ناظم السعود : لا صحافة أدبية في العراق (ملف/17)

nadum alsod 6إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر الكتاب الجديد للناقد والصحفي والمجاهد الثقافي العراقي الأستاذ “ناظم السعود” “لا صحافة أدبية في العراق” على حلقات. وناظم السعود مدرسة صحفية عراقية أصيلة ، وقلم نقدي بارع ، وسمته المشتركة الأهم في الحقلين هو أنه مبضع لا يهادن، ولكنّه مبضع جرّاح فيه الشفاء للنصوص والنفوس العليلة، فناظم لا ينسى دوره التربوي الخلّاق أبدا. في هذه الحقات دروس عميقة ثرة من تجربة السعود.. فتحية له وهو يبدع وسط لهيب محنته.

المقالة :
من المعيب ، بل من المخجل ، ان يسأل واحد مثلي سؤالا حائرا كهذا : أين الكاتب والمفكر فاضل الخياط الآن؟ أهو حيّ.. أم مختف .. أم تراه ميتا في إحدى مقابر بغداد ؟! ومن الغرابة أنني اطرح أسئلة لا جواب لها منذ سنتين أي قبل محنتي المرضية الحالية ( أي منذ آذار 2013 وحتى أواخر أيلول 2014 ) وقد أعدت السؤال لعدة مرات حال فقت فلم يصلني جواب يساكن روحي اللائبة او يطمئنني على مصير يبدو لي غامضا حتى أنني أجادل بعبثية واضحة : هل بتنا غرباء في بلدنا فنسأل عن مصائر أحبتنا ان كانوا أحياء أم أمواتا ؟!.
ومما زادني إرباكا وحيرة كلام الكاتب والصديق ” قاسم حسين موزان ” وهو ينوّه في إحدى صحفنا المحلية على سيرة موجزة تعود للكاتب الغائب ( أم تراه مغيبا ) فاضل الخياط ، ويعكس هذا الإرباك عن مدى الاضطراب الذي أشاعته مقالة موزان فلا يعرف الذي يقراها ان كان الخياط قد مات او انه ما زال لغزا محيرا في حياته أو في ” موته ” المفترض الذي يعجز الجميع عن إثباته حتى اللحظة ! وأظن انه يحق الآن لمعارفه وأصدقائه ( وكاتب السطور واحد منهم ) ان يصرخوا علنا ويطالبون الآخرين بمعرفة مصير فاضل الخياط ان كان قد رحل أخيرا أم لم يزل يتغصص حياته معنا؟!.
ولكوني كنت صديقه ( كما ادعي ) فقد عايشته عن قرب عشرين عاما عرفت منه وعنه خلالها أسرارا كثيرة أعلنت بعضها ولم أزل احتفظ ببعضها الآخر الا أنني – كما قال الخياط في غير مناسبة – كتبت عنه أول مقالة منشورة عن حياته ونضاله واشكاليته الدائمة كونه المظلوم الأبرز بين المثقفين العراقيين وشاء هو ان ينسخ المقالة بمئات النسخ ويوزعها بطريقته المعروفة على المارة والجالسين في مقهى “الشاهبندر” وعلى المثقفين اينما كانوا ، تلك المقالة عنونتها ( فاضل الخياط : المفكر والمحنة ) ولشدة اعتزازي بها فقد كثر نشري لها داخل العراق وخارجه وضممتها الى كتابي الأول المعنون ( الآخرون أولا ) الصادر بطبعتين حتى الان ومن المناسب ان اذكر أنني أردت من النشر ان أشير الى مأساة لم تزل تمشي بيننا وعلى القارئ ان يستل معاناة وبيلة قدمها لنا بتجرد معروف هذا الكاتب المهموم والمظلوم معا .

غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن
غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن

وحين قيل لي ( وكنت اسكن يومها خارج بغداد ) ان الخياط قد اختفى من سكنه في الفندق او مقاهي بغداد لم اعر الأمر ما يستحق من العناية والبحث لسبب وحيد ان ذلك الاختفاء المفاجئ زامن وقتا عصيبا كنت أمر به واعني بذلك محنتي الصحية الأخيرة لكنني حال استطعت ان أتغلب على هذه المحنة حتى استذكرت معاناة ذلك الصديق ومرارة اختفائه فكان ان لجأت الى الهاتف مستفسرا عن أخباره ولقد طلبت من بعض الأصدقاء ( ومنهم سلوان الجبوري الذي قيل لي مؤخرا انه رحل هو الآخر ! ) ان يبحثوا عنه في الفندق او شارع المتنبي او أحراش الميدان وباب المعظم ويجمعوا أي خبر عنه ولكن الجميع ( واخص منهم الصديق الراحل الجبوري )عاد خائبا فلا اثر للخياط ينبئ انه حي ولا جواب نهائي بأنه انتقل لعالم الأموات !!.
وما أن نشرت مقالة الكاتب قاسم موزان حتى ازددت ألما وانشغالا ولا أقول هنا ان القلق ألممض قد نهش ذاكرتي وبت أتساءل : أين فاضل الخياط؟ هل هو ميت ام حي؟ اين مكانه إذن؟ ومن العبث – او قد يكون ضحكا- أن أسئلة عبثية كهذه نجد لها إجابات شافية في زمن العولمة تكثر فيه أساليب المحاصصة والمناطحة ولكننا ( في الحقيقة والواقع ) نهزأ من زمن ما عدنا نعرف مصير الواحد منا ونسأل عن وجوده الحالي ولا نجد جوابا ! اكتب هذا الحديث ولا اعلم حتى لحظة الكتابة هذه مصير فاضل الخياط ان كان في إحدى المقابر البغدادية ام تراه عليلا ومشلولا في مكان ما لا يعلمه احد سوى الله ؟ ولكنني انزف من ذاكرة موجوعة وقائع اعرفها وتابعتها سنين طوالا ومنها ان الخياط تم حرمانه من حقوقه كمواطن ومثقف برغم مطالباته المريرة اذ كان يكتب ( تظلماته) وينشرها في أوراق وكراريس ويوزعها في الشوارع والمقاهي والدوائر والمنظمات من غير ان يغيثه احد او ينتصر له واحد من أصحاب الكراسي مع انه كما ذكر لي قابل 45 مسؤولا ( من مدير عام وحتى وزير !)
كما انه اضطر في المرحلة الأخيرة ان يلجا الى فندق متواضع في شارع الرشيد ليتخذه موطنا بعد ضياع سكنه العائلي في رحلة الضياعات ! .
وما زلت اسأل : أين الكاتب والمفكر فاضل الخياط ؟ فهل يجيبني احد؟!

شاهد أيضاً

توفيق الشيخ حسين: قراءة في الأعمال الشعرية للشاعر د. صدام فهد الأسدي (ملف/3)

اشياء تسقط في الذاكرة اشياء تصعد في الأشياء افياء يفضحها النور، واشياء تخنقها الظلماء احياء …

الدكتور صدام فهد الأسدي: أنا ملك الأحزان دون منافس وقد ابتليت مذ امتلكت يراعا
حاوره: حيدر الاسدي (ملف/2)

حيدر الاسدي / من هو صدام فهد الاسدي الإنسان قبل أن يكون شاعرا وأستاذا جامعيا؟؟ …

أ.د. صدام فهد الأسدي.. سيرة حافلة بالعطاء (ملف/1)

الأستاذ الدكتور صدام فهد طاهر شريف الحمد الأسدي تولد قضاء القرنة 1/7/1953 حصل على شهادة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *