محمد شاكر السبع : أبو علي الغالب (الفصل السادس)

mohammad shaker alsabe– 6 –
أعتقد الكثير مــــن الذي حضر ذلك الأجتماع أن أبا علي الغالب لـــن يقوى علــــــى
المواصلة وأنه سيموت بالسكتة القلبية . لكن خبر نعيه لم يأتهم فــي اليوم التالي ، أنما
رأوه هو نفسه فــي ممر الطابق الرابع يمازح أحدهم . أيقنوا أنــه قواد مثلما قال عنـه
شبيه المدير العام ، كما أيقنوا أن جلده سميك مثل جلد الجاموس الذي لا تؤثر فيـه كل
أنواع الضربات . ثم نسوه ونسوا كل ما يخصه من صفات ألا المستشار أبو وفاءالذي
دغدغت رغباته صفة القوادة التــي حملها علي الحسني لأبي علي الراغب . دعاه فـي
ظهيرة أحد الأيام الــــى مكتبه عبر الهاتف . دخل أبو علي الغالب مكتب المستشارين
حاملا ذلك الأصفرار الذي حط في وجهه منذ ذلك الأجتماع المشؤوم . كان أبــو وفاء
وحيدا في مكتب المستشارين . أستقبله بوجه يحمــل أبتسامة كبيرة ، وضغط على يده
بقوة حينمــا صافحه . تيقظت كــل غرائز أبي علي الغالب جراء هــذه الحركة ، وشم
أنف الكلب الذي يحمله رائحة المصائب . لم يقل شيئا ولم يفعل شيئا ، كان ينتظر مـــا
تأتي به الرياح . لاحظ أن أبو وفاء ينظر اليه من دون أن تفارقه ابتسامته .
فجأة ، أرتعشت يد المستشار التي تحمل سيجارة ، قال :
– يبدو أنك تملك الكثير من الأشياء الحلوة ..
قال أبو علي الغالب بهدوء :
– ماذا تعني ؟
أرتعش صوت المستشار قليلا :
– ألم تفهم كلامي ؟
أجابه بنفس الهدوء :
– لا ..
قال المستشار وبحة واضحة وشت صوته :
– سأكون عونا كبيرا لك أذا ما فعلت ذلك لي .
– ما الذي تريدني أن أفعله لك ؟
– ذلك الذي فعلته لعلي الحسني .
– هل صدقت أنني فعلت ذلك ؟
– علي الحسني لا يكذب .
أزداد الأصفرار في وجه أبي علي الغالب ، نهض مــــــن مكانه ضاما قبضتيه وتقدم نحو المستشار وقــــد علت قسمات وجهه تكشيرة حيوان ضار. أهتز المستشار وفزع من مرأى أبي علي الغالب . حاول أن يفر مــن مكانه لكنه فشل فكرسيه محصور بين منضدته والحائط . رفع أبو علي كفيه المضمومتين وهو على وشك العواء مثلما يفعل الذئب ، لكنه توقف وأسترد هيأته الأنسانية بسرعة ، أذ أن باب الغرفة أنفتح ليدخــــل المستشاران الأخران . حياهما أبوعلي الغالب والتفت الـى أبي وفاء الذي كان يرتعش
على كرسيه ، وقال يخاطبه :
– سنلتقي .
خرج من مكتب المستشارين بخطوات متزنة لا تشي بأن هــذا الرجل قــد فلــت مـن مصيبة للتو .لأول مرة شعر أنــه بحاجــة للدموع التي نهاه أبوه السيد مــن أستخدامها كوسيلة لتفريغ الكدر والغم والأسى .كان يسير نحو مكتبه بخطوات متزنة حاملا نفسا ملؤها الألم العميق . الآن عرف مـــدى عمـق الجرح الذي أحدثه لـــه علي الحسني ، وأن كل كلمات أبيه السيد ليس بمقدورها أن ترأب الشرخ في كرامته وفي روحه وفي قلبه . الآن أدرك أن أنتقامه مـن علي الحسيني لا يشكل أي قيمة أزاء هذه الطعنة التيسددها له هذا الرجل بمهارة . ظن أنه قام بعمل متقن وأن أحدا مهما بلــــغ ذكاؤه ليسبوسعه أن يكشف عمــن قام به ، لكــن علي الحسيني أماط اللثام عنـــه وأخرجـــه من الظلمة التي تدثر بهــا . تساءل : أهذه تخيلاتي أم حقائق علي الحسني ؟. ومهمـــا تكن تلك الأمور التي تساءل عنها ، فقد تأكد أن حربا لن تتوقف أبدا ، حربـا خفية أو معلنة
قد أشتعلت نيرانها بينه وبين علي الحسني .kh mohammad shaker 5
كانت أول شروط حربه الجديدة هو الأنزواء بعيدا عن شبيه المدير العام مــن دون أن
يتوقف عن متابعة كل أموره الصغير منها والكبير، أذ لا يمكــن أن تدخل حربا وأنت
تجهل الكثير عن عدوك . كان يعرف قدرات خصمه في كل مستوى ، كمـــا أنـــــه لا ينسى جيشه الجــرار مــن السيئين والأشرار . كان يخاطب نفسه علـــى الدوام : ليس
الحذر وحده هــــو ما يجب أن تتوخاه يا أبا علي الغالب ، أنما المسكنة والدهاء ، فهما
وحدهما قادران على جعلك تتسلل مـن تحت خيمة علي الحسني . كان فــــي تخطيطه
لهذه الحرب يراهن على نسيان علي الحسني ، فأبوه السيد أكد له أكثر من مرة :
– الكثير من الأقوياء ينسى زلات وأخطاء أتباعه .
لم تفت على أبي علي الغالب أن القوة غالبا ما يتبعها الغرور ، وأذن ، عليــه منذ الآن
أن يبحث عـن مكامن الغرور لدى علي الحسني . يعني أن عليه تتبــع خطواته ، ليس
من الآن ، بل منذ زمن موغل في الماضي . هكذا جند نفسه لخوض حرب قــــــد يفقد
رأسه فيها أذا لم يدرس خطواته فيها دراسة حكيم عجوز ، لأن خصمه أحــــــد الدهاة
الذي لا تنعدم عنده الحيلة . لذلك أخذ يمضي معظم الصباحات في الحوم حول مكاتب
معارفه القدامى فـــــــي الطوابــق الأخرى ، متسقطا بحذر شديد الأخبار والمعلومات القديمـة والجديدة لهذا الداهية . ظل العالم المحيط بشبيه المدير العام غارقا فــــي كرم
وعطايا الرجل الذي كان يمنحهم المكافآة عن أعمال حقيقية وكذلك عن أعمال وهمية.
كان ذلك يمر من تحت نظر أبي علي الغالب كعقوبة قاسية أزاء حرمانه من كل شىء
له علاقة بالسطوة والمال . حتى فـــــي أحلك الأوقات حينما تنبثق ذكرى ذلك الخزي
الـذي ألبسه أياه شبيه المدير العام ، كان الحنين والشوق يهزانه الــى الأيام التــي سار
فيها وراء هذا الرجل قاطفا ثمارا يانعة من السطوة والمال .ماذا تبقى بعــد كل الـــذي
حدث في قاعة الأجتماعات فـــي ذلك اليوم الحزين ؟. لـــم يبق غيـــر حمل كل أنواع
الأسلحة الرديئة وخوض حرب هي الأخرى رديئة .
في تلك الأيام التـي ناء فيها بثقل حمله المخزي وأنتظاره المرير لساعة صفـــر حربه
القذرة ، كان يرى نفسه أحد حيوانات قطيع يساق الى المسلخ .ثم جرده أولئك الذيــــن يمكن وصفهم بالجزاريـن مــن أنتمائه لكل ما فـــي هذا الزمان مــن رفعة وسمو، كما
جردوه من شرفه من أجل أن يتمكنوا من دوسه بالأحذية مـن غير شعور بالذنب . مع
كل حذره وعلى الرغم من قدرته على الأحساس بتوقع المصائب الوشيكة على القدوم
فأنه في بعض الأحيان يسهو عن كــل ذلك .كان ذلك يقــع دائما حيــن يتخبط مغرورا بتلك القدرة ، وهذا ما كاد يقع صباح هذا اليوم لولا أسراع سميع المحمود لأنقاذه مــن
براثن وأنياب شبيه المدير العام .
قال له موبخا:
– كيف تقع في مثل هذا السهو ؟
أجابه بحيرة :
– لا أعرف .
– منذ ذلك اليوم في قاعة الأجتماعات وأنت تبدو وكأنك تسير بالمعكوس .
شعر بالمسمار الطويل المحمي حد الأحمرار ينغرز في قلبه من جديد ، ها هو شريكه
يذكره بخزيه الذي لم ينسه الآخرون بعد . سأله :
– هل صدقت ما وصمني به علي الحسني ؟
– وما قيمة تصديقي أو عدم تصديقي ؟
– فيه قيمة كبيرة لو لم تصدقه .
– لماذا لم ترد عليه أو تكذبه أمام الآخرين ؟.. لماذا سكت ؟
– كنت خائفا جدا .
– سكوتك جعل ما أدعاه الرجل عليك صحيحا .
– يعني أنك صدقته .
– صدقته أم لم أصدقه ليس هو المهم .
كاد يئن أبو علي الغالب حين قال :
– ما هو المهم أذن ؟
– أن تعيد الأمور الى مجاريها كالسابق مع هذا الرجل .
– ماذا أفعل ؟
– لا أدري .. عليك أن تفكر كيف تستجلب رضاه .
– بعد هذا الذي فعله بي ؟
– اجعل مــــــن هذا الأمر مشكلة شخصية بينكما وتربص به . ولكن عليك أن ترضيه
وألا فأنه سيزج بك في مصيبة أكبر .
– لو ذهبت اليه لأعتذر منه ،هل يتقبل أعتذاري ؟
– أفعل ذلك ولنر.
فكر أبو علي الغالب أن الأعتذار مــــن دون تمهيد لـن يرضي علي الحسني ، وأذن ،
ينبغي عليه سلوك طريق آخر من أجل الوصول الى هذا المرام . عرض مــا فكر فيه
على شريكه الذي سأله :
– ماذا تعني بسلوك طريق آخر ؟
– نستعين بشخص له تأثير عليه .
وافقه بسرعة على هذه الرأي .. سأله :
– هل فكرت من يكون هذا الشخص ؟
– نعم .
– من .
– علي رومي .
– هل لعلي رومي تأثير عليه ؟
– مادام يبقى معه من الصباح الى المساء كسكرتير وحارس شخصي فمـــن غير شك
أن له تأثيرا عليه .
– أذا أعتذر منك عن القيام بهذا الأمر فلا تلح عليه .
– لماذا يعتذر ؟
– لأنه يعرف أن علي الحسني مازال غاضبا منك وأنه لن يقبل وساطته .
– هذا يعني أنه جس نبض .
– نعم ، وعندئذ عليك البحث عن شخص آخر يؤدي لك هذا الأمر .
قال أبو علي الغالب متنهدا :
– أرجو أن لا يعتذر عن القيام بهذا الأمر .
أدرك مــن دون لبس أن أمورا عديدة أختلطت عليـــه بشكل غريب جدا ، فأستحال ما
تعارف عليه الناس الى غرابة وغموض وعدم فهم ،فها هــو أبو علي الغالب المظلوم
والمجني عليه يلهث باحثا عمن يتوسط لدى الجاني الظالم لقبول أعتذاره ، فأين حقــه
في الثأر الذي مارسه الملايين من البشر قبله ؟ . كمـا أدرك أيضا أن علي الحسني قـد
هزمه وخزاه ومسح به قاذورات الأرض أمام الآخرين ، لا لأنـــه قوي وشجاع وأنما
لأنه يضع على كتفيه ثياب الحزب والسلطة . أما هــو فسيحتفظ بحقه فــــي أخذ ثأره حتى لو مرت أربعون سنة كما يقول البدو .غير أنه الآن – وهذا هو المهم بالنسب له-
يجب أن يبتلع عاره وخزيه ويتمسح برجلي شبيه المدير العام لكي ينال عفوه ، أما مـا
الذي سيفعله فيما بعد فأنه سيتركه للقادم من الزمن .
في اليوم التالي حين هم بالنهوض من كرسيه سأله شريكه :
– أين ؟
– سأبدأ في البحث عن علي رومي .
– لتفاتحه في مساعدتك على الأعتذار من علي الحسني ؟
– نعم .
– تحدث معه كما لو كنت الشيطان الرجيم ، وأياك والتوسل ..
– هذا ما قررته .
لم يعثر على علي رومي في مكتبه المجاور لمكتب المستشارين ، ولم يجده كذلك فـي المكاتب الأخرى . هبط الى الطابق الثالث وبحث في كل مكاتبه ، كما بحث أيضا فـي مكاتب الطابق الثاني لكنه أخفق في العثور على ضالته . كان يشعر بقليل من الراحة
لأن حاسته المنذرة بالكوارث لم تنبئه بمصيبة علــى وشك القدوم . عاد يتسلق السلالم
القصيرة الى مكتبه . في منتصف السلم المؤدي الــى الطابق الرابع ، شعر بيد توضع
على كتفه ، فرفع رأسه ليجد نفسه وجها لوجه مع علي الحسني الــذي هز كتفه قائلا:
– لقد طال غضبك منا .
ثم أستدار صاعدا السلم وساحبا أبي علي الغالب مــــن ذراعه ليجعله يصعد السلم الى
جانبه ، وعندئذ التصق علي رومي بالجدار ليفسح المجال لهما بالمرور. جر معه أبـو
علي الغالب مارا من غرفة السكرتير الى مكتبه . التفت الـى علي رومي طالبا منه أن
ينتظر فـــي مكتب السكرتير . جلس وراء منضدته وأشار الـــى أبي علــي الغالب أن
يجلس علــى الكرسي المجاور الــذي أعتاد أن يجلس عليه سابقا . لــم يكـــن أبو علي
الغالب مأخوذا أو مندهشا مما حدث ، بل كان كما لو أنه تحت تأثير مخدر قوي جراء
صدمة أحدثها هذا اللقاء الذي لم يكن يتوقعه أبدا ، وكذلك تصرف علي الحسني الـذي
لا يمت بعلاقة لكل ما عرف عنه . كان أبو علي الغالب بحاجة الى الوقت الذي يتمكن
فيه من أسترجاع شعوره بالوعي .. سأله شبيه المدير العام :
– لماذا أردت أن تضرب المستشار أبا وفاء ؟
أجابه من دون أن يفكر وقع جوابه :
– طلب مني أن أكون قوادا له ..
لم ير أبو علي الغالب الأبتسامة العريضة التي ظهرت في وجه شبيه المدير العام،قال
– لكنك قمت بها لي من دون أن أطلبها منك .
– أنت شخص آخر .. شخص آخر تماما ..لو طلبت أن أقوم بها ألف مرة لما ترددت ،
لكن غيرك لا يمكن .
فجأة وعى أبو علي الغالب حاله ، وعى ما قاله ، ووعى الحال المزري الــذي أوصله
اليه هذا الرجل . لأول مرة يرفع رأسه وينظر الى شبيه المدير العام الذي بدا لــه مثل
وحش ضار ليس بمقدوره منازلته . هكـــذا وجد نفسه ضئيلا وضعيفــا وممزقا فــــي حضرة هذا الجبار الذي جرده من كل شىء . فجأة أنخرط في البكاء ، يعني وقع فــي
المحذور الذي أوصاه أبوه السيد أن يحذر من الوقوع فيه .
– يبدو أنني قسوت كثيرا عليك يا أبا علي الغالب .
– لماذا فعلت ذلك ؟
– لأنك عضضت اليد التي أحسنت اليك كثيرا .
– لم أفعل ذلك أبدا .
– بل فعلت .. هل نسيت تلاعبك بمذكرتي .
– لست أنا .
– بل أنت ..
أصر أبو علي الغالب على الأنكار قائلا:
– لست أنا من فعل ذلك .
– الأنكار لن ينفعك ولن يغير ما حدث .. والآن ، ماذا تريد مني ؟
– أن تمنحني ثقتك وتعيدني الى خدمتك .
– لا يمكن أن أمنحك ثقتي بعد الذي فعلته .أنت تخدم الدولة من خلال عملك فــي هذا القسم .
قال متوسلا :
– أريد أن أسير وراءك .. أريد أن أستظل بظلك ..
– لكي تفعل ماذا ؟
– ماذا تعني ؟
– أعني أي عضة قد هيئتها لي ؟
– لا يمكن أن أفعل ذلك .. فقدت كل شىء حين أبعدتني عنك .
– ماذا فقدت ؟
– فقدت أحترام الآخرين وفقدت هيبتي وفقدت المال الذي كنت تغدقه علي .
نهض شبيه المدير العام واضعا نهاية للحديث ، فنهض أبو علـي الغالب وسار وراءه
نحو باب المكتب . ثم سبقه ليحول دون خروجه ، فنظر اليــــه بدهشة ، لكن أبو علي
الغالب تناول يد شبيه المدير العام محاولا تقبيلها ، لكن الرجل نتر يــــده محررا أياها
من يد أبي علي الغالب ، ثم قال بصوت واطىء وحاسم :
– أياك أن تفعل ذلك ، وأياك أن تقف في طريقي .
عاد الى مكتبه حاملا أهانات العالم كلها . لــم يقل شيئا مما حدث لــه مــع شبيه المدير
العام ، لكنه فوجىء حين سأله شريكه :
– أذن دخلت عرينه الذي أستعصى عليك دخوله فيما مضى .
– كيف عرفت ؟
– كل القسم عرف ..لماذا بكيت ؟
قال بدهشة وأنكار :
– أنا بكيت ؟
ضحك شريكه .. قال :
– كل الواقفين وراء باب مكتب علي الحسني سمعوا بكاءك .
مادت الأرض بأبي علي الغالب . أذن كانوا يسترقون السمع في مكتب السكرتير. عاد
شريكه يسأل :
– سألتك لماذا بكيت ؟
– لا أدري .
– ماذا تعني ب لا أدري ؟
– أنفجرت بالبكاء مــن دون أرادتــي .. أنت تعرف مدى القسوة التــي عاملني بها هذا
الرجل ، حتى شرفي جردني منه ..
– أنت الذي قسوت على نفسك .. أنسيت أنه أكرمك وقربك منـــه كثيرا ولكنك طمعت
بما هو أكثر .
سأله بحنق :
– طمعت بماذا؟
– طمعت بأن تجعله خاتما فــي أصبعك . وعملت علـــى تحقيق ذلك بطرقك الملتوية،
وماذا كانت النتيجة ؟ .. جعل منك حذاء باليا أنتعله فترة ثم قذف به الى القمامة .
لم ينس أبو علي الغالب ذلك العزم ، ولم ييأس من التمكن منه ، فهو مازال يأمل فــي
أن يجعل من علي الحسيني خاتما في أصبعه ، غير أن السبل أغلقت في وجهه فراهن
على الزمن القادم مثلما كان أبوه السيد يقول :
– الزمن هو القادر دائما على أن ينسي الناس فواجعهم .
كان في حاجة لا نظير لها الى نسيان الفواجع التي ألمت بــه منذ أن حط هـــذا الرجل
رجليه في الطابق الرابع . في فترات ليست متباعدة دأب علــى أسترجاع ذلك الصباح
الذي غير فيه كلمات المذكرة التـي كادت ترمي علي الحسني الـــــــى قارعة الطريق بعيدا عن الحزب والسلطة ، لا لأنه يحاول بذلك الأسترجاع معاقبة نفسه بالندم، وأنما
ليجدد زهوه بثأره ممن أبعده عنه كما لو أنه مصاب بالجرب . ثم أن لديـــه أيمانا ثابتا
لا تزحزحه الهزاهز بأنه لــو عادت الظروف ذاتهــا ، فأنه سيفعل مــا فعله سابقا .أما الآن فقد نأت عنه كل الأشياء التي يتمنى نيلها ، كما نأى عنه جميع من في وسعهم أن
يوصلوه الى ما يبتغي . منذ خزاه ووصمه بالقوادة في ذلك الأجتماع الرهيب أدرك ما
لم يدركه فيما مضى ، أن لطخة العار لــن يمحوها الزمن مهمــا طال ، ومــع كل هذه
الضراوة التي هاجمه فيها شبيه المدير العام ، لم يعف عنه أو يخفف مـن حدة أحتقاره
له ، فما الذي يأمل فيه أبو علي الغالب بعد كل هذا ؟. النسيان ؟ ..مــــن الذي ينسى؟.
هو أم شبيه المدير العام ؟.. هو نسى كل ما فعله به هذا الرجل حين سحبه الى مكتبه،
بكى أمامه وحاول تقبيل يده من أجل أن يغفر له ويعيده الـى بطانته . لكن شبيه المدير
العام هو الذي يرفض النسيان ، لقد القاه بعيدا عنه ثانية وهو الذي أعتقد أن الندم هــز
أعطاف هذا الرجل لعقوبته القاسية .
وقف عاريا أمام خزيه وعاره ، عاره الذي أكد لشبيه المدير العام أنه سيكرره لوطلب
منه أن يقوم ثانية وثالثة ورابعة . لكن شبيه المدير العام أشاح عنه بوجهه محتقرا هذا
القواد الذي أبدى رخصا لا مثيل له .من أجل ماذا أنحدر الـى قاع هذا المستنقع ؟ مــن أجل السلطة والمال ؟ .. فكر بجد هذه المرة : لو أحصل علــــى ما أرنو اليــه فلسوف اجعل الآخرين يقومون لي بما قمت به لعلي الحسيني. كانت قناعته التــي أرضعها له أبوه السيد منذ صباه المبكر أن السلطة والمال يمحوان كل المثالب مهمـــا كانت ثقيلة.
ألا أن الرياح المعاكسة تهب كلما وضع قدمه في أول الطريق من أجل بلوغ مراميه
فجأة تحركت حاسته المنذرة بالمصاعب والكوارث ، يعني أن أنف الكلب الذي يحمله
شم رائحة شىء ما له صفة الرذيلة . فتح عينيه جيدا وراقب كل ما يتحرك في الطابق
الرابع ، لكنه لم يلتقط أي أشارة أو أمارة تؤكد صحة أنذار حاسته. تمنى أن تكون تلك
المصيبة موجهة الى شبيه المدير العام لكي يقوم بتحذيره له أستجداء لرضاه عنه .ظل
لأيام عـدة يراقب الموظفين وكذلك الزوار الذين لا تنقطع زياراتهم لشبيه المدير العام
وللمستشارين ، ألا أنه أخفق في الوصول الى ما أشارت اليه حاسته المنذرة ، كمـا أن
الغرابة تكمن في أن تلك الحاسة لم تتوقف عن أنذارها . سعى بعد أن فشل فــي كشف
تلك المصيبة الى شريكه ، فسأله :
– هل تشعر أن شيئا غريبا يجري في القسم الثاني ؟
تساءل شريكه بدوره :
– شيئا غريبا ؟
– نعم .
– مثل ماذا؟
قال أبو علي الغالب :
– لو كنت أعرف مثل ماذا لما سألتك ؟
– هل بدأ خيالك يتحرك ؟
– لا ليس خيالي ولكني أخذت أشعر أن أمورا كثيرة تجري من دون أن نعرفها .
– وما شأننا بذلك ؟
– أننا جزء من هذا القسم .
– دعنا بعيدين عن كل ما يجري ما دام لا يخصنا .
لم يقتنع أبو علي الغالب برأي شريكه ، فدأب على مغادرة مكتبه كــــل يوم والطواف
بين مكاتب الطابق الرابع . تحاشى منــذ زمن غيــر قصيـــر مكتب السكرتيرالـــــذي
كان معينه الذي يزوده بكل ما يحتاجه من المعلومات. ثم حصل على معلومة غريبة ،
معلومة أثارت أستغرابه فـي الوهلة الأولى ، ثم حركت شكوكه فــــي الوهلة الثانية .
قال لشريكه :
– ماذا يوحي لك سفر علي رومي الى الكويت ؟ .
– لا أعرف .
– حاول أن تفكر ؟ .. أعني ما العمل الذي سيقوم به في الكويت من أجل القسم الثاني؟
– هل أوفد الى الكويت ؟ أم أنه سفر شخصي ؟
– أرسل موفدا .
قال سميع المحمود مخاطبا أبا علي الغالب :
– يبدو لي أنك لا تكف عن البحث عـن المشاكل مع علي الحسني .. دعني بعيدا عــن
كل ما تقوم به .. هل فهمتني ؟
أجابه بمضض :
– نعم .
يئس من جرجرة سميع المحمود الى أشراكه فـــي كل مــــا ينوي تخطيطه ضـد شبيه
المدير العام ، بعد أن هجر فكرة الدفاع عنه لنيل رضاه ، وطيلة الأيام التـــي تلت تلك
المحادثة القصيرة مع شريكه السابق وجد نفسه منشغلا فـــــي البحث عما يكمن وراء
أرسال علي رومي الـــــى الكويت . كان يتحرك بهدوء ويتكلم بهدوء وينسحب بهدوء من مكاتب الموظفين أيضا . لم يحصل على ما يمكن أن يشكل له بصيصا من نورجد
ضئيل يكشف له معالم الدرب الذي سار فيه علي رومي . لكن الذي أتفق عليه الجميع
أنه سافر لتأديــة مهمــة رسمية كلفه بها شبيه المدير العام . مهمــة رسمية ؟ ذلك هـو
الجرس الصغير الذي بدأ يرن في رأس أبي علي الغالب والذي سيتحول فيما بعد الى
ناقوس برج ينشر دقاته بعيدا الى الجهات الأربع .
ثم فــي يوم ما أصطدم فــي ممر الطابق الرابع برجل ضخم الجسم ، وخلال الأعتذار
أكتشف أن الرجل مصري .. مصري؟ .. ماذا يفعل مصري فــــي طابقنا ؟.. تساؤلان
قادا أبا علي الغالب الى كشف المستور . لم يخطر فـي ذهنه أن بمقدورهذا المصري،
أن يملأ جرابه بكل ما يبغيه مـــن المعلومات ، غيـر أن ذلك الرجل لــم يكــن بالصيد
السهل الذي بالأمكان الحصول عليه . ظل يراوغه عدة أيام مـــن غير طائل ، ثم أفلح
في أكتشاف نقطة ضعفه ، فهذا الرجل يحب جمال عبد الناصر الــــى حد العبادة .تلك
صعوبة وحيرة وقف أمامهما أبو علي الغالب مغلوبا علــى أمره ، كان تساؤله الـــذي كاد يفلق دماغه هو الكيفية التي يحول فيها جمال عبد الناصر الــى مفتاح يجعل لسان
هذا المصري يتحرك من دون توقف فاضحا كل الأسرار .
في ما بعد ظهيرة أحد الأيام تاه المصري بين الطوابق الأربعة . كان ذلك الحظ الجيد
الذي فتح الباب واسعا لكي يدخل منــه أبو علي الغالب الــى ما وراء العوالـــم السرية
لشبيه المدير العام . عرف خلال عملية أنقاذ المصري مـــن تيهــه ، أنــــه عمدة قرية
الفلاحين المصريين فـــي العراق . هـــذه المعلومة جعلت رأس أبو علي الغالب مثــل
دوامة ماء كبيرة تدور بسرعة وعنف . كان قد أحسن الأستماع للعمدة الذي مدح علي
الحسني كثيرا ، فشاركه أبوعلي الغالب هذا المديح ، لكنه قال :
– أنا أعرف طيبة وكرم علي الحسني ، ولكن أنت على ماذا تمدحه ؟
– على الشيئين اللذين ذكرتهما .. طيبته وكرمه .
ذكرخلال حديث طويل كل ما قام بــــه علي الحسيني للفلاحين المصريين من عمل لا
يمكــن ألا أحناء الرأس لهـــذا الرجل جرائـــه . كانت عين أبي علي الغالب الحــولاء
تتحرك بسرعة فــي محجرها خلف نظارته السوداء . عاد الــى مكتبه مبهور الأنفاس
وقد علا الأصفرار وجهه . أبتدره سميع المحمود :
– ماذا هذه المرة ؟
جلس وراء منضدته ثم قال :
– يبدو أننا أطفال صغار حين نقف الى جانب علي الحسني .
– كيف ؟
سرد حكاية العمدة وفلاحيه لسميع المحمود الذي سأله :
– تعني أنه أقنع العمدة أن يستورد سيارات بأسماء الفلاحين ثـم يقوم ببيعها للمعارض
ويسلمه أسعارها ؟
– نعم .
– يعني أن علي رومي لم يوفد الــــى الكويت بمهمة رسمية ، وأنمــا ليشتري سيارات بصفة أدخال جمركي مؤقت ؟
– نعم .
– كم عدد الفلاحين المصريين ؟
– أكثر من ألف .
– هذه صفقة كبيرة .
– ألا يمكن أن تكتب عن هذا تقريرا للحزب ؟
– لا .
– لماذا لا ؟ .. أنها سرقة في وضح النهار .
– كيف أثبت عليه ذلك ؟
– علي رومي مازال يشتري السيارات مـــن الكويت ويرسلها الـــى العراق ، وهي لا
تباع في الشوارع وأنما لمعارض السيارات ومن السهولة معرفتها .
– علي الحسني ليس بالغر الـذي يرتكب الأخطاء القاتلة مثلك . أنــه يشتري السيارات
بتوكيلات قانونية من الفلاحين الذين يمتلكون الحق القانوني لشراء هــــذه السيارات
وأدخالها الى العراق ومن ثم بيعها بعد دفع الضرائب الجمركية عنها ، وهذا ما يقوم
به أصحاب المعارض الذين يشترونها ، فأين السرقة ؟
نظر أبو علي الغالب اليه مستغربا :
– أفي رأيك أن هذه العملية قانونية ؟
– نعم .
– فما هي المنفعة التي يجنيها شبيه المدير العام من هذه العمليات ؟
– ربما أتفق مع العمدة على نسبة من اقيام البيع ؟
– أليست هذه مخالفة قانونية ؟
– كيف تثبتها أمام المحاكم أو الحزب ؟ .. هل يقر العمدة بذلك ؟
قال أبو علي الغالب :
– لا يمكن لعلي الحسني أن يقوم بذلك مرضاة لله .
– هل لديك دليل لا يتطرق اليه الشك يثبت أنه يقوم بعمليات مخالفة للقانون ؟
– لا .
– أذن ، أغلق فمك .ولا تجرنا الى ما يجعل علي الحسني يبطش بنا .
ثم جاء بعد شهر أو أكثر ما يشبه الدليل الذي لا يتطرق اليه الشك ، فقد فر العمدة مـن
العراق الـــى سوريا . لــــم يثـــر فرار العمـــدة أنتبــــاه أحـــد فـــي القسم الثانـــــــي
سوى أبي علي الغالب . قاده تفكيره الملتوي الــــى أفتراضات لهــا مقدمــات ونتائــج أوصلته الى أن علي الحسيني غدر بالعمدة ولم يسلمه المال الذي جناه مــن أسعارتلك
السيارات التي أستوردها من الكويت ، فأضطر العمدة الذي حاصره الفلاحون الـــــى
الفرار من العراق . توقع أن علي الحسيني جنى مــن هذه العملية نصف مليون دينارا
في الأقل . هذا المبلغ جعل أبا علي الغالب يصاب بالأرق فـــــي تلك الليلة ، فحساباته
أشارت عليه أن له حصة في هذا المبلغ ، وأن على شبيه المدير العام أن يسلمه هــــذه
الحصة .
سأله سميع المحمود مندهشا :
– حصتك ؟ .. من أين جاءتك هذه الحصة ؟
– من أكتشافي لهذه السرقة ..
– أن كل الذي تقوله ما هو ألا أفتراضات أنت وضعتها .
– هذه حقائق وليست أفتراضات .
– هل تذهب اليه وتطالبه بهذه الحصة ؟
– نعم .
– هذه المرة سيرسلك الى غرفة الأعدام .
– أتعتقد ذلك ؟
– أعتقد أنك فقدت عقلك .
بدأت علامات الخيبة تظهر في وجه أبي علي الغالب ، فأركان خطته التـــي جهد ليلة
أمس في نسجها كما لو أنها ضرب مـــن المؤآمرات أنهارت كلها مــــرة واحدة جراء
أعتراضات سميع المحمود . طيلة الوقت الذي تلا تقوض خطته عاش كمـا لــو أنــــه
فقد ثروة أمضى جل عمره في جمعها . تحول تفكيره بنصف المليون دينار الــى بلبلة
عصفت به وبأتزانه ، ووجد أنه بحرمانه من حصة من هذا المبلغ سيورثه الجنون من
دون أدنى ريب . فكر وهو نهب لتلك البلبلة أنه لا يمكن أن يحرم مــن حقه هذا . عزم
على أن يجد الوسيلة الناجعة لأسترداد هــذا الحق .. صحيح أن علي الحسني رجل ذو
قوة ونفوذ لكنه لص كبير، وأنه بكشفه لصوصيته أصبحت له حصة فـــي تلك السرقة
مثلما هو متعارف عليه بين اللصوص .
تذكر أن أباه السيد كان قد أكد عليه أن يسلك سبيل الخديعة للوصول الى مبتغاه أذا ما
تعذرت عليه الوسائل الأعتيادية . في ضحى اليوم التالي تجهم وجــه السكرتير عندما
دخل أبو علي الراغب مكتبه .. قال :
– يجب أن أقابل الأستاذ ..
سأله السكرتير بلهجة جافة :
– ماذا تريد منه ؟
– شأن شخصي .
رفع السكرتير سماعة الهاتف وأخبر شبيه المدير العام برغبة أبو علي الغالب . وضع
سماعة الهاتف وخاطبه بخشونة :
– تفضل .
دخل مكتب علي الحسني راسما علـــى وجهه علامات الأسى والألم والضعـــة . حياه
بصوت يشي بالحزن . رد تحيته ببرود وسأله :
– ما الأمر ؟ يبدو أنك في مأزق ..
تأكد أنه أفلح في خداع هذا اللص الكبير ، وأذن ينبغــــي عليــه مواصلة تنفيذ خطته، قال بنفس صوته الحزين :
– أنه أخي .. سيموت أخي أذا لم يجر عملية لقلبه .
– لماذا لم يجرها في أحد المستشفيات الحكومية ؟
– أتعتقد أنهم يجرون مثل هذه العمليات في المستشفيات الحكومية ؟
– ماذا تريد مني ؟
– أن تسلفني مائتي دينار وهو المبلغ الذي طلبه الطبيب الجراح ليقوم بالعملية في أحد
المستشفيات الخاصة .
– أنا لا أملك هذا المبلغ .
– بل تملك .
نظر علي الحسني اليه بدهشة ثم قال :
– كيف ؟
– سلفة الرافدين أستاذ .. لـــو أخذتها لـــي فأنك ستنقذ حياة اخي وعائلته ، وسأسدد أنا
أقساطها الشهرية .
– سآخذ لك هذه السلفة .
قال متوسلا :
– أتسمح لي أن أقبل يدك ؟
– لا .. خذ المبلغ غدا من السكرتير .
