ناظم السعود : لا صحافة أدبية في العراق (19)
قول في القصة التفاعلية (2/2)

nadum alsod 6إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر الكتاب الجديد للناقد والصحفي والمجاهد الثقافي العراقي الأستاذ “ناظم السعود” “لا صحافة أدبية في العراق” على حلقات. وناظم السعود مدرسة صحفية عراقية أصيلة ، وقلم نقدي بارع ، وسمته المشتركة الأهم في الحقلين هو أنه مبضع لا يهادن، ولكنّه مبضع جرّاح فيه الشفاء للنصوص والنفوس العليلة، فناظم لا ينسى دوره التربوي الخلّاق أبدا. في هذه الحقات دروس عميقة ثرة من تجربة السعود.. فتحية له وهو يبدع وسط لهيب محنته.

المقالة :
من الواجب علينا الآن ـ وقد مهّدنا لموضوعنا عن القصة التفاعلية في العدد الماضي – أن نكمل قولنا عنها وان نستشرف ما بها ونجمل مقولات الآخرين عنها للوصول الى إجابة حاسمة : هل إننا أمام مفصل تاريخي وفني تخوضه القصة القصيرة في العراق من اجل فهم مغاير وشكل جديد للقصة ذاتها ؟! وقبل هذا المسعى لا بد من العودة للبداية التي يحددها صاحب القصة التفاعلية ومنظرها الأول القاص صالح جبار محمد كما يأتي : (( بدأت القصة التفاعلية بفكرة طرحها القاص ( صالح جبار محمد ) تمخضت عن ولادة القصة التفاعلية الأولى على الورق وقد اسماها ب ( مقاطع حمادي التفاعلية ) اشترك فيها أربعة قصاصين اذ كتب القاص صالح جبار محمد المقطع الأول منها والثاني القاص علاء حميد الجنابي والثالث القاص سعد عباس السوداني والرابع القاص عبد الكريم حسن مراد وقد احتضنت قاعة المنتدى الثقافي الحر بتاريخ السبت 20/ 12 / 2008 أول جلسة نقدية لها..)) ونفهم من هذا التحديد ان القصة التفاعلية ” في نموذجها الأول المنشور ” كانت أولا فكرة فردية تعود إلى عام 2008 وسرعان ما طلب من بعض القصاصين ان يكملوا الفكرة بكتابة مقاطع خاصة بهم وتم نشر هذا النموذج كثيرا عبر وسائل الإعلام المختلفة وجرى تقديمها والتنويه بمزاياها بشكل علني وعلى نطاق واسع .
وكما كان متوقعا ( وككل محاولة تروم التجديد ) فقد حفت بهذه القصة مجموعة من الآراء والتنظيرات والكتابات التي تمهد لهذه القصة كونها الشكل التطويري لنوع سردي مكث طويلا وآن له ان يتغير ،فقد علق القاص صالح جبار على وقائع الجلسة الأولى بهذا الصدى (( واتفق غالبية المشاركين على رأي مفاده ان هذا التطور في القصة العراقية الحديثة يعد نوعا من الريادة والإبداع في الأدب التفاعلي في الأقل ضمن حدود الوطن وبعد ذلك أعلنت عن تأسيس وتشكيل مختبر السرد العراقي لأول مرة في العراق الذي ضم خيرة القصاصين والنقاد …)) وقبل ان يكمل شهادته التوثيقية المهمة عن بداية هذه التجربة أعطى القاص صالح جبار كأي فنان مهموم بالتجربة وما يحيطها أو يراد بها إشارة ذكية و تذكيرية ( أم تراها تحذيرا مبكرا ؟) طلب فيها من الجميع الانتباه إلى ” حقيقة ثابتة مفادها أن هذه الريادة الفنية تبقى منقوصة ما لم تكتمل أداء ومواصفات فالانغلاق على ذاتها لا يجدي نفعا والاكتفاء بما لديها من إمكانات لا يزيدها عمقا وانتشارا فالمطلوب – هنا – ان تحقق انجازها الفني المتكامل الذي يضمن لها الاستمرار والرواج . فهذا التطور الحاصل في مجال الأدب التفاعلي الذي كونته تطلعات هذه المجموعة من القصاصين لم يتحقق إلا من خلال ما تهيأت له من فرص الظهور ضمن واقع متحول ومتغير ومبعث هذا التحول بالدرجة الأساس الذوق الفني العراقي الذي استساغ واستوعب هذا التجديد في القصة العراقية الحديثة “.saleh gabbar 3
واشك كثيرا في أن ” الجميع ” قد استوعب أو اتبع خطوات ما أراده صاحب التجربة ووضع النصائح لمتبعيها خشية على مشروعه الريادي من الكلام والإدعاء وان يتحقق الانجاز الفني المتكامل قبل أي ادعاء أخر فهل جاءت الحصيلة بالمبتغى؟ لنأخذ بعضا مما كتبه النقاد المسايرون لهذا الاتجاه : قال الناقد علوان السلمان (والقصة التداولية التي بين أيدينا ما هي إلا نتاج التطور الفكري الذي لازم المراحل التاريخية ،فكان جنسا أدبيا له ميزاته الخاصة التي ميزته عن الفنون السردية الأخرى ..وتجربتنا اليوم توثق على الورق بمشاركة مجموعة من القصاصين الذين أبدعوا معرجين على مقدمة وحدث ..حتى خلق أحداث ونهاية) في حين رأى الناقد موسى حسين القريشي ( القصة التفاعلية – قصة تتنوع فيها الأقلام والأفكار والأساليب والمضامين كتنوع القافية في قصيدة الشعر الحر في كل مقطع مع الالتزام بوحدة الموضوع لأن القصة التفاعلية لا تطيح بفكرة وحدة المؤلف ولكن الرؤى تختلف عند القصاصين لاختلاف العواطف والأحاسيس والخلفيات الثقافية..) اما الناقد عبد الرضا صالح فقد ذكر (القصة التفاعلية بوصفها أسلوبا جديدا في طريقة السرد ، أو نوعا جديدا في أسلوب كتابة القصة القصيرة ، وليست القصة التفاعلية سهلة كما نتصور، إنما هي طريقة تصعب فيها القراءات النصية ،والتحاليل الرمزية والدلالية ، والكشف عن عناصرها ومكوناتها ، وتؤدي إلى نوع من إشكالية الفهم التحليلي والاستقرائي الذي يصادفه الكاتب وغموض في إدراك مضامينها في حالة البناء والتكوين المحكم ، في سير حراك القص، يشترك في كتابتها أكثر من قاص ، فهي في القص ، لعبة شطرنج ، يشترك فيها أكثر من لاعب).
لا شك ان هذه الآراء المصاحبة ، وهناك آراء ومقولات أخرى ،قد تناست او أجلت البحث والمعالجة والإضافة التي أرادها وقننها صاحب التجربة من المبدعين والمهتمين بهذه القصة حتى تكون تطورا نوعيا للقصة العراقية وأسلوبا جديدا في طريقة السرد،

غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن
غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن

فهل خرجت هذه القصة من رداء النقص بغية ان تكتمل -أداء ومواصفات – وهو السبيل الوحيد للخروج من حالة” الانغلاق على ذاتها لا يجدي نفعا والاكتفاء بما لديها”؟؟ والواقع. المبصر يقول – لمن يعي ولا يدعي- ان هذه المحاولة التطويرية والوثوب نحو ( الريادة الفنية) لم يأتيا بأي نتيجة ملموسة منذ مرحلة البداية خلال عام 2008 ولغاية الآن ( مع عدم نكران شرف المحاولة والقصد )بمعنى ان السنوات الست الماضيات لم تفلح في إكمال ” النقص المؤشر ” وما زال مبدعوها يكتبون على ذات النهج الذي حددته البدايات كما أن الكتاب والنقاد لم يساعدوا النموذج المقترح لتنضيجه وإيصاله لمرحلة الريادة أو الجدة المبتغاة .
ولا افهم كيف تكون المسميات او المصطلح هي التي تهم صاحب المشروع وهناك ارتباك كبير يخض القصة التفاعلية منذ بدايتها في مجال المسميات مثلا؟ من التكرار الممل ان نذكّر الآن بالأسماء العديدة التي أطلقت على هذه المحاولة :
( القصة التفاعلية/ القصة التداولية / القصة الرقمية / القصة المقطعية ) فكيف لنا ان نحسم كلا من هذه المسميات والاستقرار على إحداها ( التفاعلية مثلا ) للخروج من إرباك التسمية المتعددة ؟واسأل بمحبة : هل إننا حقيقة أمام منجز ( القصة التفاعلية ) وله من الأمثلة والأصداء النقدية ما يسندها في تسميتها المقترحة؟ دعوني أصارحكم أنني لم أجد قصة تفاعلية ( في نماذجها المنشورة ) حتى تكون مفصلا فارقا للقصة في العراق او مرحلة جديدة للتطوير فيها مع أنني اقر بجاذبية البداية والميزة التي ينبغي ذكرها تتمثل في جماعية الأدب القصصي مع انه فن فردي ولكن في هذه القصة يتطلب الأمر أن ينفعل مجموعة من القصاصين مع فكرة سردية أولى فيكتبوا مقاطع خاصة بهم لاستكمال ما قرأوه أولا .
والحقيقة الفنية والتاريخية تدعونا لنسيان ( القصة التفاعلية ) التي لم نجدها ابدا في هذه المحاولة ذلك ان التفاعل أصبح مصطلحا عالميا وله قراؤه ومبدعوه في كل مكان وهو يخص – لو شئنا الدقة – القارئ أكثر من الكاتب او المبدع لسبب وحيد يتمثل في ان القارئ ” يشارك ” ويحدث تغييرا في الأثر الأدبي الذي أمامه ( القصة القصيرة هنا ) فيقدم ويؤخّر ويحاور ايجابيا الأثر فلا يبقى الأخير كما كان أول القراءة وهذا هو التفاعل المطلوب والحقيقي فهل نحن أمام تفاعلية في القصة ؟! الخيبة في التسمية تكبر حين نقول – على ضوء براهين – ان صاحب المشروع ومسايريه قد ابعدوا التفاعلية والقارئ تماما عن نصوصهم الثابتة ومقولاتهم بل أنهم ( في الواقع) قد كتبوا تجربة ورقية ( بشكل جماعي ومقطعي) لا صلة لها بالأدب التفاعلي ولم يتنبهوا الى الدلالة العميقة التي قصدها مبدعنا العراقي مشتاق عباس معن الواردة في كتابه الحواري المذكور في الجزء الأول حين قال ( ان التجديد لا يأتي إلا من خلال منفذ التجريب ، لذا كان هاجس التجريب التفاعلي متأتياً من ولوج الجديد الزاحف إلى عالمنا بحكم الحاجة إليه( …) لابد من ( التعايش ) بين الأذواق والأفكار والسنن حَريّة بالاعتراف ؛ لأن الثقافة ممارسة تراكمية متداخلة الجذور..) فكيف هو الحال لو تم استبعاد القارئ من تجربة ورقية ثم يشاع تسميتها بالقصة التفاعلية ؟!.
إننا برغم جل احترامنا لجميع المسهمين ( كتابا وأصحاب مشروع ) لم تعثر على ما نحتفي به او نرفعه لمرتبة الريادة الفنية التي تشكل قطيعة نوعية مع ما سبقها من مراحل واتجاهات برغم مرور السنين ويكمن السبب في هذا البحر المتلاطم من التصريحات والادعاءات واستعجال التغني بالتسمية قبل المنجز الفني مع إتباع أسلوب حرق المراحل حتى مع تجربة لم تنضج بعد .. وما زلنا في الانتظار !.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.