د.ثائر العذاري : (صرصار) فرانز كافكا و (خنفساء) خضير ميري

thaer alethari 2مثلما جعل فرانز كافكا (الصرصار، غريغور) محوراً لروايته (المسخ) اتخذ خضير ميري (خنفساء) لتكون الخلفية المرشدة لفهم ثيمة روايته (جن وجنون وجريمة). بيد أن هناك فروقاً كبيرة في كل من التوظفين مع ان هدف الروائيين يكاد يكون واحداً، وهو ان تحمل الحشرة المفتاح اللازم لفك شيفرة الرواية.
يلعب كافكا في (المسخ) على المفارقة التي تنشأ بين رؤية (الصرصار-غريغور) لنفسه ورؤية الآخرين له، فبينما يتجاهل هو (أو يكاد) ذلك التحول المريع الذي طرأ عليه وينشغل بالتفكير بعمله وحياته الشخصية (الإنسانية) يصاب الآخرون منه بالرعب ولا يطيقون شكله المقزز. ومن بين كل افراد أسرته لم يستطع أحد أن يقنع نفسه بأن هذا (الصرصار) هو (عز يغور)، بمن فيهم شقيقته التي كان يحرص ان يحقق لها كل رغباتها على الرغم من ضيق ذات اليد. ولم يكن هناك سوى شخص واحد كان مصراً على التعامل معه بصفته الانسانية، هو تلك الخادمة العجوز التي كانت تجالسه كل يوم وهو منزو تحت سريره، تحدثه وتنقل اليه ما يدور خارج غرفته وتحضر له طعامه الذي لم يكن سوى قشور التفاح (غذاء يصلح للصراصير).
وتقع لحظة الحقيقة الصادمة حين يجد (غريغور) نفسه منجذباً نحو صوت كمان عذب يحبه، هو الكمان الذي اشتراه لشقيقته وأنفق على تعليمها العزف، فقرر الخروج إلى الصالة للاستماع به، وعندها تصاب الأسرة كلها بالصدمة والغثيان وينفجر والده بصباح ناقم أنه لا يستطيع أن يتقبل فكرة ان يكون هذا الصرصار القبيح هو ابنه (غريغور) فيرميه بتفاحة كانت بين يديه ويكسر ظهره. وفي هذا المشهد تحديداً يرى القارئ (غريغور) على حقيقته التي يراه بها الآخرون.
في (جن وجنون وجريمة) رواية خضير ميري تهيمن الخنفساء بشكل لافت على خلفية الرواية حتى نهايتها، بيد أن ظهورها يقع في الجهة المضادة تماما لصرصار كافكا.
يفتتح ميري روايته بفصل اختار له عنواناً (حب و خنفساء)، حيث يظهر الدكتور سليمان الاستاذ الجامعي الذي أودع مستشفى الأمراض العقلية بعد أن أعلن موت الجامعة وحاول إحراقها بعلبة كبريت و جردل بنزين، يظهر في جولته اليومية في حديقة المستشفى لتلتقيه خلسة (شرقية) الشابة الجميلة النزيلة هي الأخرى في المصحة وتقدم إليه علبة كبريت قائلة انها هدية، فتتداعى إلى ذهنه صور ذلك اليوم وعلبة الكبريت التي مثلت أداته الثورية، فيقدم بتردد واضح على فتح العلبة:
“علبة الكبريت تحوي على خنفساء سوداء، صغيرة الحجم، مدببة الظهر ورائعة. شرقية ذهبت لتتبول خلف الدكتور سليمان، بينما شعر هذا الأخير برغبة غامضة لأن يطبع قبلة حقيقية على ظهر الخنفساء ،…، لم يكن الطعم الحامض الذي صبغ شفتي الدكتور سليمان، بل هو ذلك الطعم الوحيد الذي حفر نهرا في شفتيه وصيره مجنونا بجدارة.”kafka
أهمية لافتة وحب كبير تحاط بهما (خنفساء) ميري، وظهرها يستحق التقبيل كما لو كان خد حسناء وليس كظهر (صرصار) كافكا الذي كان مصدرا للتقزز والتوتر إلى درجة أن يقذفه أبوه بتلك التفاحة القاسية التي كسرته. وبينما كان انكسار ظهر (الصرصار) بداية نهايته، كان تقبيل ظهر (الخنفساء) بداية حياتها المتألقة على امتداد الرواية.
تظل (الخنفساء) بعد هذا الفصل حاضرة كلما ظهر سليمان كما لو أنها ظله، مثالا للجمال والدعة، فهو يضعها في دورق زجاجي فوق الكوميدين الحديدي المواجه لباب غرفته ليقضي أوقاتا طويلة في تأمل جمالها الذي يثير أيضا إعجاب القلائل الذين يسمح لهم بدخول حجرته.
وفي أربعة مواضع في الرواية تصبح (الخنفساء) في بؤرة السرد؛ أما الأول فهو حين يجعلها الدكتور سليمان مركزا لعالمه الرومانسي:
“لا أحد ينكر أن موقعها هناك داخل الدورق الزجاجي الموضوع فوق الكوميدين الحديدي أكسبها مكانة أثرية مرموقة”.
وهو يرى أن موقعها هذا جعلها لا تختلف عن تلك التحف النادرة التي توضع في مواجهة زوار المتاحف عند دخولهم.
وأما الثاني فهو انبهار حامد الرسام- وهو فنان مثقف وعبثي ونزيل غير دائم في المصحة- بالقيمة الجمالية (للخنفساء):
“… تخبل تهوس … يا لها من لمسة رومانسية رفيعة المستوى، انظر إلى الخيوط اللامعة التي يصنعها سقوط الضوء الحليبي وهو يخلق وساما ماهرا يلمس بحرص الملائكة تلك الخنفساء المكبرة المزروعة داخلا.”
وأما الثالث فهو تصوير محاولاتها للخروج من الدورق الزجاجي، حيث كانت في كل مرة تصل إلى منتصف الدورق تنزلق إلى الفاع لتعيد المحاولة فورا الأمر الذي يدفع سليمان إلى التعجب من عدم مللها ويأسها من المحاولة.
إنها هنا لا تشبه (سيزيف) فمحاولاته كانتkhdier meri حكما أبديا عليه أن يحمل الصخرة إلى القمة مرارا بلا إرادة أو أمل. أما (خنفساء) ميري فكانت تفعل ذلك بإرادتها نشدانا للحرية، وعلى الضد من (سيزيف) فهي قادرة على الكف عن المحاولة متى أرادت.
وأما الموضع الأخير فهو مشهد النهاية حين يُعثر على جثث نزلاء المصحة مقتولين بعد الاجتياح الأمريكي لبغداد، حيث يلاحظ الشرطي أن يد الدكتور سليمان كانت تقبض بحرص على شيء ما وعندا يستله يكتشف أنه علبة كبريت بداخلها (خنفساء) رائعة فيدسها في جيبه.
لم يكن أبطال الرواية المجانين وحدهم المبهورين بجمال (الخنفساء)، فأبو كاظم مثلا ليس مجنونا.
إن وصف خضير ميري بؤس نزلاء المصحة والعاملين فيها وشعورهم بالقهر والذل يفسر ذلك الانبهار، فالخنفساء حشرة قبيحة ومقززة عند الإنسان الطبيعي، كما كانت تشعر عائلة (غريغور) نحوه. أما أبطال ميري فقد سقطوا إلى الدرك الأسفل من البؤس حتى باتت (الخنفساء) بالنسبة إليهم كائنا أرقى منهم. هذه هي الرسالة التي اختيرت بسببها حشرة عادية لتكون النجمة المهيمنة على خلفية الروايةkh khdier meri 2

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : المنهجية النقدية عند الدكتور نبيل طنوس .

للدكتور نبيل طنوس جهود بحثية، استهدف بها دراسة أعلام من الشعر الفلسطيني، عدا ترجماته المتعددة، …

| صباح الأنباري : درب الحرية.

هاء، وأسفار عشتار: رواية جديدة صدرت قبل أيام للأديب الجزائري عز الدين جلاوجي وهي مزيج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.