تابعنا على فيسبوك وتويتر

hussein 7إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.

الدراسة :
ب – رثاء الأماكن :
أولا – تمهيد :
لا يقف الياسري عند حدّ رثاء ذاته وأحبائه الراحلين حسب بل يرثي الأماكن التي ترعرع فيها واحبها . وعلى طريقة ” هنري ميللر ” فنحن لا نستطيع أن نحب مكانا ما دمنا لم نتألم فيه ” ، لكن الألم الذي منحته أماكن طفولة الياسري ليس هو عذاب الحرمان والجوع وبرد الشتاءات الطويلة .. أبدا لم يكن هذا .. كان ألم التحسب من فقدان الأماكن الحانية .. الرحيل القسري عنها .. هذا الرحيل والنفي الذي تصدمنا تعبيراته المبكرة في شعر الياسري . ولو راجعنا المجموعات الشعرية الأولى للياسري فسنجد مفردات الحقيبة ، السفر ، البحر ، الأشرعة ، الفراق ، المغادرة ، الوحدة ، الغربة ، الرحيل ، الغياب ، المحطات … والأغرب ” المنفى ” ، وكأن الشاعر يعيش تحت هاجس النفي منذ مراحل عمره المبكرة ، التي ختمت بالنفي الحقيقي . والمشكلة أن الشاعر لا يتحدث عن منفى مجازي يفرضه القهر والاستلاب في حضن الوطن الأم ، بل عن منفى حقيقي :
( نبكي معا
أنا .. وأنت ، يا رفيقة المنفى
ويا صديقة العذاب
نبكي معا
فأي طائر
يهجر عشه القديم دون أن يبكي
أكان يا رفيقة المنفى
مقدرا علينا
أن نظل مأسورين خلف هذه الأبواب – مجموعة المرأة مملكتي – قصيدة ” بوابة الحلم ” – ص 124 ) .
وفي قصيدة ” الأصدقاء ” من نفس المجموعة ، والتي يستهلها بتوظيف موروث شعبي : ” في الليل طلبتكم روحي ” يقدم الشاعر خطوطا تفصيلية لعذابات المنفي المستوحد .. وهو يجتر خساراته .. وصور أحبائه المفتقدين .. وكوابيس ذكرياته التي تحاصره من كل جانب :
( يا قلبي : ماذا لو تغفو
وتريح جناحك فوق وسادة جفني
ماذا لو أوصدت خليج حنينك
واستبعدت وجوه أحبائك
أنت تغامر
لا البحر
لا صهوات الريح التعبى .. تعرف
أين يقيم حزانى هذا المنفى – ص 117 )

الأستاذ عيسى الياسري يتحدث في مؤتمر لتكريمه في هولندا

الأستاذ عيسى الياسري يتحدث في مؤتمر لتكريمه في هولندا

ثانيا – رثاء ” أبو بشوت ” :
والغريب الذي لم يعد غريبا هو أن الياسري كتب مرثية ابو بشوت وهو في العراق ، وذلك في قصيدة ذات عنوان مباشر وصارخ الدلالة هو ( مرثية أبو بشوت ” في مجموعته ” صمت الأكواخ التي صدرت في بغداد سنة 1996 . ويستهل الشاعر قصيدته بنداء آمر يعامل نهره وكأنه جثمان مسجّى :
( إرفعوا الأغطية وأزيلوا الغبار عن انحدارات قامته )
هو – أبو بشوت – أميره الجميل .. الذي رعاه في طفولته وبادله الحب . وفي غيابه لم يصب الشاعر وحده باليتم .. بل مخلوقات الطبيعة والعشاق .. فلم تعد العصافير تجد مكانا تبني فيه أعشاشها .. ولم يعد المحبون يعرفون كيف يقيمون قدّاسهم . وكعادته في بناء قصيدته فإنه يعود إلى لازمة النداء بعد مقطع أو أكثر يستعرض فيها أفعال فقيده العظيمة .. الفقيد الذي علمه كيف يمسك جمرة الحب وكان ملاذه في أيام الخوف . وبعد نقلة أولى يعود إلى معاملة نهره الحبيب كجسد بشري مسجى :
( أهلنا الغائبين
أرفعوا عن أمير الطفولة أردية الحزن
حتى أقبله
وألامس فضة جبهته )
وهو في استعادته لمآثر أمير طفولته ، يعبر عن عملية إنكار للمصير الذي تقرّر لذاك الأنموذج الحاني الحامي . لأن الإقرار المباشر برحيل أميره يعني الإعتراف بهشاشة وجوده هو نفسه وقد صار يقف عاريا أمام سهام القدر ، بلا عون وبلا حماية تلك المظلة الخارقة ، التي جرب تحت أفيائها الحب الأول ، وتعلم الأغنية الأولى ، وكان مطمئنا أنه ملاذه الآمن في أيام الوحشة . وقد تم توقيت رحيل أميره – عملية إغتياله كما يسميها الشاعر ، والشاعر قد بدأت مخالب الزمان تمزق وجوده .. إضمحلت قواه .. خذلته الخيانات .. وأذلته المجاعة : ( يا أميري المسجى على ابر الشوك
أعرف أنّ تجاعيد وجهي تجرح كفك
كنت وسيما
وكانت نعومة وجهي بمثل –
نعومة رملك )
لكن الإغتيال مؤكد وصادم .. ولا مهرب من مواجهته .. يمكن فقط ” تقسيط ” الإعتراف بالرحيل النهائي .. أو تعطيله .. لكنه قادم لا محالة .. لا عاصم من أمر المثكل .. لذلك نجد الشاعر يقسط إعترافه المنخذل ليداري انجراحاته في صورة موجات بارتفاع الإنكار والتساؤل والتشكيك وبانخفاض التسليم بالفقدان النهائي .. وفي نوبة مهادنة يدعو أهله إلى أن لا يرفعوا الأغطية عن حبيبه المسجى ويتركوا نومه هادئا ، هو الذي كانت صيحته الاستهلالية الأولى آمرة تطلب منهم أن يرفعوا الأغطية ويزيلوا الغبار عن انحدارات قامته :
( اتركوا الأغطية
اتركوا نومه هادئا )
لكن التسليم بالفناء شديد الضراوة على النفس البشرية ، لأن معنى ذلك الإعتراف بالهزيمة في لعبة الحياة والموت .. لذلك تضغط حفزات الإنكار وتنفلت .. تارة تحت غطاء أن ولاء المحبين أزلي وغير قابل للتبديل أو المساومة أو الهجران ، خصوصا عند اشتعال حاجة المحب لمحبوبه ، وهو تخريج ” طري ” للإنكار إذا جاز الوصف :
( لا أصدق
أنّ المحبّ يغادر مملكة الأرض
نار المواقد إذ يهبط –
البرد فوق القرى )kh aisa 9
وتارة ثانية تحت أردية إنكار تؤسطر سمات الفقيد الخارقة العصية على التأثر ، فحرائق المنايا قادرة على الإطاحة بكل شيء عدا أمير طفولة الشاعر الحامي ، صورة مستقاة من جبروت الأنموذج الأبوي – إلهنا الذي على الأرض ، مقابل أبينا الذي في السموات – الذي ينبغي أن لا يُسحق ، لأن انسحاقه يعني سقوط معقل التحصن النفسي الأول والأخير :
(أنا تعب
كنت أحسب أن الحرائق تأكل –
كل المحيطات إلا مياهك –
يا سيدي )
وتتضح ربكة الشاعر وفزعه المؤكد من سطوة الموت في مقابلة النار بالماء .. يتململ رجاء بسيط وأخير في أعماقنا حتى لو ادلهمت من حولنا ظلمات الرحيل المؤكد الدامسة . لكن ما يضاعف تسريع عملية التسليم هو أن أبو بشوت أغتيل .. وسلطات الإغتيال يتحول الموت على أيديها إلى مصير مصنّع فيه توقيت لا مجال لتعطيله أولا ، وفيه الكثير من المهانة ثانيا .. فلدى الله رحمة .. أما الإنسان المتجبر فلا :
( أيها الملك الذي يتأبط حزن رعاياه
أنت ارتحلت
وعلقك العصر فوق شماعة –
المدن القاتلة )
قد يبدو في هذه النهاية نوع من الرحيل المشرف ، يعلق فيه أبو بشوت شهيدا مغتالا على شماعة المدن القاتلة ، لكن الرحيل رحيل ، وعلى الشاعر أن يرفع راية التسليم ن ويمضي وحيدا .. وحيدا في ظلمات المنافي .. ليس لأن ( الأغنية التي لا تجد من يتسمعها ، والقديس الذي لا يعثر على شبر – نظيف من الأرض ليصلي فوقه – لا يمكنهما إلا أن يرتحلا ) كما يقول الياسري في موضع آخر ، ولكن لأننا أين ما وجهنا وجوهنا فثمة وجه الموت :
( عند منتصف الليل
كانت الريح باردة
والخلاء مخيفا
انحنيت عليه ثم قبلته ومضيت وحيدا )

ثالثا – رثاء ” أبو بشوت ” ثانية :
من بين أكثر الأماكن التي يشعر عيسى بخسارتها الفاجعة التي تلاحقه حتى يومنا هذا هو نهر أبو بشوت . وفي قصيدة ” ربيع ابو بشوت ” ، بل في مجموعة ” أناديك من مكان بعيد ” كلها تصدمنا حقيقة عجيبة تكشف هذا الإحساس الملغز بالنفي والإغتراب والموت الوشيك . فعلى الصفحة (118) من مجموعة الياسري ” شتاء المراعي ” الصادرة في عام 1992 جاءت إشارة عن وجود مجموعة شعرية معدة للطبع عنوانها ” أناديك من مكان بعيد ” ، أي أن هذه المجموعة التي صدرت عام 2008 وعيسى محاصر في منفاه ، كتبت كلها في بغداد قبل عقد من تمتعه بامتيازات المنفى المسمومة .. والمجموعة بأكملها … من ألفها إلى يائها كما يقال مزحومة بوقائع حقيقية وتفصيلية عن حياة المنافي .. عن الموت الوشيك .. عن قلقه المتأصل .. عن تعبيراته في رثاء الذات والآخر والأمكنة .. عن الإحساس الساحق بأن لا مكان له في حضن الأمومة .. وأنه سينخلع – أو انخلع – من تربة وجوده وأن عليه أن يباشر مهمته الشعرية الرثائية فورا وهو ” منعم ” تحت ظلال خيمة قريته وأسرته وبلاده . ها هو يرثي نهره الأعز والأثير إلى ذاته ، ملاذ طفولته ، مرتع أمانيه ، نهر أبو بشوت الذي عرفه بملاحظة تعرّضية في مجموعته : ” شتاء المراعي ” – 1992 ، حين قال :
( بعض القصائد يتردد فيها اسم ” أبو بشوت ” هو النهر الذي تقع عليه قريتي .. كان نهرا بحجم دجلة ، أمّه ، عندما فطموه منها مات ) .
ومعروفة أثمان هذه الروح الجسور التي يتحدث فيها الشاعر عن ” الذين ” فصلوا نهر طفولته / قرينه عن أمه دجلة فجف ومات وماتت معه الذكريات .
لكن الشاعر يودع نهره وهو مستكين بقربه ، منعم بعطاياه ، ويملأ جيوبه بالورود ، ونبرة الوداع – وهذا صادم أيضا – منذرة عزوم :
( لأيامك التي لن تتكرر
سألوح بيدي
لأقول لك وداعا
يا ربيع – أبو بشوت –
يا من تغمر أثوابي بالعشب
وتملأ جيوبي بالورد – ص 41 ) .
وتتأسس المفارقة على ركيزة خسارة مبيتة لمصدر نماء وانتعاش ينبغي التعلق المستميت به ، لكن حرقة اقتراب النفي ، وجذرها المهدد يترسخ بتكرار العادة القهرية المستبدة التي لا تبقي ولا تذر من وشائج الارتباطات الإنسانية الحميمة ، القهر الذي جعل تشبيهات الشاعر تضطرب وهو يحس بدنو أجل الوداع الأخير لمراتع الطفولة البهية ، فتنسرب مفردة القوارب المتحركة والملائمة للرحيل كمشبه به لأكواخ قرية الطفولة الراسخة والثابتة ، والياسري معروفة عنه الدقة التشبيهية الهائلة في الصورة الشعرية :
( على ضفتك أقف طويلا
أحدق بقرانا القصبية
فأرى أكواخها
كقوارب تطفو فوق مروج
القمح الأخضر – ص 41 ) kh aisa 10
ومن جديد يربك احتدام المشاعر الصاخبة ، مشاعر الفقد والثكلان الحارقة لكن المؤجلة ، القدرة الوصفية والتشبيهية البلاغية للشاعر المقتدر فيضفي على الضريح صفة الإنتصاب على ضريح الجد / بديل الأب المغيّب دائما ، وفق تمنياته الملحة ، والتي ينقلها في أحاديثه عن نهر طفولته لأطفاله ، وهذه النقلة الجغرافية المديدة المناقضة للتموضع المكاني تضيف عبءا آخر مكين ، حين تصير الصلات الحيوية ذكرى تسرد للأولاد الذين عرفوا أماكن طفولة أبيهم تماما :
( وأنا أحدث أولادي عن أول
يوم من أيامك
وأصف لهم كيف نبكر نحو
ضريح ( الجد )
ذاك الواقف بين يدي الحقل كما
لو كان يصلي – ص 41 ) .
وحين يسرد الأب لأبنائه مآثر ربيع أيامه العظيمة على ضفاف أبي بشوت وهو ملتحم جغرافيا بمكانه الولادي يهتز جسده وترتجف شفتاه ، فإن الحاجة للإنفعال المفرط تتضاءل .. وتتقلص إلى حدودها الدنيا .. ولكن افتراض المسافات المرعبة .. مسافات المنفى المقبلة .. المستشرفة السوداء من خلال انجراحات الواقع البيضاء .. كان الله في عونك عيسى .. ومن عادته أن يطلق “حِكَما” موجزة مختصرة وسريعة بين مقطع شعري وآخر :
( السنوات تهاجر كطيور مرتحلة )
ولكن ما يحسم ألعوبة المسرات التي أوهمنا بها الشاعر كمتنعم أساس بها .. هو ” كوجيتو ” السنوات المهاجرة ، وتعادلها مع طيور الارتحال المتطاول ، الذي كانت خلاصته حياة عيسى الياسري . ولو عدنا إلى القصائد السابقة التي حللناها – بقدر إمكانيتنا المتواضعة – فسنجد أن الزمن المضارع للفعل هو الطاغي على كل نصوص الياسري .. وأعتقد أن جزءا من أسباب هذه الهيمنة الزمانية الفعلية تعود إلى أنه كان يخطط لمنفاه المستقبلي في أماكن لا يحد مواضعاتها المؤثرة قيد مكاني أو زماني مهما كانت تجلياتها المرجعية المشؤومة .. كان فعل النفي دائبا في حياة الشاعر .. مستول على حاضره ومستقبله .. ففي مقطع الرثاء السابع والأخير من القصيدة ، تتجسم مشهدية الإنخذال الساحق الذي لا يمكن أن تتوفر ممكناته إلا في المنفى حيث الجحيم الأبدي وحيث تصح مقولة ” دانتي ” : ( عن كل ّ أمل تخلوا .. أيها الداخلون هنا .. ) .. مازال الشاعر ” يروي ” مثلما بدأ قصيدته .. لكنه الآن بلا مستمعين .. وحيدا ، مهجورا ، منخذلا
( الآن أنا مجرد راوٍ
لا أحد يصغي لهذياناته غير
فراش النوم
وحفيف رياح الليل الباردة – ص 42 )
إنه يستشرف وهو في العمارة حجيم منفاه المقبل كاملا ، من لحظة الوداع .. وداع ربيع أبي بشوت .. وإلى هذيانات وحدة الشيخوخة وعزلتها في الملجأ كما يحب المبدع ” محيي الأشيقر ” تسمية المنفى في مجموعته القصية ” سوسن أبيض ” . وتهمني هنا الإحالة إلى عبقرية اللغة العربية منطلقا من معالجة الروائي ميلان كونديرا لمصطلح الحنين إلى الوطن في روايته ” الجهل ” حيث يقول أن ” العودة ” في اليونانية ” نوستوس ” . ” ألغوس ” تعني ” معاناة ” . النوستالجيا ( الحنين ) nostalgia هي إذن المعاناة الناتجة عن الرغبة غير المشبعة بالعودة . ثم يتناول معنى الحنين إلى الوطن في اللغات المختلفة ويقول في الأسبانية تُشتق الكلمة من الفعل اللاتيني ( ignorar ) أي جهل الشيء أي أن الحنين هو ألم الجهل . أنت بعيد لا أعلم عنك شيئا . بلدي بعيد ولا أعرف ماذا يجري فيه ) . لكن بحركة اشتقاقية بسيطة يتحول ( المنفي ) في اللغة العربية إلى ( النفاية ) وكأن هذا المصير هو المآل النهائي الذي يحكم به على أي إنسان يُنفى من وطنه .
وأنا أنطلق هنا من نظرة موسعة إلى عملية الرثاء لا تقصرها على الميت ، بل تمتد لتشمل الفقدانات بأنواعها ، الفقدانات الجسيمة التي تثير الأسى ومشاعر الحزن ومواقف الحداد . وعلى هذه الأرض ، أرض سواد الأحزان ، يجب أن يتسلح المرء بمهارات الرثاء كأداة للبقاء مثلما يتسلح باللغة أو قدرات العمل والشهادة الدراسية وغيرها . فالعراقي تصله نداءات الأنين وهو في الرحم .. أنين الأم المكلومة والأرض المثكولة .. بل في لحظة خلقه يصغي بدهشة سيترعف على أسرارها ، إلى الآلهة وهي تبكي : إلى أين سنلقيك ؟ وأي عذابات ستدميك ؟ .
ويمكننا القول إن الشعر العراقي هو نص طويل ومهول في الرثاء ، الرثاء أكثر فنون الشعر مجدا في هذه الأرض بدءا من أثرها الفني الدامي الأعظم : ملحمة جلجامش . من لا يرثي ليس شاعرا عراقيا . ولهذا كان هاجس الرثاء لدى الياسري مشتعلا بفعل الفقدانات والخسارات التي تحاصره ومنذ وقت مبكر في حياته .

صورة نادرة للشاعر الكبير عيسى حسن الياسري بالملابس العربية ايام قرية المحسنة

صورة نادرة للشاعر الكبير عيسى حسن الياسري بالملابس العربية ايام قرية المحسنة

رابعا – رثاء العمارة .. الحسناء الفضة :
لكن رثاء الياسري لنهر ابي بشوت قد يكون اسى على إنثكال بمكون جزئي في حياته رغم سعيه الحارق لأسطرة حضور هذا النهر ، مقابل رثائه لمدينته الأم : العمارة في قصيدته : ” خيالات العمارة ” ، والظاهرة الصادمة التي تتسم بها هي أن رثاء المدينة جاء مبكرا .. وقبل رحيل الشاعر إلى منفاه .. حيث من المتوقع أن تشتعل نوازع الرثاء حين تطوي حفرة المسافات جسد الأماكن ، وبخلاف استهلال اساه على أبو بشوت الذي ينطوي على نوع من تعطيل الإنكار ، لأن الرغبة في كشف أغطية الميت تعكس التعلق بذيول أمل أن يكون حيا .. في رثاء العمارة لا نجد مثل هذا الدفاع النفسي ، والتسليم بانسحاق المدينة الأم مباشر :
( أيتها الذهبية مثل القمح
الخضراء كحقول الرز
والهادئة كنهر هادئ
لقد دهمتك الشيخوخة )
ويصعّد التضاد بين الحيوية الطاغية : القمح الذهبي واخضرار حقول الرز ، والشيخوخة المميتة أسانا على المدينة التي بدأت قراها تنقرض وتلاشت رائحة القهوة العبقة من صباحاتها .. هذه هي امتيازات المدينة : العمارة ، وبالـ ” التكتيك ” الإخراجي نفسه ، ” يقسّط ” الشاعر عملية الإقرار بسطوة الحي الذي لا يموت : الموت ، ولكن التقسيط الآن شديد الوطأة ، موغل في الأذى ، فالشاعر ” يعجز ” عن أن يعلن نقمته على المدينة الأم مثلما فعل مع أميره النهر .. إن حبها بمثابة لعنة ، فهو لا يفلح في الخلاص منها رغم كل محاولاته الهروبية ، أينما يولي وجهه فثمة وجه العمارة ، لكن الذروة الشاهقة لعذابات النسيان تأتي ماحقة حين يتلبس العشق لبوس الكره أو يتصارع معه ، أو حين تشتبك الشحنة الحبية السلبية المراوغة مع حفزات الولاء الدافعة بعزم ، في كثير من الأحيان يكون الرداء العدائي السلبي أول التعبيرات عن المضمون الحبي الإيجابي ، قبل كل محبة هناك شحنة ضغينة .. ومن أحبك ” لاشاك ” كما تقول الحكمة الشعبية الباهرة ، والعمارة الآن ترتفع – أو تنزل – لا فرق إلى مستوى الحبيبة التي يختزن الشاعر تجاهها مشاعر متضادة :
( صليت طويلا حتى أنساك وها أني ألعنك –
وأبكيك كل نهار أكثر –
من مرة )
وتعود الموجات المتناوبة – وهي سمة أسلوبية في شعر الياسري كما قلنا – لتتلاعب باستجاباتنا بين صعود وهبوط ، ورعشة أمل ورجفة يأس ، مرة يستذكر كيف كان يحتضن خصر مدينته الناحل والرشيق مبتهجا حد التخمة ، ومرة ثانية يشهد بتشف بأنها المعشوقة الملتهمة المدمرة التي يفوق أذاها أذى أي معشوقات في هذه الدنيا :
( المعشوقات يخلفن شقوقا في هذا الجانب –
أو ذاك من القلب
أما أنت
فزحفت عليه زحف الكثبان الرملية –
فوق غدير الماء )
ومقابل ذلك ينفلت رد فعله الجامح .. فلا يبقي ولا يذر .. يصفها بالإمرأة الشعثاء الشعر ، بالأرض الخربة لا يبرحها المطر الملحي .. والطيبة حدّ البله .. لكن دائما يبقى شيء ملتصق بشغاف القلب كدودة العلق .. شيء اسمه الولاء الأمومي الذي يفوق – فعليا وشعرا – ولاء الشاعر لنهره / أمير طفولته أبي بشوت ، الذي يبقى – مهما تسامى وصعد – وبتخطيط الشاعر – رفيقا أو شبيه اب أو بديله في احسن الأحوال في حين أن الماء هو أصلا رمز أمومي ، لا يعوض حضور الأمومة وتمظهراتها التي تحيط بوجودنا ، مهما تقدمنا في السن ، إحاطتها بجنينها الإحاطة المكتملة الناجزة – .. لا بقاء إلا لوجه الأم العظيمة .. ولذا ورغم كل المحاولات التنصلية التي قد تبدو مبررة بفعل أحمال المعاناة الجسيمة وخارقة الثقل عاطفيا ، التي سببها إنخذال المدينة الأم ، والتي أوغل الشاعر في تبيان ثقل وطأتها ، وطأة مجافاتها التي تذكي جمرة مخاوف الإنهجار الطفلية التي يتحسب منها الإبن الرازح تحت مطارق مؤجلة ومهددة من التخلي الوشيك الذي لا رجعة عنه .. هذا التخلي وقلق الانفصال الذي يحسب له الوجدان الطفلي ألف حساب مميت .. هذا القلق الإنفصالي تخفت جذوته بمرور السنين . لكنه لا ينطفيء .. وجمرته تتقد في أي لحظة نواجه فيها تهديدات الهجران من أشكال الحضور الأمومي ممثلا هنا في مدينة انقرض فيها الفلاحون بناة أبراج الحنطة التي تلامس أطراف الغيم ، وأصبحت طرقها مرعبة لا يقوى أحد على السير فيها رغم طلوع الشمس ، وصارت سفنها تستبدل حمولتها من الرز بنواح هواء الليل – طبعا اللام تلتصق بالإسم المتروك – .
( واحزناه عليك يا أ مي
قريبا سيدركني الليل وأنت بعيدة — ) .
هكذا ينطفيء الوجه الغادر للعملة الأمومية ، فتكون العمارة المدينة الوحيدة الإستثناء في موقف الشاعر السلبي من المدن عموما ، ويعلن الشاعر رغم كل عذاباته حزنه على موضوع الحب المفقود .. وبهذا يختم عيسى رحلة خراب عمره بين أبيه أبي بشوت المغتال ، وأمه أم بشوت المغدورة ؛ العمارة ، الحسناء الفضة ..
خامسا – رثاء الجنوب .. ومحنة الغياب
ومن الظواهر الهامة في شعر الياسري التي تعكس تفصيلات خراب حياته وحياة بلاده ملتحمتين ، هو أنه بدأ يجسد أولا في شعره – قبل نفيه – خذلانه من أكثر المفردات حميمية في حياته ، والتي تعرضنا لكثير منها ، لكن وجع الإنخذال الأساسي جاء من ” غدر ” الجنوب ، الذي هو – ومن جديد – حضنه الأمومي الأصلي . بات يشعر أن إقامته فيه مؤقتة ، وهذا شعور عجيب لا تفسير مباشر له ، وما يعقّده هو أنه شعور مبكر جدا . وفوق ذلك كان يحس بالغبن الحارق وهو يرى أن كل مفردات طبيعة هذا الجنوب متصالحة معه ولها مآويها إلا هو . ويتكرر موقف خذلانه من قبل المكان الأم الذي يتبعه اغتراب امرأته وضياعها من بين يديه :
( الغروب وشيك
الطيور تسارع صوب مهجعها
والزوارق تتوسد أحضان شواطئها .. والرياح
تتباطأ في ركضها
وحده لم يرتب حقائبه
كان ينسى بأن إقامته هاهنا مؤقتة ..
……………………..
تفاجأ – إذ أعتم الأفق –
أن أحبته غادروه
وأن الجنوب الذي كان يحمله فوق أكتافه
لم يعد بيته الأبوي
ولا أنت خمرته الدافئة – شتاء – قصيدة “غروب ” – ص 17و18 )
إن الشاعر القروي هو – في حالة عيسى تحديدا – هو ابن الجنوب ، ابن أنهاره وقراه وبساتين نخيله وحقول قمحه . إن الجنوب ليس أبا حسب ، بل هو أمّ رؤوم أيضا . إنه خيمته التي لا يجد ظلا إلا تحتها ، إذ يكتوي بلهيب المدن أو المنافي ، وهو نخلته المطعمة في الجوع والحصارات ، لكن نخيل جنوب عيسى يسّاقط حجرا حين يهز جذع النخلة إليه :
( كان أغفى طويلا
ولما استفاق
أحس بحاجته إلى الخبز
كانت تظلله نخلة
وبقايا جدار
هزّها
فتساقط قدامه رطب من حجار – شتاء المراعي – أحزان جنوبية – ص 48 و49 ) .
وهذا المصير ، مصير الشاعر ومصير جنوبه ، يأتي محتما ، لأنه مقدر منذ البدء . فهو مصير أعلنته العرّافات :
( آخر عرافة كتبت فوق أذيال ثوبك
سوف يطول انتظارك
تمتد أعوام عمرك
تأكل ريح الجنوب هدوءك إذ ..
