الرئيسية » ملفات » عدنان الصائغ : عيسى حسن الياسري .. شاعر في ” كشك ” (ملف/33)

عدنان الصائغ : عيسى حسن الياسري .. شاعر في ” كشك ” (ملف/33)

adnan alsyeghإشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.

المقالة :
في خريف 2001 والمطر وأوراق الشجر يهميان على نافذة منفاي في شمال الأرض , كنت ُمشدوداً إلى صوت عذب متهدج عبر ” البالتاك ” يأتي من أصقاع “كندا ” يحمل لذعة ولوعة غير بعيدتين عن ذاكرتي وروحي اللتين تغطتا بالثلوج والوحشة , كان الليل في آخره , ولا نجمة في السماء , وأمسية للشاعر ” عبد الحميد الصائح ” قد أوشكت على الانتهاء ,وانشغل كثيرون بالحديث عن أوجاع المنفى والشعر والعراق ,أصوات مجهولة كثيرة تتداخل في ” البالتاك ” ,مرموزة بأسماء مختلفة تلتقي وتفترق , تقترب وتبتعد , وهي تشي باختلاف الأفكار والهموم والمنافي , لكن ذلك الصوت الذي أرعشنا حقاً كان يشدنا بطوق من اللازورد والحنين وهو يتحدث عن الشعر وأوجاع الغربة في تلك القارة النائية ” كندا ” ويسرد حنينه لقريته البعيدة .
وبينما نحن مشدودين إليه نقرأ من خلاله تاريخ أجيال شعرية تركت أسماءها بيننا وغادرت منذ سنين وقهر .أيهم يكون الصوت ..؟ سأله مدير الغرفة بحياء وارتباك عن أسمه .. فرد بحياءٍ أكثر ” أنا عيسى حسن الياسري ” .صرخت ُمن منفاي .. يا الهي ..هل معقول .. هذا ” يسنين العراق
صرخ الصائح ,وصرخ “جمعة اللامي ” وبعض من يعرفه وقرأ له .
يا للمصادفة الغريبة ..كنتُ أحس دموعه – حال سماعنا – وهي تترقرق , تبكي زماننا العراقي المثقل بالفواجع والخسارات , كنت أحس بدورة الأسطوانة التي سمعها “السياب ” في مقهاه الغريب على الخليج , كنت أحس بحفيف أشجار ” قرية المحسنة ” على نهر دجلة لتتجاوب مع فواخت قرى ” المحاجير “على نهر الفرات في أصقاع هذه المنافي النائية .
في تلك السنوات الكالحة , من الثمانينات تعرفت وصديقي عبد الرزاق الربيعي على الياسري ,كنا في بداياتنا , وكان هو في تألقه الشعري وانكساره أيضاً . كنا نحسه قريباً منا , غاية في التواضع وشفافية القلب وعلو القامة معاً , وكنت قبلها قد قرأت له الكثير من أشعاره وأعجبت بها , لكن روحه الصافية أضفت عليه وعليها بهاء نادرا ً, علمنا الكثير من أبجدية الحب والموقف والكبرياء ذات يوم من أيام المنتدى في الطالبية بعد أمسية للشاعر “هادي الربيعي ” والقاص ” جاسم عاصي ” اصطحبنا الياسري إلى بيته , كان ينتزع بيديه الناحلتين لقيمات من المائدة ويدسها في أفواهنا كما تفعل الحمائم لزغب الحوا صل , قلت ُ لعبد الرزاق الربيعي ..لنتعلم مما نرى ..لنتعلم من سحر الحب سرّ الشعر .. لنتعلم من عيسى حسن الياسري كيف يتعامل مع أصدقائه بروح المحبة,وانتهت ليلة البالتاك إلى الفجر ,لكن صوت الياسري لم ينته وهو يعيدني إلى مشاهد كثيرة عابرة في الحياة علمتني أشياء كثيرة في الكتابة .aisa alyasiri 6
حين مررت ذات يوم من عام 1992 على بناية محكمة بداءة الاعظمية ,توقفت مشدوها ً لأجدني أمام شاعر القرى والنايات ” عيسى حسن الياسري ” جالسا ًفي “الكشك رقم 6 ” يعمل كاتب عرائض , وهو منكب على طاولة متربة ,يصغي لشكاوى الناس ويدبج العرائض لقاء أجور زهيدة يقي بها روحه وعائلته من الجوع . وبعد أيام سأكتب عنه في جريدة الجمهورية على صفحتها الأخيرة عمودا ًمستفزا تحت عنوان ” الكشك رقم 6 ” ليثير الكثير من التساؤلات .لقد أشاح بوجهه عن الصحافة والإذاعة والتلفزيون ليجد نفسه ملتصقاً بشكاوى الناس لأنها أكثر صدقا ً وحياة ً, تاركاً لشعراء الخواء أن يدبجوا قصائد التكسب المهين . ما أصعب ذلك الموقف وما أبهاه , لكن لابد من روح قوية وموهبة حقيقية وتلك هي ميزة الشاعر المبدع , وتلك هي حصانته وحصنه في أزمنة القمع والانهيارات . بعد عام انتهزت أول فرصة لأهاجر إلى ” عمان ” , وصورة صاحب الكشك رقم ” 6″ وصور أخرى كثيرة لا تفارقني , ثم بعد سنوات تصلني أولى رسائله من ” الأردن ” ومن مدينة ” الكرك الأردنية ” وقد عزم الأمر على صموده الشرس من أجل ألا يحني قامة قصائده لأحد , مدونا ً تاريخ نزوحه من البلد بعبارة مريرة اعتصرت قلوبنا جميعاً وهو يقول .. ” إذا أردت َ أن تؤرخ موتي فأنا مت في 29-9-1998 وهو اليوم الذي غادرت فيه العراق ” . لقد تبادل معي رسائله المعمدة بالمحبة والتي أحتفظ بها حتى اللحظة والتي يصفنا فيها بأبنائه الشجعان موقفا ً وإبداعا ًشعريا ً ,ويوصينا الأ نلتفت إلى الوراء ,ولكنه يهيب بنا أن نظل نصغي لصوت القلب حتى لا ننقطع عن الجذور .. وهنا أدون ما كتبته عنه في جريدة الجمهورية :
” الكشك رقم 6 ” kh aisa 7
وأنت َتمر أمام بناية محكمة بداءة الاعظمية , توقف أمام كشك بسيط يحمل على واجهته الرقم “6” ستجد أمامك رجلا ًنحيلا ًيتكئ بحنو على العقد الخامس ,يكلل شعره غبار سنوات موغلة بين أعواد القصب وحنين المشاحيف , وفي عيونه مواويل القرى الجنوبية , حط رحاله في “بغداد ” عام 1972 قادما ً من ضفاف نهر ” أبو ابشوت ” في العمارة , حيث أصدر ديوانه الأول ” العبور إلى مدن الفرح ” ملفتاً الأنظار إلى صوته العذب المتفرد , تلاه بديوانه الثاني ” فصول من رحلة طائر الجنوب ” مثيراً وراءه زوبعة من النقد والدراسات والإطراءات ,فديوانه الثالث ” سماء جنوبية ” والرابع ” المرأة مملكتي ” , وأخيرا ًدخل ” شتاء المراعي ” ليتبوأ مكانة بارزة على خريطة الشعر , وليكون واحدا ًمن أعذب أصوات الشعر الستيني في العراق .
قبل أيام سألتني صحفية تهوى الشعر عنه .. أين يعمل الآن … ؟” كان قد عمل قبل سنوات في التعليم والصحافة ومسئولا ً للبرامج الثقافية في الإذاعة ومشرفا على برامج الأطفال في التلفزيون … ثم …. ” وأبدت رغبة عارمة في رؤيته والتعرف إليه , وعندما أخبرتها بمكانه , تطلعت إليّ باستغراب ولم تصدقني , تركتها في ذهولها وحيرتها ومضيت .kh aisa 8
وقبل أيام سألني صديق وآخر , وزميلة أخرى , ولكي لا أتحمل أنا تبعة النظرات المندهشة والحسرات المتأسفة المتأففة لمن سيسألني عنه مستقبلا ً أعلن لمحبيه ولقرائه وللنقاد وللصحفيين ولمؤرخي الأدب عن مكان عمل الشاعر ” عيسى حسن الياسري ” , ” الكشك رقم 6 لبيع الطوابع المالية ” تاركاً للمعنيين في اتحاد الأدباء ووزارة الثقافة والإعلام فرصة ذهبية لزيارته , وإيجاد ما يرونه مناسبا ًلمكانته الإبداعية تكريما ًله وللإبداع العراقي , أو الانتظار حتى تعلن الصحف نبأ رحيله ” لا سمح الله .. وأمد في عمره ” لتنهال عليه الدراسات , كما نفعل ذلك دائما ًوبجدارة نحسد عليها ,خاصة ونحن في حمى الاحتفال ” بالسياب ” ,ذلك الشاعر الذي عاش فقيرا ًمحروما ًلم يكن يجد قوت أطفاله ,حتى مات فانهمر على ذكراه كل مطر العراق .
……………..
” عدنان الصائغ ..جريدة الجمهورية –الثلاثاء –29 كانون الأول – 1992 “
………………………………….
” شاعر عراقي مقيم في السويد .. “

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *