أ. د. نادية هناوي سعدون : النقد بين الانفلات والصرامة قراءة في كتاب المفكرة النقدية

nadia hanawi 2يبتدئ كتاب ( المفكرة النقدية ) للأستاذة د. بشرى موسى بافتتاح يتأمل العملية النقدية بوصفها فاعلية انطباعية ذات مديات تحرر الناقد من التقيد المنهجي وتجعله قادرا على الانفلات من ربقة التقيد العلمي الصارم لتقول ” أحاول في أوراق مفكرتي هذه أن أدشن نمطا من الكتابة .. يقترب من كتابة السيرة .. ولكن لم تكن هذه السيرة فيما انتهت إليه خاضعة لعنفوان النقد وجبروته” ص5.
ولعل المبرر لأحقية مثل هذا النظر هو الفسحة التي سيتمتع بها الناقد في التنظير والتحليل فضلا عن المرونة التي ستحقق له التحليق ببساطة وتلقائية في فضاءات لا حدود لها.
وإذا أرادت المفكرة النقدية أن تكون بمثابة ( وقاية فكرية ) فإنها اتكأت على الكتابة المقالية والمعاينة المقتربة من كتابة الخاطرة .
والذاكرة القرائية ـ وفقا لنظرية الاقتران الشرطي في أن لكل مثير استجابة ـ لن تستحث أو تستدعى إلا بوجود مثير يحفزها على الانفلات الواعي أو يساعدها على الاندلاق المعرفي .
وبناءً على ذلك تكون المعلومات التي يدشنها الناقد من مفكرته أو يستدعيها من ذاكرته خاضعة لمحفز يجعلها لا تتقيد بالموضوعية ولتكون الانطباعية أو الذاتية هي السمة الغالبة وعند ذاك لن يستطيع الناقد أن يتحصن من الوقوع في مطب اللامنهجية حين يعجز عن تحديد مظانه المرجعية ويستغني عن تحديد إحالاته إزاء المعلومات والموضوعات التي يدلي بها .
والانطباعية عادة ما تكون سببا في توجيه النقد نحو الحكمية تحيزا أو تحاملا من جهة أو قد تودي بالناقد إلى منطقة التمويه والمواربة أو المهادنة ..
ومثلما أن المقصدية النقدية وحدها لن توفر الرؤية المتزنة ذات المنفعة الموضوعية التي تمنع من تغلغل سلبيات الذاتية ومحاذيرها على مستوى الإجراء والتنظير ؛ كذلك يكون امتلاك مؤهلات الكتابة بأسلحة واعية واليات منتجة لا يجدي نفعا في الخروج من عنق الزجاجة المنهجية بصرامتها التي توجب على الناقد إخلاء منطقة النقد من تبعات النقد التقليدي تذوقا وتأثرا وذاتية وحتى الحرفية لن تستطيع أن تمنع النزعة الذاتية من اختراقها غير المشروع لموضوعية النظر الداخلي للنص المقروء .
وذا كانت المفكرة قد وصفت نفسها بأنها ” تكثيف دال لما تناثر في عشرات المصادر مما لا يتسنى لغير العارف بخفايا الكتابة النقدية وأسرارها الوقوف عنده بعيدا عن الخروج إلى الروافد والجداول الصغيرة التي تضيع مجرى النهر الرئيس ” ص7؛ فان من مسلمات النظر النقدي أن الذاتية هي أقدم أشكال الكتابة النقدية وليس في هذا المسلك جديد يقال ، فقد حسم النقاش فيه منذ أمد ليس بقريب لتتوالد المقاربات وتتطور المنهجيات باستمرار في النقدين الأوربي والأمريكي .
ومن ثم فهي ليست ابتكارا تجريبيا كما تدعي الناقدة ” إنني دشنت ولو على نحو محدود نمطا جديدا من الكتابة النقدية .. أردتُ أن أبدا ولو على استحياء بتجريب هذا النمط الكتابي الذي قد أكون مؤهلة له أو لا أكونه ” ص7 .boshra mosa
وما أحوج نقدنا العربي المعاصر إلى أن يلحق بركب النقد الغربي ليفصل القول بين محطات ورؤى أكل الدهر عليها وشرب لنتحرر أولا من تبعات الماضي البعيد ونمنح أنفسنا انفتاحا يجعلنا اقدر على التحاور والتفاعل في مواكبة حقيقية للحداثة أو ربما لما بعد الحداثة أيضا ..
وتتوزع مقالات كتاب ( المفكرة النقدية ) بين المقالات ذات المضامين التقليدية مثل ( قراءة التراث ـ السيرة ـ الواقعية ـ علم النفس ) والمقالات ذات المضامين الحداثية مثل ( السيمياء واللسانيات والشعرية والدلالة والبنيوية والنسوية والأسطورية ) .
ويلحق بما تقدم مقالات أدبية وليست نقدية هي اقرب إلى كتابة الخاطرة والسيرة مثل ( حلم ـ المقام والذاكرة ـ ثلاث مرات لأساتذتي ـ للحياة مشهدان وغيرها ) والتي لم تتجاوز مساحة كتابتها الصفحة الواحدة.
والمقالات بعمومها كلها هي اقرب إلى الأدب منها إلى النقد ، ليكون الخط الكتابي العام للمفكرة هو خط الأدب النقدي وليس النقد الأدبي ولا يخفى أن هذا النوع من النقد يمنح الكاتب مظلة رحبة للكتابة وفضاءات سابحة في متاهات الإبداع .
وهذه المساحات وتلك الفضاءات هي ابعد ما تكون عن نقاد الحداثة الذين عرفوا بتوجهاتهم المحايئة للدراسة النصية والمناوئة لهذا المسلك في الكتابة أمثال رولان بارت أو امبرتوايكو ..
وإذا كانت المفكرة قد ناقشت موضوعات قد تثار داخل أروقة قاعة الدرس حسب في المقالات : ( المذهب ، المنهج ، تاريخ الأدب ، الشعر الحديث ، الصورة الشعرية ، والبلاغة والأسلوبية ) ؛ فان هناك أفكارا اندلقت أيضا من ذاكرة العملية التدريسية لأسئلة يطرحها طلبة النقد ومريدوه من قبيل ( مكانة الإحصاء في النقد الأسلوبي وفاعلية التوازي في النقد وتحليل النص الشعري والمطولات الشعرية والمعجم الشعري وفاعلية الشعر وتدريس الأدب ومأزق القراءة والشعر واللاشعر واللغة والميتالغة والحداثة والنقد الموضوعي )
ناهيك عن تلك المقالات المتناولة لموضوعات ذات تخصصية نخبوية مثل ( المنهج النقدي العربي وإشكالية قراءة التراث واللسانيات والتلقي والتناص والبنيات الدالة والظاهراتية والعمل المفتوح والتفكير الأسطوري وتحولات الشخصية) وهذه الموضوعات من الاتساع ما يجعلها لا تصلح إلا لأن تطرح في إطار كتاب مستقل أو ربما في إطار سلسلة كتب ..
وإفادة الناقد الأكاديمي من التدريس وتقديم محاضرات أسلوب كان قد ابتدعه الرعيل الأول من نقادنا لتكون تلك المحاضرات بمثابة البذرة الأولى لمادة كتابية يمكن أن يضمها كتاب واحد ، فقدموا مادة مدرسية تغذي عقول الطلبة إلا إنها لا تضعهم أمام محطة التلقي الجاد وهو المبدأ الذي آثرت نظريات ما بعد الحداثة إلى إعلائه وتوكيده اعني التلقي المنتج لمظان المادة المبحوثة المناقش لعلميتها تصويبا أو إضافة.
وعود على ما تقدم يبقى للانطباعية حسناتها وفي مقدمة تلك الحسنات أنها تجعل المقروء متاحا لكل طبقات القراء متخصصين وغير متخصصين فلا إحالات وهوامش ولا مداخل وخلاصات ولا محاور ومباحث تستوجبها موضوعات نخبوية مثل ( الواقعي والمتخيل أو موت المؤلف أو القارئ الضمني أو السيمياء ) وعند ذاك هل ستكفي بضع صفحات محدودة الحجم لان تتجاوز الاصطلاحية أولا ولان تموه الرؤية الإجرائية آخرا ؟!

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاتف بشبوش : رماح بوبو، شجرٌ لاذقيٌ ، طالِعٌ من الشِعر ..جزءٌ ثانٍ .

في السجن كان الحلم يأتي كمالايريد قلبي ولاالسجان شفافاًوأبيض رأيت رفاقي يحملون دفاترا وأزهاراً ثم …

حــصـــــرياً بـمـوقـعــنـــــا
| هيثم محسن الجاسم : منظور الوطنية عند الروائي أحمد الجنديل في رواية ” الرمــــاد ” دراسة ذرائعية علمية (2/2) .

ب-موقفه من نوع هذا الواقع: بالتأكيد لا نأتي لتلك الحقبة جزافاً من دون راو ذكي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.