ناظم السعود : لا صحافة أدبية في العراق (18)
قولٌ .. في القصة التفاعلية ! 1 – 2

nadum alsod 6إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر الكتاب الجديد للناقد والصحفي والمجاهد الثقافي العراقي الأستاذ “ناظم السعود” “لا صحافة أدبية في العراق” على حلقات. وناظم السعود مدرسة صحفية عراقية أصيلة ، وقلم نقدي بارع ، وسمته المشتركة الأهم في الحقلين هو أنه مبضع لا يهادن، ولكنّه مبضع جرّاح فيه الشفاء للنصوص والنفوس العليلة، فناظم لا ينسى دوره التربوي الخلّاق أبدا. في هذه الحقات دروس عميقة ثرة من تجربة السعود.. فتحية له وهو يبدع وسط لهيب محنته.

المقالة :
لئن كنا نسمع ، او حتى نقرأ ، عن كثير من المسميات والمصطلحات في الفن والأدب بشكل متواتر ومتغير باستمرار فهذا يدل على حيوية وتجديد مستمرين ولا بد من ان يطول ” النوع او الجنس ” فيصيب الأخير التغيير فلا يبقى ثابتا إلا من التصق بالقديم او تماهى معه ، وهذا معناه ان التغيير هو الأصل ومن غير الممكن ان يبقى حال أو مسمى كما هو في البدء ، ومن هذا التعميم الضروري نريد ان ندخل موضوعا أثيرا طالما سمعنا به وقرانا عنه وتمثلناه كثيرا ولكننا لم نجد الحافز للاقتراب منه ( إما لعدم استيعابه او بسبب المرض ) بمعنى إن ثمة موانع قاهرة حالت من دون الاطلاع عليه ومناقشته بما يستحق ، لكننا الآن – وقد وهبتنا الحالة الصحية الأخيرة مزيدا من الفراغ والوقت – وجدنا في أنفسنا الحماسة المطلوبة للاقتراب ومحاورة الكثير من الموضوعات المؤجلة ومن أولاها ما تم نشره جهرا وعددت الأمثلة عليه وعرف إعلاميا باسم القصة التفاعلية !.
وقد سمعت ، وكنت ما أزال اسكن في بغداد ، ان تطورا مهما قد أصاب القصة العراقية وان نماذج جديدة منها قد كتبت ونشرت ضمن التطور المأمول ، وهذا شيء سعيد وتطور لا ينبغي الغض منه او الاستهانة به خصوصا من قبل الذين يسعدهم هذا التطور لأنه يمس جوهر الإبداع العراقي فيتحول نصنا الجديد الى ممثل حقيقي لزمنه ولحساسيته التي تأنف من القديم ويسعى هذا النص الى التغير ولبوس الجديد ومواكبة اللاثبات ، والحقيقة أنني استبشرت خيرا حين وصلتني عدة أخبار وكتابات وكلها تؤكد ان القائم بالمبادأة وان المحفز الأول لهذا التطور القصصي هو القاص الشاب ” صالح جبار محمد ” وقد فرحت بما سمعت وقرأت فهذا القاص اعرفه جيدا وقد تحاورنا كثيرا وقد هجست داخليا ان صالحا لا يستكين بل لن يهدا حتى يحدث جديدا في نصه القصصي ويجعله متوائما مع عصره الراهن ولا يستجيب للقديم من أين جاء وينسجم مع موهبته السردية اللائبة نحو التقصي والتغيير، وقد أقبلت على تجربته الجديدة محاطا بهذه الأفكار ولا سيما ان صاحب السطور قد عرف بمواكبته لكل جديد بل واستماتته في الدفاع عن حقوق الكتاب والمبدعين في إحداث التجديد المستمر على نصوصهم وكتاباتهم ( وبراهينه قائمة في عشرات المؤلفات والحملات والحوارات ) طالما أنهم وجدوا رؤى جديدة ومعالجات أخرى قد لا تنسجم مع رؤاهم ونصوصهم السابقة وكتابات سواهم فيختلفون معها او قد ينقلبون عليها إلى حالة التضاد وهذا من ابسط حقوقهم الإبداعية ولا بد علينا ” ككتاب ومعنيين ” من الدفاع عن اختياراتهم الجديدة.saleh gabbar 3
ولإثبات هذا القصد آثرت ان اطرح مثالين متزامنين أولهما في الشعر والثاني يخص القصة القصيرة : في تلك الفترة ( اعني بعد 2006 وقد تحولت الى مكاني الجديد في مدينة كربلاء ) سمعت بالتجربة الشعرية الجديدة التي توصل إليها شاعرنا العراقي ” مشتاق عباس معن ” من خلال إبداعه المبهر للقصيدة الرقمية التفاعلية وقد عد رائدا لها حال ان نشر مجموعته ” تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق” عبر مواقع الانترنيت وتلقفها عدد كبير من الدارسين والمهتمين العراقيين والعرب ولا سيما من الأكاديميين العرب ممن يجذبهم هذا الإبداع الريادي ويدعوهم الى إحاطته بالاهتمام والعرض الذي يستحق، وقد ساعدني قربي الجغرافي منه ( كونه يعمل أستاذا في جامعة كربلاء ويسكن بالقرب منها ) على الذهاب إليه واللقاء المتعدد به لاستيعاب تجربته الجديدة وإدراك ما خفي عني والتملي جيدا بنصه الريادي من مختلف جوانبه ، وهذا من الطبيعي بل أجده واجبا علي ان اهتم بالتطورات والأشكال الجديدة التي تنقض على النصوص العراقية فأقف من هذه المحاولات موقف المحاور والمساند والمدافع او صاحب النصيحة والتاني قبل الإعلان عن الانجاز وكل هذا أراه بعد القراءة وتفحص النية السابقة وتراكم النصوص المنشورة لدى المبدعين أنفسهم ، نسيت ان أخبركم أنني أصدرت بعد لقاءاتي مع الشاعر مشتاق عباس كتابين مبكرين عن تجربته هما ( الريادة الزرقاء/ 2008 ) و( سحر الإيقونة/ 2010 ) وقد جمعت في الأول عددا من الدراسات المنشورة عن شعره الرقمي التفاعلي أما في الثاني فقد أجريت حوارا طويلا ومعمقا مع الشاعر حول نهجه الريادي المعلن والمتداول وأصبحا مرجعا في مجالهما .

غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن
غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن

في وقت مقارب لما تحثت انشغلت بعشرات الكتابات و الأمثلة التي مست القصة العراقية القصيرة في صميمها من نواحي المفهوم والسياق وطريقة الكتابة فتهيأ للجميع انه أمام عصر جديد سيخض القصة القصيرة ويحدث شكلا مستنبطا من حداثة العصر ، وبقدر سعادتي بهذا التطور إلا ان كثرة وتناقض الحجج والكتابات والنقود التي رافقت وحفت بالتجربة السردية الجديدة جعلتني أتوقف مليا منها : قارئا ومراجعا وفاحصا لأساسيات التجربة ومقولات أصحابها الحقيقيين لكي استخرج الجواب اليقيني : هل إننا أمام حركة تصحيحية ( ام تراها انتفاضة ضد ثبات جنس أدبي ) لمسار القص العراقي أو لنكن أكثر قصدا : أكان صالح جبار محمد ناجحا في قيادته للأسلوب الجديد في القصة العراقية وهيا لأنموذجه السردي ما يحتاجه من التنظيرات والدوافع بما يكفل له البقاء في الأدب العراقي ؟!.
ولئن كنت مقتنعا بما قاله صالح جبار في بيانه الاستهلالي للحركة من ان ” ما يعنينا في عولمة الأدب والأدب القصصي خصوصا هي المسميات (( المصطلح )) ” فان هذا الاقتناع هو أول ما يفرقني عنه إذا واجهنا مقولاته اللاحقة ببعضها فلا يمكنني مثلا ان اصدق انه قال عبارات متضادة من اليسير محاورتها مثل : في عصر العولمة لا يوجد ( كاتب كبير ) / أصبح الإنسان مجرد شيء ( متحرك وعاقل )/ أسميناها بالقصة التفاعلية فلأنها منجز تفاعلي يدخل ضمن الأدب التفاعلي إذ يشترك في كتابتها مجموعة من القصاصين على نحو جمعي .. الخ وسواها الكثير من المقولات التي يمكن مواجهتها مباشرة لأنها لم تحتو على أمثلة واسنادات كافية تبيح لها التجذر طويلا كونها تستند على مهاد فني .. ولكن هذا يتطلب منا حلقة ثانية لإثباته .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.