مقداد مسعود : الرواية كمكان آيدلوجي …(السوريون الأعداء) للروائي فواز حداد

mokdad  masoudفوّاز حدّاد من الروائيين الذين، أقتفي خطواتهم الروائية ،فأعماله تكشف عن قدرات روائية كبيرة ، يتجسد ذلك في الموضوعات التي يتناولها وفي التقنية الروائية العالية ، أقول ذلك من خلال قراءتي لماتيسر الحصول عليه من أعماله :(المترجم الخائن )( جنود الله )(الولد الجاهل) (الضغينة والهوى) (خطوط النار )(موزاييك دمشق )..
(*)
المحامي الروائي فوّاز حداّد ،يتجاور وظيفياً مع ذلك القاضي المثالي الذي يكلّف من قبل أكبر رأس في الدولة في نبش الأرشيف الأشد خطورة ، فتكون مهمة القاضي ومن خلاله الروائي ..(لايحيي قضايا ميتة فقط بل ويفتش في أسباب موتها../ 328)..
(*)
نواة الرواية هي تلك الذرة التاريخية المتشظية في مدينة حماه شباط 1982ومن شظاياها ستنبجس ظلال قاتمة لاتنسى بصيغة قصص وحكايتها سأفهرسها وأعنونها كالتالي :
*مأساة الرقم 77 أعني السجين الطبيب عدنان
*حكاية السجين 33
*حكاية لميس والرائد
*حكاية لميس والنقيب
*لميس والتهريب
*حكاية لميس وأمها
*الضابط زوج لميس الذي أخصته عملية تفخيخ
*مثنوية السجينين : أسامة / حسان
*حكاية العجوز أم محمد التي انكتبت على يدها حياة الرضيع حازم
*وصوليات النقيب سليمان
*وشاية الطالب سليمان بخاله البعثي
*عنجهيات الرائد مروان السنوري
*إنتهازية المثقف
*صلابة المناضل المطارد غالب .
* الامكنة : تدمير حماة / مملكة تدمر وتحويلها سجنا بابه الآخرة عبر مقبرة مجهولة /391 / متاهة الأرشيف ومحظوراتها ..
*مكياج الاعلام : الصور / التماثيل / التسمية / كتابة السيرة
(*)
غياب المرأة السورية في الرواية ،فالمظلية والتي عرفناها في الرواية طالبة في كلية طب الاسنان أعني لميس هي الانموذج السلبي للمرأة السورية وغيرها ،لم نجد سوى العجوز أم محمد التي أنقذت الرضيع حازم وأوصت به في جامع خالد ابن الوليد وهي تموت ..
(*)
لايتناول الروائي فواز حداد، المسألة الطائفية ، كما تناولتها الروائية البنغالية تسليمة نسرين في روايتها (العار) ،حيث تقوم مجموعة متطرفة من الهندوس في 1992، بهدم مسجد باربري في مدينة (ايودها) ،فتشتعل نيران الفتنة الطائفية ،ويقوم المتطرفون الاسلاميون بتدمير أكثر من (3600) معبد هندي fawaz haddad 3
(*)
إذا كانت تسليمة نسرين ، تتناول الصراع على مستواه الأفقي : إسلام ————– هندوس..فإن فوّاز حدّاد ، يتناوله عموديا ، بين السلطة العلوية والسنة وماجرى لمدينة حماه في شباط 1982 / ص418،بشهادة شيخ الجامع السني (إنتصار للطائفة على السنة ، ليت الرئيس عالج الفتنة بلا شعارات طائفية وأقتص فقط من الذين أفتعلوها ،قتلى حماه بالآلاف والسرقات بالملايين ،المنهوبات من البيوت والمحلات كانت تصل الى القرى ليل نهار وتباع علانية في الاسواق ../212) .ماجرى..كان رد فعل شرس على فعل ذلك الضابط المنتمي( للطليعة المقاتلة ، تنظيم سني)..أحتجز مجموعة من الضباط العلويين الذين لاتتجاوز أعمارهم العشرين في قاعة التدريب في مدرسة المدفعية ،وأطلق النار عليهم هو وجماعته ؟! في المعتقلات وتحديدا في مهجع السجناء السنة ،كان يتناقشون فيما بينهم ويرون ماقامت به الطليعة المقاتلة هو..(توريط الأخوان المسلمين بحرب طائفية ،من جراء مدرسة المدفعية ومامارسوه من اغتيالات أدت الى فقدان التنظيم لمعظم كوادره واعتقال الآلاف../ 320) ومن الحوار بين الشيخ حامد والناطق عن القصر الجمهوري ،النقيب الإنتهازي سليمان نلتقط الحوار التالي :
(- النقيب : لاتنس هم الذين بدأوا
– الشيخ حامد : لاتقل هم ،قل مجموعة ناقمة على الدولة ، ولكي تدرك نتائج ماقد يحصل ،المجانين هنا يأملون بالانتقام من السنة يعتقدون أنهم يحللون قتل العلويين ، هذا من مآثر الجيش في حماه / 212)..وهناك حوار من نوع آخر ، بين النقيب والرائد وثالثهم قنينة الويسكي ، يرى الرائد مروان السنوري ،ليس هناك إله واحد – يشتق تنظيراته الثملة – من الزي غير الموّحد لسرايا الدفاع وجنود القوات الخاصة والشرطة العسكرية والكتائب الشعبية . وهذه التعددية هي تعدد أرباب بالنسبة للرائد وهنا يؤثل الرائد نسقا ثلاثيا تعدديا : تعدد أرباب ——- تعدد أزياء ——- تعدد مقاتلين (منهم الذي قتل ،والذي لم يقتل ، أطلق النار ،ولم يطلق النار ، ذبح ولم يذبح ،ومنهم من أغتصب النساء، ولم يوفر قتل الأطفال من الموت ،لم يجمع الجنود على رب واحد .رب الا نتقام وحده كان حاضرا لينتقم الجنود ممن صوّر لهم أنه عدو الوطن ..) وحديث الرائد مع النقيب ليس حواريا، بل منولوغ ..وهذا الأمر انتبه له المؤلف فواز حداد، ونقل انتباهته الى النقيب ،الذي (لاحظ ان الرائد يدلي بالفكرة تلو الفكرة لمجرد الاستعراض والتنفيج ،بات الحديث من طرف واحد واتخذ تسلسلا رتيبا إلى أين سيؤدي استبعاد الله ../106) وتقويل الرائد بكل هذا المحمول الميتافيزيقي على طول عدة صفحات ،لايمتلك وسيلة إقناع روائية ، فالعسكر هم العسكر في البلاد العربية ،لايجيدون سوى الخمر والنساء والفساد الإداري ولعب القمار ومشتقات ذلك ، وهم أبعد خلق الله عن إنتاج الاسئلة الاشكالوية الوجودية أقول ذلك من خلال خدمتي الالزامية الطويلة في الجيش العراقي ..ويواصل الرائد إستقراءاته الوجودية ، فالعداوة التي يحملها الرائد (للمقاتلين الإسلاميين ،كانت لإختلاف الرب ، ربهم الذي يخصهم ويقاتلون تحت راياته ،لايمكن تحييده ولاتجاهل تأثيره ) ..وهنا يتساءل الرائد..(ترى نحن نقاتل تحت راية أي رب ؟ إن كان هناك واحد ،فهو افتراضي وليس شيئا ../111) ويتناول الاسلاميين ..(القضاء على رب الإسلاميين يتحقق بالتيئيس منه ،فهو عاجز ،لايحمي ولايساعد ولاينقذ استغاثاتهم به، وبأنبيائه ورسله لاتجديهم نفعاً، ماتوا حتف أنوفهم، أحيانا كان ينتصر لهم ، وهذا في الزمن الغابر..نقطة ضعفه الرئيسة انه لايظهر..) الجملة الأخيرة هنا تعيدني الى نجيب محفوظ في ملحمته (أولاد حارتنا) ..(أليس من المحزن أن يكون لنا جد مثل هذا الجد دون أن نراه أويرانا ؟ أليس من الغريب ان يختفي هو في البيت الكبير المغلق وأن نعيش نحن في التراب ؟!../ ص6- إفتتاحية / أولاد حارتنا ) والرائد يعي جيداً ان المعتقد الديني لايتبخر مهما أصابه من إنحسار ..هذا الضابط هو بحق أحد الورثة التاريخيين للحجاج الثقفي ، فهو يرى (القتل ضرورة لابد منها، مادام هناك من يتقبله ُ على أنه ُ نعمة إلهية ،من طرف ينظف العالم ومن طرف آخر يمنح لإنصار النعمة الإلهية مسوغات للموت السعيد ..) وهذا الرائد يقترض من عقل سواه ،كأنه ذلك الأخ من (الأخوة كرامازوف ) ،والرائد يشير الى ذلك في قوله (إذا كان الله غير موجود ،فكل شيء مباح ،حتى القتل ، هذا ماقاله معترفاً بأن الفكرة مسروقة من كاتب روسي ../ 106) ويواصل الرائد إقتراضه الميتافيزيقي ..(الله فكرة بحتة ،لاوجود ماديا لها ،ولاخلاص منها، الأجدى والأسلم قتل المؤمنين بها دون تمييز بينهم ،مسلحين كانوا أو عزلا..)..kh fawaz haddad 3
(*)
مكابدات السنة مع السلطة العلوية ،لاتختلف عن مكابدات الشيعة العراقية مع الحاكم العراقي منذ 1968 حتى ربيع 2003 وماجرى لحماه يذكرنا بماجرى في خان النص للأنتفاضة الشيعية التي قادها ،رحيم،،أبو كلل ،، أو ماجرى لأهالي قضاء بلد بعد فشل محاولة اغتيال صدام،أو ماسوف يجري بعد أن تخلت أمريكا ودول الجوار عن مناصرة ثوار إنتفاضة 1991،حيث تحولت ساحة سعد في البصرة الى أحدى مجازر علي حسن المجيد ،، أو ماجرى في حلبجة من إبادة جماعية للبشر والزرع والضرع ..أثناء الحرب العراقية الإيرانية ..

(*)
في السجن تتنوع المهاجع ، لكن المؤلف ،لايتوقف إلاّ ساردا لعذابات السنة !! ويكتفي بذكر المكونات الأخرى من السجناء (حزب التحرير ،الحزب الشيوعي أو البعث العراقي هؤلاء كانوا في مهجع آخر../ 222) وبالطريقة هذه قام المؤلف فوّاز حداد بكتابة رواية طائفية ،ولم يختلف خطابه الروائي عن الخطاب السياسي للسلطة ، لماذا افتقدت الرواية نماذج وطنية من الشعب السوري المضطهد، إلا تحتوي سوريا أكراد ؟ أرمن ..؟ أقليات أخرى ،هل السنة أمموا الاضطهاد لهم فقط؟ ومن أحيا هذه الخلية الميتة في المجتمع الاسلامي ؟ من أجج الاختلافات المذهبية وجعلها أسلحة ،حتى الاستعمار ،فشل في تنشيط شعاره (فرّق تسد) وحده الاسلام السياسي القادم من دول الاقتصاد الريعي ، هو المسؤول عما يجري ، وكذلك تدني الوعي الوطني لدى الاطراف كلها الحاكمة المحكومة ،لايسعنا إلاّ أن نقترض من المفكر السوري الدكتور عبد الرزاق عيد ،ونقول ..(ربما يكون المسلمون وحدهم بين شعوب العالم قاطبة من تحكمهم ،فكرياً وسياسيا ودينياً ،حروب خيضت قبل عشرات القرون ،وقد التبس فيها الدنيء الارضي بالمقدس السماوي ../ 37- عبد الرزاق عيد / سدنة هياكل الوهم / نقد العقل الفقهي )
(*)
المحاورة بين الرائد والنقيب في معسكر الاعدام ، تثلم قليلاً الهوية الطائفية للرواية ..(هل كان الجنود مجرمين ، أم حولتهم الأباحة إلى قتلة ؟ هل لأن العلويين ثأروا من السنة ، أم كانت الوحشية متنفساً لغرائز القتل والاغتصاب والتدمير ، الدين أو الكفر هو الذي شجعهم على عدم الرحمة ../109)..
(*)
(لم يكونوا منفذين للأوامر فقط ..الله لم يكن هاجسهم ، تخلصوا منه ، أطلقوا العنان لأحقاد غامضة ملتبسة بالتاريخ والدين والفقر والغزو والحسد والكراهية ،كانوا برابرة قتلة ومتوحشين أنذالا ..) والسؤال هنا ، ألا ينسحب مابين القوسين على مَن أقترفوا تلك الجريمة البشعة بحق طلاّب مدرسة المدفعية، هل ماقامت به الطليعة المقاتلة ،من الإعدام الجماعي الفوري للضباط الشبان الذين جريمتهم انهم من العلويين ؟ نرى أن المؤلف يثبت الجريمة وهو على مبعدة موضوعية ، ويركز فقط على ماجرى في حماه !!
(*)
تعاني الرواية من غياب الاقتصاد السردي، كان من الممكن ترشيق السرد، من خلال إختصار :
*الصفحات المكرسة للقصر الجمهوري
*صفحات السجن والسجناء
*صفحات الربيع العربي التي جاءت نهاية غير مقنعة ، لكنها ربما توائم شروط البوكر للروايات الطويلة ..
———————————————————————————————–

هوامش :
*فواز حداد/ السوريون الأعداء / دار رياض الريس / بيروت / 2014
*السوريون الأعداء ، تحيل بالعنونة الى الأخوة الأعداء ،رواية نيكوس كزنتزاكيس .
*تسليمة نسرين / العار / ترجمة عاصم زكريا / دار آرام / دمشق / 2000
*نجيب محفوظ / أولاد حارتنا/ دار الآداب/ بيروت / ط6/ 1986
*د.عبد الرزّاق عيد / سدنة هياكل الوهم/ نقد العقل الفقهي / يوسف القرضاوي بين التسامح والإرهاب / دار الطليعة – ورابطة العقلانيين العرب / بيروت/ ط1/ 2005

شاهد أيضاً

عجز التّاريخ عن أن يكون معلّماً مثاليّاً
مادونا عسكر/ لبنان

يقدم الروائيّ المصري باسم جبرة في رواية “أحمس” الجزء الأوّل المعنون بـ “الوباء” رؤيته من …

نـجيـب طــلال: باب ما جـــاء في احتفاليـــة “كــورونـــا” (02)

احتفالـــية كـــورونا : حقيقة وليس وهْما ولا تخاريف بأن فيروس ” كورونا ” أيقظـنا من …

شكيب كاظم: عزوّ أقوال إلى قائليها

والعزو: النسبة والانتساب، جاء في (المعجم الوسيط) الصادر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة:( عزا) فلانا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *