حسين سرمك حسن : الرثاء في شعر عيسى حسن الياسري (3/3) (ملف/34)

hussein 7إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.

المقالة :
ج – رثاء الطفولة : البحث عن الطفولة الضائعة
قصيدة ” يا أطفال بلادي ” أنموذجا
منذ مجموعاته الشعرية الأولى ، بل منذ نصوصه الأولى ، تشعر أن هناك معضلة في حياة عيسى حسن الياسري اسمها : الطفولة . الطفولة عبء رهيب على وجود عيسى الفعلي وعلى كتفيه الشعريتين ، ينوء به عمرا كاملا وحتى يومنا هذا ، لكنه العبء اللذيذ المعذِب ، هو أشبه بجراب ضخم تتلاعب بمحتوياته ، في لحظات الخلق الشعري ،
في رثاء الطفولة الضائعة تقف قصيدة ” أطفال بلادي ” نصا هائلا والشاعر يلاحق طفولته من خلال خساراتها المضاعفة . ومنذ المقطع الاستهلالي يضعنا الياسري في قلب المقارنة الزمنية ، بين ماض رائع آمن ” كان ” ، وبين حاضر بشع مظلم ” كائن ” يجثم ككابوس ثقيل على صدور الأطفال الغضة :
( أنتم يا أطفال بلادي
يا من كانت لكم أرض طيبة – أناديك – قصيدة ” أطفال بلادي ” – ص 84 ) .
ثم يمضي الشاعر لـ ” يفسر ” – وهذا من سماته الأسلوبية – اللمحة الاستهلالية ، معنى الأرض الطيبة التي “كانت” .. سمات طبيعتها الآمنة .. أزهارها الجميلة .. فراشاتها الأليفة .. ونهرها الحنون الذي كان حضنه البارد يقي أطفال بلاده لسعات الصيف اللاهبة . هذا هو حال ” الكانت ” ، فما هي طبيعة ” الكائنة ” ؟ . غاب الربيع الذي كان الأطفال يمرحون وسط زهوره ومع فراشاته ويغسلون أقدامهم الصغيرة بنداه .. لقد انطفأت أفراح الأطفال وصارت الشواطئ قاحلة ومهجورة . هناك دائما نقلة أو ” سقطة ” من عالم فردوسي آمن متعال ، إلى جحيم مخيف ، من صنع الإنسان ، هذه السقطة ” لازمة ” في أغلب نصوص الياسري . هو يضعنا باستمرار في حالة مقارنة بين حالين .. أو مستويين من الزمان .. ماض ربيعي – وهنا يمكن أن تظهر قروية الياسري وتأسيسه للإتجاه الرعوي بجلاء – ، وحاضر هو فصل غريب ” مصنّع ” لأنه خارج كل الفصول المعروفة .. هو أسوأ من الفصل الذي نمقته عادة : الخريف . فحتى الشتاء الذي يمقته أبناء المدن هو فصل انتعاشة حياة فقراء الريف وهو الفصل المسيطر بإيحاءاته على الغالبية المطلقة من مناخات قصائد الياسري وهي سمة أسلوبية أخرى .. وحتى الصيف له نعمه .. وكيف بالربيع وهو فصل الخضرة والنماء الذي يزدهي بحلته في فضاءات الريف الفسيحة المفتوحة ؟.. ولتأسيس ذهول فاجعة الخسارات يعود الشاعر إلى ” تكتيكه ” المناور الذي يوهم المتلقي من خلاله بأن موجة الأسى والتمزق قد هدأت واستقرت عند سفح الخسارة الدائمة .. وأن بداية مسالمة و” طبيعية ” ومهادنة على الأقل يمكن أن ينعش الشاعر نفوسنا بها .. يجيء المقطع السادس – ونادرا ما يكتب الياسري قصيدة متصلة غير مقطعة وهذه سمة أسلوبية أيضا – ليصور فيه الشاعر لوحة هي في الواقع خارج السياق ” السردي ” التسلسلي للقصيدة .. صورة نسمها بسمة المتعادلة .. قائمة بذاتها .. مكتفية بمكوناتها الناعسة .. وكأنها مناخات حركة الولادة والطلوع من رحم الأم .. هي مناخات ولادة فجر الطبيعة .. إنحلال روح الله في مكونات خلقه : aisa alyaseri 6
( عند طلوع الفجر
حيث الغبش ما يزال يغطي
ذؤابات الأشجار
ونوافذ البيوت
وحقول السماء – ص 85 )
هنا تأتي وقفة نسترد بها أنفاس أنفسنا المتقطعة ألما .. لنتوقع – ومجرد التوقع – أن الآتي سيشطف أدران الماضي السوداء .. وأن الكان المعتم سيحل محله هذا الفجر الكائن الفضي الحيي .. نهدأ نفسيا ونتصالح مع أجواء القصيدة الجديدة – الواقع الذي نتمناه ردا على واقع الخراب الذي عشناه .يمنحنا عيسى لحظة وجيزة منعمة ليصرع آمالنا – كعادته – في المقطع اللاحق ( المقطع السابع ) فندرك أن الفجر الفضي .. فجر الأمل بالنسبة لأطفال العالم ، هو فجر الموت والتعفن بالنسبة لأطفال بلاده ، ففي الفجر الإنساني المعتاد يرضع الطفل الصغير من ثدي أمه آمنا ، ويسترخي بين الأزهار ومع الفراشات لاهيا مستأنسا ، هذا معنى الفجر في عيون كل أطفال العالم ، إلا أطفال العراق ، أطفال بلاد عيسى :
( في هذا الوقت
توقظكم أمهاتكم
لا لتذهبوا إلى مدارسكم كما يحصل
لأطفال العالم
لكن
لتستقبلكم مبرات القمامة
والتسوّل عند إشارات المرور – ص 86 )
في المقطع الثامن يعود الشاعر إلى لعبة بذاخة ذكرى “الكان ” وكيف كان يقطف الشعراء قصائدهم من مرجة عيون الأطفال / أطفال بلاده .. إنه تذكير مهادن مسموم يجعلك تستريح خطأ عند عتبة التمني .. فيقيم مقابلة مسترة بين عيون الأطفال التي “كان” الشعراء يقطفون منها قصائدهم ، وبينها الآن وهي تتفتح فجرا مرهقة بنظراتها الذابلة . دائما هناك خيط خفي يمتد بين مقاطع القصائد ويربط بين الرموز والدلالات :
( أنتم يا أطفال بلادي
من مرجة عيونكم
قطف الشعراء قصائدهم
ومن أقدامكم التي تمضي باتجاه
حدائق الحياة
تأخذ أكثر من أم أثواب حلمها – ص 86 ) kh aisa 4
الأطفال يقدمون عطايا إيحاءات وجودهم الآسرة إلى الشعراء لنظموا قصائدهم ، وإلى الأمهات كي ينسجن أثواب أحلامهن .. هكذا بلا مقابل .. ثم تباع طفولتهم الغضة بأكملها وبلا رحمة مقابل العلب الصدئة والخبز المتعفن . وأخطر ما يصيب الأطفال من هذا الإنسحاق المبكر المككل بالضيم الذي لا يناسب اعمارهم هو أن الأطفال ينسون أنهم مازالوا أطفالا .، وبهذا يحل الخراب الشامل الذي يلخص الشاعر مظاهره في المقطع الحادي عشر :
( المقابر تلد توائمها منكم
المجاعة تخنقها التخمة من التهام
أجسادكم الهزيلة
وفي عيونكم التي لم تأخذ كفايتها
من النوم
تقيم الأحزان مستوطناتها الوحشية – ص 87 )
لكن ..ما هو الحل الذي يجترحه الشاعر لمحنة أطفال بلاده ؟ إنه يقترح حلا شعريا ينفض فيه يديه من أي نوع من الخلاص ودعوات الرحمة يقدمه هذا العالم المتوحش الذي يقسو على الأطفال . إنه خلاص سحري يستقيه الياسري من مخزون طفولته من الحكايات الخرافية .. ومن تفسير طفلي شائع بين الأطفال وهم يحاولون الإجابة على أحد التساؤلات المؤرقة والكبيرة على عقولهم الصغيرة وهو من أين يأتي الأطفال وتحديدا شقيقهم الصغير الذي استيقظوا فوجدوه مستأثرا بحنان أمهاتهم . فتكون الإجابة : يأتي بهم طير يضعهم على سطح المنزل وينطلق بعيدا . ولهذا لا يجد الشاعر منفذا لإنقاذ أطفال بلاده سوى أن يستثير العصافير الحيوانية لتسعف العصافير البشرية :
( أيتها العصافير
يا من تحبين الأطفال
والأعشاش
والربيع
إنني أنحني أمامك
كجائع ينحني أمام الرغيف
وأسألك أن تنتشلي أطفال بلادي
بمناقيرك الحمر – ص 88 )
وهو – كما قلنا – لا ينسى مقدمات قصائده ليبني عليها خواتيمها ، مثلما يحاول توفير الشروط ” الموضوعية ” لحكايته .. لقد أشار قبل قليل إلى أن أجسام أطفال بلاده قد هزلت بفعل المجاعة والعيش على مبرات القمامة ، ولذلك فهي لن تكون عبءا على العصافير المنقذة ، فأطفال بلاده الجوعى ( خفيفون وناحلون كأعواد العشب ) . ولكن ما الذي سيحصل حين تنقذ العصافير بمناقيرها الحمر أطفال بلاد الشاعر ؟ . ستصبح صباحات العالم أكثر إشراقا ، و( من أغاني أطفاله أكثر عذوبة من ثرثرة ساقية – ص 88 ) . وحين تراجع قصائد هذه المجموعة : ” أناديك من مكان بعيد ” كلها ، وهي المجموعة الأخيرة للشاعر ، فستجد أن اللغة هنا صارت أكثر صفاء ، وأيسر استخداما ، خفت حدّة الإنجراح لك لم يضعف هاجس الموت ، بل تحولت نبرته إلى ما يشبه الهمس . ولكن هذه الظاهرة تتطلب وقفة متأنية ومستفيضة .

د – بين رثاء ” الماكان ” وخراب ” ما هو كائن “
وبين الما كان وما هو كائن ، لم تتخرب حيوات أطفال بلاد الشاعر حسب ..بل حياته هو نفسه . فهو غير قادر على العيش في أتون ” ما هو كائن ” الجحيمي ، ولا على التوافق مع تحولاته . إنه ” مثبت ” نفسيا وفكريا على ما كان . هذا ما تفصح عنه قصيدة ” ذاكرة ما كان ” والتي يكشف عنوانها أن الشاعر أسير الذاكرة .. فهناك في ” الما كان ” رعشة العالم في أول بكارته .. البروق النائية والدرب التي لم تتجول فوقها قدم ، والحقل الذي ينتظر من يحرثه .. كل شيء في الطبيعة مدهش ومندهش .. الناس لديها القدرة على الحلم .. والأعظم هو حضور الأمومة المتسامح .. الأم لا تقتل حتى البعوض المؤذي .. تستخدم مروحة الخوص لإبعاده منتظرة أن يتعب بعد أن يثقل أجنحته ندى الفجر :
( الأحلام تحط مرفرفة كنسيم نهايات
الليل القائظ
حيث تضع أمّي مروحة الخوص إذا
ما تعبت أسراب البق
وأثقل أجنحتها ندى الفجر – ص 81 )
والهام أيضا هو هذا التناغم الآسر بين مكونات عالم الما كان .. وقدرته على استيعاب كل المظاهر الخشنة والمزرية في تصالح حميم .. حد أن المظهر البشع لأقدام الفلاحين المتشققة والمتورمة وأثوابهم الرثة لا يصبح نشازا ولا يثير الإمتعاض .. وحتى قدمي الشاعر التي تتشقق وهو يمشي فوق الدروب القاسية .. لن يثير ألمه أو مخاوفه أن تتخذ منها الأشواك البرية مخابيء لإبرها !! لا يوجد إبن قبيح لدى الطبيعة الأم العادلة الرحوم . وتحت خيمتها تتعايش كل المتناقضات في تكامل ودود . فالحقول القاسية هي التي تعرف قيمة هذه الأقدام المتورمة .. والطبيعة العارية لا تستحي من الملابس الرثة .. لكن ما الذي فعله ما هو كائن :
( ما يرعبني
أن يفتح ما هو – كائن –
هذي الأنفاق الوحشية
في قلبي – ص 82 )
هل شقوق القدمين وإبر الأشواك الحادة والأقدام المتورمة والملابس الرثة في ما كان أشد خطرا من أنفاق القلب الوحشية في ما هو كائن ؟
لا يجد الشاعر بدّا – أمام هذه المعادلة الجائرة – سوى حل وحيد ، أن ينسحب من ساحة ما هو كائن ليرتد إلى ما كان ، فيصبح كمن يمشي في دروب ما هو كائن وينظر إلى الخلف .. إلى عوالم ما كان السعيدة . عوالم يشخصنها ويؤنسنها ويضفي عليها هالات القداسة .. يعاملها كضريح ولي صالح :
( نهارا أو ليلا
في الصحو وفي هبوب العاصفة
أمسك خرقته
وأصلي – ص 83 )

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.