأسراع في خطاهم لصنع المجد الذي يحلمون به إذا ما توسموا مسار شخصيات إنسانية معاصرة دؤوبة واثقة بنفسها لا ترضى بأنصاف الحلول ولا تساوم على التميز وألق الحضور. تجدر الأشارة هنا الى أنّ زها حديد لم تتخل عن جنسيتها العراقية ولم تقاوم فكرة تقديمها بأعتبارها مهندسة عراقية بريطانية. ولعل في هذا سبب آخر يضاف لتفسير ولع العراقيين بها وحزنهم عليها ومحبتهم لها. العراق يفي لمن يفي له. رحم الله زها حديد وأسكنها فسيح جناته الى جانب الكثيرين ممن شرفوا بلادهم وعزوا أمر وطنهم.

زها أحد قاعات مركز حيدر عليف
زها أحد قاعات مركز حيدر عليف

*عن صحيفة المدى

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

تعليق واحد

  1. مصطفى محمد

    مرحبا
    هل بامكاني الحصول على ايميل سيدة لاهاي عبد الحسين اريد التواصل معها والحصول منها عل بعض المعلومات عن كتابها ( أثر التنمية والحرب على النساء في العراق)
    وشكرا جزيلا لكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.