تطرق الباب في
وحشة الليل
بين جحيمين تمكث :
حب الجنوب
وخوف الرجوع إلى سربك القروي – ص 50 )
وحتى موضوعة الغائب المنتظر المنزرعة في وجدان كل عراقي ، فهي امتداد لانتظار آلاف السنين التي رسخت في نفوس أبناء هذه الأرض سواد الغيبة القائمة وخضرة الإنبعاث والعودة المستحيلة ، حتى موضوعة الغائب هذه التي تجدها تزدان بانفتاح ذراعي الجنوب لاستقبال الغائب تجهض بعد حين :
( إذ تجيء مع الريح
نفتح كل النوافذ
ثم نحاور وجهك
إن الجنوب قريب ..
…………….
كنت المسافر
يبدأ في الليل رحلته
……………
يكتشف الأرض في قدح فارغة – فصول – قصيدة “وتمر جميلا إلى البحر ” – ص 91 و92 )
وبخلاف عبارة ” نيتشه ” الذي ذهب إلى مستشفى المجانين وهو يوقع بـ ” الله ” ، التي يقول فيها : ( نحن بحاجة الى الجنوب , نحن بحاجة الى نبرات صافية , وبريئة, ورقيقة ) ، والتي وضعها الياسري في مقدمة ديوانه ” صمت الأكواخ ” ، والتي تعبر عن حاجة أصيلة لجنوب في أي مكان من الكرة الأرضية ، وقد احتار الكثير من المحللين السياسيين والمؤرخين في تفسير سر كون الكثرة الغالبة من القادة والزعماء كانوا على مر التاريخ ياتون من جنوب أي بلاد يدرسونها ، وبخلاف عبارة نيتشة المنصفة والمتفائلة تلك ، نجد عيسى يغبط مرثيه ( أعبيد بن عنبر – شيخ رعاة الجنوب ) لأنه كان الأسعد حظا في تذوق فاكهة موته الشخصي !! ( صمت الأكواخ ) .
وبدلا من أن يكون الجنوب – كما نحفظه في أذهاننا واقعا بفعل ” الصورة النمطية – stereotype ” – أرضا معززة بالاكتفاء ، بل الوفرة المشبعة والتي تفيض بخيراتها على الآخرين في ” الشمال ” ، في حياة يومية معزّزة ، إذا به يصبح حلما بعيد المنال لا يلاعب مخيلة الشاعر – وهو ابن الجنوب – إلا على صفحات حلم القصيدة ، حتى معشوقته يعدها بحلم لا سند له يخطف لها فيه أقراط فضة تزين أذنيها :
( أن أصنع أرضا لامنفى فيها
وجنوبا مأهولا بالخبز
وبالمعشوقات
وأقراط الفضة – مجوعة ” صمت الأكواخ ” ) kh aisa 11
لكن الجنوب حزين دائما .. هو نبع الكآبة الذي لا يجف .. وهو مصدر الأنين الدامي الذي حملته قصائد الشاعر السومري المجهول إلى كل مكان في العالم ، والذي مازال وريثه المعذب والمخذول يأتي من أقصى مدينة الشعر يسعى ، ليعلن شهادة خراب جنوبه الرحمي ، ويتراجع منهزما إلى حدّ التخلي عن حلم توفير البيت الآمن والأقراط الذهبية لحبيبته ، والإكتفاء المنهزم بالحلم – والحلم أيضا – بجنوب لا خوف فيه ولا قلق ، جنوب لا يكون منفى فعليا شديد الأذى لأبنائه فيعجّل بتهجيرهم إلى المنافي التي تبدو ” فردوسية ” بالنسبة إلى جحيمه الحقيقي :
( فلننس البيت
وقرطيك الفضيين
أن نصنع أرضا لا منفى فيها
وجنوبا لا تهطل فوق مراعيه
أمطار الخوف – صمت الأكواخ ) .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"