أطمأن الى أن المبلغ في جيبه ، وأنه حصته التي أرق أكثر مــن ليلة من أجلها . فكر: أنه نصره الثاني علــى شبيه المدير العام .كما أكد لنفسه أن لا أحد فــي هــذا العالــــم يمكنه أن يغتصب حقه . قرر أن يكتم الأمر عن سميع المحمود الــذي لـــو عرف بمـا فعل فأنه سيطالبه بنصف المبلغ ، فهو لا يختلف عن الآخرين في لصوصيته .
مر الشهر الأول على أبي علي الغالب وهو متمتع بزهو نصره ، وجاء الشهر الثانــي
الذي ستحدث فيـه المواجهة بينه وبين علي الحسني.. أستعد لها كما لـــو أنــه قرر أن
ينتحر على مرأى من الجميع . في ظهيرة اليوم الثالث من الشهر الثاني أستدعاه شبيه
المدير العام الى مكتبه . كان قد طلب من سكرتيره ومـــن علي الرومي أن يبقيا فـــي
مكتبه عندما يدخل عليــه أبو علي الغالب . دخل الثلاثة ووقف السكرتيــــر والحارس
الشخصي وراء أبي علي الغالب . قال علي الحسني مخاطبا أياه :
– أخبرني مدير الحسابات أنك لم تسدد القسط الأول .
– أي قسط ؟
– قسط السلفة التي أخذتها لك .
– أنها سلفتك وليست سلفتي .
– ماذا تعني ؟
– أعني الذي فهمته .
– أبهذه اللغة تخاطبني ؟
– نعم .. أن هذه السلفة هي حقي من صفقة سيارات الفلاحين المصريين .
رجع شبيه المدير العام بكرسيه الـــى الوراء وطلب منــه أن يوضح ، فسرد كــل مــا
توصل اليه من أفتراضاته ، وختم كلامه :
– أن لي حصة في هذه الصفقة الكبيرة ,
أحس أبو علي الغالب أن السقف قد سقط عليه . أنهار على أرضية مكتب شبيه المدير
العام ، ثم تناوب السكرتير والحارس الشخصي على رفسه فـي صدره وبطنه وظهره
ورجليه . لم يتركا مكانا فــي جسمه مــن دون رفسه ، ثــــم داسا علــى رأسه ووجهه
بأحذيتهما . لم يضرب أبو علي الغالب في حياته بهذه القوة والعنف ، حتى وهومغمى
عليه واصل الأثنان رفسه ودوسه . بدا لشبيه المدير العام أن سكرتيره قد حقق أنتقامه
من هذا القواد الذي سرق مذكرته من فوق منضدته .
– كفى .. أنكما ستقتلانه .
قال السكرتير لاهثا :
– هل يستحق هذا القواد أن تساعده .. قلت لك أستاذ أنه لا يستحق المساعدة .
رد عليه علي الحسني :
– نجح في خداعي .
– ماذا نفعل به الآن ؟
– لا شىء .. أرمياه في الممر بعد نهاية الدوام الرسمي .
– وأين نضعه الآن ؟
– أتركاه في مكتبي .. أسحباه الى حيث المكتبة ولا تدعا أحدا يدخل علي مهما كان .
سحبا أبا علي الغالب من ساقيه الى حيث أمر شبيه المدير العام الذي خاطب سكرتيره
– أرسل أمر نقله الى القسم الثالث .
عند نهاية الدوام سأل سميع المحمود السكرتير :
– أين أبو علي الغالب ؟
– لقد خرج من الدائرة بعد أن أخذ أذنا من الأستاذ للذهاب الى المستشفى .
– ماذا يفعل في المستشفى ؟
– قال أن أخاه راقد في المستشفى .
عجب سميع المحمود لهذا النبأ فأبو علي الغالب لم يذكر لـــه أن أخاه مريض . حيـــن خرج آخـر الموظفين مـــن الطابق الرابع دخــل السكرتير والحارس الشخصي مكتب علي الحسني وجرا أبا علي الغالب كالسابق مـــن رجليه مخرجين أياه مـن المكتب ثم
جراه عبر مكتب السكرتير الى نهاية الممر وأخيرا رمياه فــي غرفة المرافق الصحية
وأغلقا الباب خلفهما .

شاهد أيضاً

د. أفنان القاسم: مديح الظل الأسود (إلى جورج فلويد)

القهوةُ السوداءُ التي يشربُهَا أحفادُ الكونِ في اليمنْ يزرعُهَا أجدادُكَ في أدغالِ الكونغو الماضي أحزانٌ …

جَوازُ سَفرٍ إلى قَلبِ المَتاهةِ
عبد اللطيف رعري /ونتبولي فرنسا

كُنتُ أغَازلُ شَوقِي بمَعيةِ سَرَابِ اليابِسةِ فَهَوتْ منْ عينِي دمْعَة, المَاسُ يُشْبهُها… ويغَارُ المَاءُ مِنهَا, …

ضحويات البلوى
كاوتسكي
تموز 2020
مقداد مسعود

(*) الضحِك : ينظفُ الهواءَ من الغبار (*) قلبكَ مِن خيوط الشمس (*) هناك من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *