أ. د.نادية هناوي سعدون : قصة البيت لميسلون هادي بين تواتر الزمن وثبوت المكان

nadia hanawi 2قصة (البيت ) واحدة من مجموعة ( الشخص الثالث ) القصيرة لميسلون هادي وهي مجموعتها القصصية الأولى ، والصادرة عن منشورات مكتبة الدار القومية ، بغداد ، 1985.
وتحتفي القصة بالمكان (البيت) ومتعلقاته الشيئية الكرسي والمدفأة وتفتتح كالآتي ” كانت الكراسي المتحلقة حول المدفأة النفطية تشكل دائرة منتظمة توحي بأنها مكان لواحدة من تلك الجلسات العائلية التي لا تخلو منها ليالي الشتاء الجميلة ..” ص25
وللشخصيات علاقة حميمية بالمكان فسرمد الشخصية المحورية لا نراها إلا وهي تحت وطأة تأثير البيت وأثاثه ، ويتضح ذلك التأثير في المونولوجات الداخلية التي ينقلها لنا السارد ” فكر سرمد مع نفسه : لا بد أن هذين الكرسين المتلاصقين أكثر من غيرهما مقعدان لمها وسناء فهما صديقتان حميمتان جدا ولهما دائما أحاديث لا تنتهي يتبادلانها بصوت خفيض لا يسري إلى ابعد من مسمعيهما .. من يدري لعله تركهن ومضى راكضا مع أول دقة رن بها جرس الهاتف بل لا بد أن هذا ما حدث فعلا.. ولان كرسيه قد انقلب هو الآخر على الأرض وهو ينسحب منه مسرعا لماذا التفت إليه هكذا “.
ولأحمد كشخصية ثانوية علاقة نفسية بالكراسي “هو ذا احمد منطلق كالسهم لا يلوي على شيء ولا يلوي عناده شيء.. ” ومن سواه لا يحسن إعادة الأشياء إلى ترتيبها الأول بعد استعمالها هذا العابث الكبير كيف ضمته مع البنات جلسة واحدة وهو الذي لا يطيق الجلوس في مكان واحد أكثر من دقائق معدودة..”.ص25.
ويغلب السرد الموضوعي بضمير الغائب ” ابتسم سرمد لهذه الفكر التي سرعان ما جسدتها الرغبة في خياله صورة حية لأخيه الصغير وهو يعقد أكمام كنزته الصوفية دون أن يلبسها حول عنقه ممسكا بها بيديه أو تاركا إياها ، تتدلى بإهمال على صدره ، كما يفعل مراهق مشاكس ” 25
كما يعمل الوصف على تجسيد تلاقي الكرسي والمرآة المعلقة على الجدار ليشكلا المركز في السرد ” اقترب منها أكثر وهو يحدق في ملامحه عبر مسافة قصيرة جدا انه يتردد أن يفعل ذلك الآن مع مرآته خشية أن يكتشف غضونا جديدة على الجبين أو خطا صغيرا تحت العين “ص 26.
ويأخذ السارد في وصف ملامح وجه سرمد عبر مونولوج داخلي ” وسامتي أم براعة المصور ” أما سرى فيقول عنها سرمد ” سرى قالها مع نفسه وهو يجد فوقه مخلفات مبراة الأقلام رقائق خشبية ملتفة وبرادة رصاص ناعم ” ص26 مع توظيف الوصف ” الغرفة التي كان دفؤها يتسلل برفق إلى داخله وضؤوها المائل إلى الشحوب يضفي عليها سحر الليالي الجميلة التي لم تزل عالقة في ذهنه “ص 25maysaloon hadi 3
وهنا تحصل مفارقة زمنية ، فبدلا من يستمر الراوي في سرده بالضمير الغائب بزمن استرجاعي خارجي نراه يقفز إلى زمن ابعد من ذلك مرحلة سابقة لهذا الزمن المسترجع زمن متواتر بحسب جينيت ..وهذه المفارقة قطعت خط القراءة لدى القارئ ” عندما وصل سرمد إلى المنزل أدهشه حالما وقعت عيناه على باب البيت أن يراه مقفلا وهو الذي لم يعد نفسه ولهفته بمنظر كهذا ولكنه حدس أن المنزل خال من الضوء المشتعل في سقف المراب ” 27
ومن ثم يعود إلى لحظة السرد الحاضرة في الاسترجاع الخارجي ” أحس سرمد وقد طال انتظاره بنفاذ الصبر يستفز حواسه وبالوقت يصبح مخطوطا وكأنه ممتد إلى الأزل وبدت له تلك اللحظات أطول مما استغرقته رحلة الصورة بأسرها “ص 28
ثم تعيده رؤيته للإدراج الواقعة تحت مسند الأريكة إلى لحظة هاربة ماضية أيضا ” تذكر في اللحظة نفسها أن أمه أخبرته في إحدى رسائلها أنها تحتفظ برسائله كاملة في احد تلك الإدراج ولا يدري لماذا خمن انه الدرج الأخير ” ومن ثم لحظة حاضرة ” وعندما فتحه سره إلا يخطئ تخمينه اخذ يقلب رسائله ثم اختار منها الأقدم تاريخا وراح يقرؤها ..”29
وتتوارد الذكريات بانثيال زمني ومونولوج نفسي داخلي ليعود الراوي إلى ممارسة دوره في السرد ولتكون النهاية متوقعة ” اقتربت الضجة بسرعة البرق من باب البيت الداخلي وبعد ثانية أو اقل كانت الأعين قد سقطت على الحقائب المجمعة في المدخل ولم ير سرمد من خلال الدموع التي ترقرقت في عينيه غير أكياس مرمية على الأرض ووجوه مندهشة تضج أفواهها بالضحك والصياح ، فتردد صدى يملأ أرجاء البيت الصغير ” 29
ويبدو أن القاصة أرادت من اعتماد تواتر لحظات الزمن(وبعد ثانية) أو (اقل) (بسرعة البرق ) ، ألا يكون له حدود في منظور الشخصيات… وهذا ما حقق تفاعلية مع المكان / العنوان (البيت) .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : المنهجية النقدية عند الدكتور نبيل طنوس .

للدكتور نبيل طنوس جهود بحثية، استهدف بها دراسة أعلام من الشعر الفلسطيني، عدا ترجماته المتعددة، …

| صباح الأنباري : درب الحرية.

هاء، وأسفار عشتار: رواية جديدة صدرت قبل أيام للأديب الجزائري عز الدين جلاوجي وهي مزيج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.