د. ثائر العذاري : المتوالية القصصية جنساً أدبياً

thaer alethari 2تتألف المجموعة القصصية التقليدية من عدد من القصص التي كُتبت غالباًفي أوقات متباعدة قد تصل إلى سنوات، وغالبا ما تكون قد نشرت فرادى في صحف أو مجلات. وهكذا يكون جمعها في كتاب قضية تتعارض مع فلسفة القصة القصيرة التي استقر أبسط تعريفاتها بأنها عمل سردي يمكن قراءته في جلسة واحدة كما كان يقول (آلن بو). وعلى الرغم من جمعها بين دفتي كتاب فمن الصعب النظر إلى المجموعة التقليدية على إنها عمل أدبي واحد ومتماسك. فتجربة قراءة رواية، مثلا، يمكن تصويرها بالمخطط الآتي:ثائر 1حيث يمثل (أب) التقدم الزمني في القراءة، و(أج) هو مقدار تنامي المعرفة بعالم الرواية التي يكتسبها القارئ التي يظهر تصاعدها من الصفر إلى أعلى قيمة في (أد).
أما حين نقرأ مجموعة قصصية تقليدية فإن تجربتنا ستكون هكذا:ثائر 2

ففي هذه المجموعة القصصية الافتراضية المؤلفة من سبع قصص سيمر القارئ بسبع تجارب قرائية كل منها قائمة برأسها ولن يؤدي توالي قراءتها إلى بناء عالم سردي واحد متماسك تتصاعد معرفة القارئ به كليا كما يحدث في قراءة رواية.
تتخذ المتوالية القصصية شكلا آخر يختلف اختلافا بنيويا عن المجموعة القصصية التقليدية. فهي قصص كتبت أصلا لتكون كتابا وتنتمي كلها إلى عالم سردي واحد. ولعل (حكايات حارتنا) تمثل واحدة من أقدم المتواليات في الأدب القصصي العربي الحديث. فنجيب محفوظ والناشر لم يكتبا على غلاف الكتاب كلمة (رواية) أو (قصص) كما هي العادة بل تركاه غفلا من التعريف وربما يكون السبب أن مصطلح (المتوالية القصصية) لم يكن قد شاع وقت نشرها عام 1975.
تتألف (حكايات حارتنا) من )78( قصة آثر نجيب محفوظ أن يكون عنوان كل منها كلمة )حكاية( ملحق بها رقم تسلسلي، وكل قصة منها تحكي حكاية شخصية من الحارة على لسان راو يبدو أنه يتذكر طفولته في تلك الحارة الشعبية.
ليس في (حكايات حارتنا) حدث رئيس تجري تنميته على امتداد العمل، فكل قصة يمكن قراءتها منفصلة والاستمتاع بها ويمكن أيضا عدم الالتزام بالتسلسل الذي وضعه الكاتب والقراءة بحسب ترتيب عشوائي للقصص، ولهذا لا يكون بالإمكان عدها رواية من روايات محفوظ التقليدية التي تجري أحداثها في حارات القاهرة.
ومن ناحية أخرى فإن قراءة قصة ثانية ستزيد معلوماتنا عن جغرافية الحارة وطبيعة سكانها وأنماط حياتهم، وتزيد هذه المعلومات كلما قرأنا قصة أخرى من المتواية، وبهذا لا يكون بالإمكان عدها مجموعة قصصية تقليدية.
تشبه تجربة قراءة (حكايات حارتنا) تجربة قراءة رواية من حيث تنامي المعلومات الكلية عن موضوع واحد ينتظم العمل وهو طبيعة الحارة. وتشبه تجربة قراءة مجموعة قصصية من حيث اكتفاء كل قصة بنفسها بوصفها تجربة قرائية منفردة.
هكذا يمكننا تمثيل تجربة قراءة هذا الكتاب بالدمج بين المخططين السابقين:ثائر 3
حيث يمثل (أد) تنامي معرفة القارئ الكلية بطبيعة الحارة. ويمكن أن يوضح هذا المخطط ما يحدث عند قراءة أية متوالية قصصية. إنها تشبه تماما عملية صناعة عقد من مجموعة من الخرز الملون، فكل خرزة بنية مستقلة لها لونها وحجمها وهي ليست عقدا ولن تكون جزءا من عقد حتى يتم نظمها في سلسلة مغلقة لتخلق بنية كبرى جديدة سنطلق عليها تسمية عقد. وهكذا تعتمد المتوالية القصصية على ابتكار خيط ينتظم القصص جميعا من غير أن تكون مرتبطة بحبكة واحدة. وثمة طيف واسع وقابل للزيادة والابتكار من العناصر التي يمكن أن تكون ذلك الخيط.
ولعل أبرز ما تبنى عليه المتواليات القصصية المكان. حيث تشترك القصص في أنها تقع في حيز مكاني واحد كما في (حكايات حارتنا) وكما في (حاوي عروس) متوالية القاص المصري منير عتيبة التي تقع أحداث كل قصصها في مدينة (خورشيد) التي تقع في أطراف الإسكندرية المترامية
ويمكن أن تبنى المتوالية على كتابة مجموعة قصص تركز على (شيء) واحد كما فعل الكاتب الكويتي طالب الرفاعي في متواليته (الكرسي)، حيث تحكي كل قصة فيها حكاية مركزها كرسي لتعطي دلالة مغايرة لهذا الشيء.
وقد تبنى المتوالية على تغيير زاوية النظر المسلطة على حدث واحد أو شخصية واحدة كما فعل الكاتب المغربي أحمد المديني في المتوالية القصصية (عند بو طاقية) المؤلفة من خمس قصص تحكي كل منها حكاية شخصية أمازيغية مثيرة للجدل متمثلة بشخص يدعى بو طاقية. في كل قصة نراه من زاوية نظر راو مختلف فتتعارض الرؤى لتقدم فهما مغايرا للشخصية في كل مرة.
وما نريد الوصول إليه هو أن المتواليات ليست مجاميع قصصية. بل هي جنس أدبي قائم برأسه له خصائصه وتقنياته المتعلقة به.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب عمران المعموري : السرد وبناء الرؤى في أصيغوا الانتباه ما حولنا يهمس للروائي عامر حميو .

رؤيا فردية كيانية  تنطوي على نزعة انسانية، رؤيا تتناول شتى قضايا الوجود الاساسية، الانسان ، …

| محمد السباهي : دوائر القصة القصيرة قراءة في رواية “حقائق الحياة الصغيرة” للروائي لؤي حمزة عباس .

السرد: جملة كبيرة، ككل جملة إثباتية، لذا تُعدُّ حكاية صغيرة.                                                                         رولان بارت عن دار المتوسط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *