تابعنا على فيسبوك وتويتر

hamid almukhtar 3إشارة :
رحل المبدع الكبير “عبد الستار ناصر” في الغربة ودُفن هناك .. ومرّت ذكراه شبه يتيمة بلا ذكرى .. وبلا احتفاء ومراجعة تليق بقامته الإبداعية الشامخة .. أسرة موقع الناقد العراقي تقدّم هذا الملف إحياء لذكرى عبد الستار ناصر واحتفاء بمنجزه الإبداعي الفذّ. وسيكون الملف مفتوحا على عادة الموقع . تحية للمبدع الكبير عبد الستار ناصر.

المقالة :
منذ أن حط بي المقام في سجن (أبو غريب) ومنذ الأيام الأولى نقلوني إلى محجر ضيق إحاطته الظلمة من كل مكان، ثمة كوة ضيقة كانت هي الوحيدة التي تشكل لي فسحة الأمل، ذات يوم أطل من تلك الفتحة وجه عجوز كان باسماً ثم قال: أنت أيضاً تكتب القصص؟ أجبته بتردد:

نعم، قال: ذات يوم منذ بدايات السبعينات البعيدة؟ جاءوا إلى هنا بشاب وسيم وكان كاتباً أيضاً.. لقد كان جريئاً لأنه كتب قصة شتم فيها النظام ولهذا حبسوه في هذا المحجر.. القصة هي (سيدنا الخليفة) كتبها عبد الستار ناصر مطلع السبعينات.هذه القصة هي التي قادته إلى هنا، إلى هذه القضبان وهذا المحجر.
من هنا انطلقت نوارس عبد الستار ناصر حيث حول السجن طيلة إقامته فيه إلى مشغل للسرد والأمل، من هنا طار عبد الستار إلى حقول العشق والفرح والترحال في إنحاء العالم وهو يحمل في جعبته قوافل من الكلمات تقطر عسلاً وفلاً . ولايظنن أحد أن عبد الستار عاش حياة وردية خالية من المعاناة والألم، فقد كان يعاني كثيراً من مضايقات الحاسدين والمبغضين وكتاب التقارير وصانعي ومروجي الشائعات وعانى أكثر من مضايقات النظام ما اضطره تحت وطأة الخوف والحاجة إلى الكتابة عن الحرب.. لهذا فهو يقول ( ان كل تاريخ عظيم لا بد أن يسبقه ألم عظيم) !
هذا الرجل الذي قد يكون دفن في حوصلة عصفور أو في فم قبلة سقطت سهواً وهو الذي يقول عن نفسه (أنا الثوري الأول في العالم الذي يستمد ثوريته من كونه عاشقاً من طراز عمار البدري) وهو الذي كان لديه القدرة على الجمع بين الحب والحرب في حضن امرأة، وها هو ينحني احتراماً وتقديراً لمن يقدر على زرع ياسمينة جذلى وسط مستودع من القنابل، ماأروعك ياصديقي وأنت تصف الرجال البارعين الذين يذكروننا وسط دمدمة المدافع بمرج أخضر يزرعه الحب وتغنيه نساء بطعم الروح.. لهذا أصبح عبد الستار ناصر حقولاً من قداح يسم اللغة بميسمه الابري الشفاف.abdulsattar naser 8
يكتب الكلمة فتخرج منه بسلاسة روحه وجمال سرده وسهولة أفكاره، بل انه سبق معظم كتاب العراق بجرأته في جل الأفكار والقضايا التي كتب فيها ولم يتراجع عن شيء كتبه، بل انه يثني على الشباب التواقين إلى البحث عن جديد في شواطئ السرد العراقي، ولا يدخر وسعاً في مساعدتهم ولا نصيحة إلا وأسداها لهم. وأنا كنت واحداً من الذين أعجبوا بشجاعته وجرأته وإمكانياته في الكتابة وفي الحياة فهو العاشق الأول والمغامر الخطير والمغامر الكبير، معلمنا الذي قادنا إلى سفوح لم تطأها قدم رحالة قط، قادنا إلى اكتشاف ذواتنا السردية، علمنا كيف أن العثوق المثمرة تنحني لقطف الآخرين، انه تواضع الكبار لا شموخ القصب الأجوف الذي يثير السخرية.. ولأنه كبير فهو يجل الكبار ويذكرهم دائماً.. محمد خضير وجليل القيسي ومحمود جنداري وعبد الخالق الركابي وموسى كريدي وسامي محمد وفهد الأسدي وسركون بولص والقائمة تطول. ولا ينسى ابداً الكتاب الصغار في زمنه أولئك الذين كبروا بعد أن غادر هو العراق إلى منفاه الأخير، ان من يقرأ كتابه (الهجرة نحو الأمس) يكتشف أن الرجل يحتفي بأصدقائه يكتب عن نصوصهم، حيواتهم، يعطي لكل ذي حق حقه ولايبخس أحداً أبدا، أنا قلتها مرة وسأقولها ثانية لو قيض لهذا الرجل أن يولد في مصر التي أحبها كثيراً لصار أكثر شهرة من يوسف ادريس وجمال الغيطاني ولأقيمت له التماثيل، ولكن من حسن حظنا وسعادتنا انه ولد هنا في بلاد ما بين النهرين حتى انه صار يشكل لنا نهراً ثالثاً وهو نهر السرد المطعم بالشهد والعسل الآتي من الفردوس والذاهب إلى المنفى حيث الوحدة والعزلة والعودة ثانية إلى الفراديس المفتقدة.

*عن صحيفة المدى


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

تعليق واحد لـ “حميد المختار : عبد الستار ناصر.. استاذ السرد (ملف/10)”

  1. صالح الرزوق يقول :

    من المجحف أن يكتب قاص عن قاص سبقه. و لكن هذه المقالة قصيدة غزلية برائد من رواد الأدب العراقي و العربي . فقد تعلمنا منه كل شيء عن بواكير القصة العراقية حينما كانت السيبل مقطوعة بين سوريا و العراق. كما أنه رائد من رواد قصص الكوابيس على طريقة كافكا في مجموعته موجز حياة شريف نادر.
    شكرا للكاتب و المكتوب عنه.

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"