قاسم ماضي : هاروت وماروت يعلمان السحرَ للناس؛ رواية جديدة للشاعر الروائي د. نزيه مكي
نسيج سردي يغترف شذرات من الواقع والخيال

kasem madi 2صدرت مؤخرا ً عن روافد للطباعة والنشر والتوزيع في لبنان أول رواية للشاعر والبروفيسور في جامعة ميشيغن في الولايات المتحدة الامريكية د. نزيه مكي ، الذي خاض مسبقا ً تجربة الكتابة الشعرية وأثمرت محاولاته الشعرية عن صدورثلاثة دواوين الاول بعنوان رسائل من السجن الى جمال عبد الناصر في العام 1992، والثاني الموت في أحواض القرنفل في العام 1993 ، وآخر بعنوان دمع العين شطآني عام 2012 ، فضلا ً عن كتاب بعنوان سورة الحمد من طرق الارض والسماء وذلك في العام 2013 ، وفي معرض الحديث عن المطبوع الجديد المتمثل في نص ” هاروت وماروت يعلمان السحر للناس ” يمكن القول أن النص إرتكز على ثيمة شكلت عتبة الرواية وعصبها الذي تفاعلت جميع العناصر معه ، لتنتج مفردات تمظهرت في أنساق المتن والفكرة تطرح لنا صراع َ الانسان ِ مع القوى الخفية لعالم السحر والشعوذة وعالم الجن بمختلف إرهاصاته ، ويبدو أن الروائي المذكور مر بتجربة من هذا القبيل في مرحلة من مراحل حياته ومر بمخاضات صعبة وخرج بقناعات ووجهات من تل التجربة المرة ، ولم يجد أفضل من وسيلة الادب لتقديم ذلك الموضوع الحيوي الذي يحتل مساحات شاسعة من عالم مجتمعاتنا العربية والشرق أوسطية وأقصد هنا عالم السحر والسحرة فما تزال شرائح كبيرة من مجتمعاتنا تتشبث ببعض الافكار والمسلمات التي لم تعد مناسبة ولا مقبولة في راهننا المعاصر الذي يفترض يشهد تحولا ً نوعيا ً في مستويا ت الوعي فضلا ً عن عنصر الايمان الروحي الذي يمثل إحدى عناصر الحصانة للفرد الذي يحول بينه وبين التعاطي مع عالم السحر والشعوذة ، وبإقتراب الشاعر والروائي د. نزيه مكي من هذه المنطقة يكون من أولئك القلائل الذين يحاولون الخوض في مناطق غير مأهولة حيث تحفل تجربته الروائية التي تكتسب خصويتها الفنية والادبية المتميزة من فكرتها المطروحة وطبيعة سردها ومعمارها الفني الذي حاول الروائي من خلاله المزج بين لغة واقعية بسيطة وبين لغة فيها من الشاعرية ولا سيما في المشاهد التي تمثل حالة من التجلي بينه وبين الله سبحانه وتعالى .
وإن من مظاهر تميز تجربة د. نزيه مكي الروائية هو رغبته في التجريب في نموذج الراوية الواقعية ذات البعد الايديولوجي التي لطاما إزدهرت في عالمنا العربي في فترة ما ، والبعد الايديولوجي في هذه الرواية هو ضرورة لفرز مظاهر الشر والخير عبر صراع البطل حامد مع القوى الخفية للجن والسحر وتمثل الايديولوجيا هنا مبدأه الايماني في عملية التعاطي مع تلك الحالة من الصراع ورغم الاسلوب الواقعي الذي تمظهرت به الرواية عبر فصولها الاربعة والعشرين إلا أن المؤلف آثر تحفيز بنيته الدرامية عبر خطوط nazih makiصراع مفترضة وثانوية ساهمت في تقوية البنية الاساسية للصراع التي هي بين ( حامد والجن ) ومن أبرز خطوط الصراع الثانوية التي عززت درامية الاحداث وساهمت في تصاعد عناصر الصراع العلاقة الملتبسة بين زوجة حامد وأمه ، وحالة الشك التي تحاول الام زرعها في نفس حامد إزاء زوجته عايدة ومحاولاتها الحثيثة لإحداث حالة الطلاق بين حامد وزوجته ، فضلا ً عن مساحات صراع ثانوية أخرى تجسدت في تعرض إبنة حامد للخطر جراء تعرضها للجن ويمكن القول أن الفصول الأربعة الاخيرة تجسدت فيها حبكة الرواية عبر أحداث مهمة وإزاء ذلك المعمار الفني المفعم بالواقعية ، لم يتخلى د. مكي عن محاولات إيجاد قيم جمالية ومعرفية ، وهو ما تسعى الرواية أو أي جنس أدبي لتكريسه وتثبيته ضمن وحدات النص لإيصال معنى معين ، ولاسيما تلك المقاطع التي عبر خلالها عن كيفية نسج العلاقة بين الخالق والمخلوق في مثل تلك الحالات التي يتعرض بها الانسان لخطر السحر والجن وتميزت لغة النص ببعدها الجمالي عبر الاستعارات القرآنية التي إستخدمها الروائي والتي جاءت منسجمة مع أجواء الحدث ، فضلا ً عن بعض الاستخدامات الشاعرية التي وظفت للتعبير عن حالة الحب بين حامد وزوجته عايدة التي مثلت أحد أقطاب الصراع ، ويمكن القول فيما يتعلق بتلك الرواية أن العنوان الذي يعد عتبة الرواية الاولى عكس مضمون النص بطريقة مباشرة إلا أنه أخذ أبعادا ً متعددة ومن الصعب الامساك بدلالاته العميقة من الوهلة الاولى ، وقد تميز النص بمظهر نصي مميز وهو تنبيه يستوقف القارئ ويدعوه الى تأمل فحوى هذا النص حتى يستطيع الحصول على قراءة بعيدة عن كل التأويلات الخاطئة ، وبرزت سيمياء kh nazih makiالمكان في هذا النص حيث عكست مفرداته تجربة تحمل معاناة الشخصية وفضاء لتفاعلات أحداث الرواية وشخصياتها وأفكارها ورؤيتها والبيئة المكانية التي نسجها ” د. مكي ” جسدت مجتمع الجالية في مدينة ديربورن ، وتشي بذلك أسماء الشوارع والامكنة التي وردت في سياق وصف الاحداث ويبقى المكان أحد أهم العناصر التي تلعب دورا ً هاما ً في السرد والمكان في نص “هاروت وماروت ” بما يحمله من دلالة فإنه يؤدي وظيفة موضوعية وبنيوية بوصفه وسيلة للتشخيص ، وخلاصة القول أن هذه الرواية تحمل درسا ً بليغا ً وتطرح رؤية فلسفية حول طبيعة التعاطي مع هذا النوع من المشكلات وهي تمثل وصفة روحانية في معالجة داء السحر .

قاسم ماضي – ديترويت

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

| زياد جيوسي : قانون جذبي أنا بين المتخيل والواقع.

 ما شد انتباهي في الفترة الأخيرة كتاب من مئة وثلاث وثمانين صفحة من القطع المتوسط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.