فاضل حاتم : هرمونطيقيا .. التأويلُ الشعري وفق معطيات الرؤية الوجودانية

fadel hatamتشكّل قصيدة هرمونطيقيا للشاعر عدنان حسين خطاً موازياً لباقي قصائد مجموعته الشعرية (أسفار.. في ذاكرة الجمر) والتي تعتبر حركة حيّة في مسيرة الشعر العراقي الحديث.
مدخل القصيدة من محايثة عنوانها الذي شكّل عتبة أولى لدخول عالم القصيدة . فهرمونطيقيا ، بمعناها النقدي ، تعني التأويل والتفسير. إذن نحن أمام عالم من التأويلات التي تعبّر عن رؤية الشاعر:
(( اتركيني وقلبي
لأمضي إلى ما لست أبصر))
يفتتح الشاعر قصيدته ، بمخاطبة الحاضر أمامه ، وهي أنثى بلا شكٍّ ، لكن من أيّ الإناث ؟ هل هي امرأة .. أم أنثى من نوع ثانٍ ؟:
((من تفاصيل الكارثة
ربّما سوف أنسى،ما أورثتني الحروب اللواتي تركن تواقيع الشظايا
في جلد قلبي [سبع جراح يابسات] ليس من شأن الليالي أن تعقّم
خرير الذكريات بثقب الجمجمة
ففي كل ما يمنح الليل للهواجس
من فضاء….))
الأقرب إلى الذهن ، أنّ الشاعر لا يخاطب أنثىً بشرية ، بل هو يخاطب أنثى من نوع آخر،هي أنثى الفكرة( الفكرة) هي نتاج الفكر،لحظة المراجعة مع الذات..واكتشاف الآخر ، بشعور مغاير ، مختلف عما كان عليه.
فرغمَ كلِّ السنوات التي مرّت ، قاحلةً ، موحلةً ، مخيفة ، كسني يوسف حين حلّ بقومه القحط والجفاف ، كانت هناك (( سبع جراح يابسات)) وهذه السبع جراحات توظيف ناجح من القصص القرآني .. وهنا العدد سبعة ليس بالضرورة عن سبع ، ربما عن سبعين أو أقل ، أو سبعاً كما أراد الشاعر ، إلا إنّها تبقى توظيفاً موفّقاً في بيان المحنة ، مع النفاد إلى الإمساك بفرصة التـأويل والغوص ,, رغم سطوة الليل والظلم والعوز لم يمنع الشاعر من الوصول ، إلى إيجاد رؤية جديدة ، في إغناء الواقع والدفع به إلى الافضل:
(( فكلّما يمّمت روحي صوب أمسي البعيد
أبصرت نهراً أبيض القلب
فيه الطفولة في وضوح تغتسل
بقربها تجلس السماء تفكر))
هذه الرؤية التأويلية استمدها الشاعر من الماضي الجميل ، ليعيدَ الإحساس بالجمال وبالحياة ، كما كانت سابقاً ، تتحرّك ككائن حيٍّ ، فالذكريات فيها من الطاقة الخفية ، والمشاعر التي تبثُّ في حناياها الروح والحركة ، قادرة على إعطائنا وقوداً إضافياً لما نعانيه من اضطراب واغتراب، لكن هل هذا يكفي لنحيا من جديد بتأويل يجعل للحياة طعماً آخر ؟؟ حين يصطدم الشاعر بموات أرض الذكريات نراه يسعى للنهوض
(( فالحياة جديرة بالحياة))
هكذا نجعل الحلم أقرب ولكن هذا الحلم يمر عبر بوابات ، الماضي ، التي شكّلتْ هاجساً ، من الخوف:
ابقي قريباً
من نبض قلبي
لا أطيق البقاء وحيداً وسط أحشاء غول المعادن
لا أطيق البقاء وحيداً في مهبِّ الرخام
أخاف المدينة ، والبنايات القديمة
أخاف البقاء وحيداً تحت غيمٍ غريب
ونجمٍ لا يبالي حينما يراني أضطرم .adnan hussein
الخوف من الوحدة ، لازم الشاعر في هذا النص ، مصاحبا للوحدة ، في مدينة ، كلّ ما فيها غريب لا يمتُّ إلى الحياة بصلة ، المدينة التي تحوّلت إلى مدينة أشباح وحروب ومعادن..مدينة الجثث الملقاة فوق سفوح الجبال وبطون الوديان..فأيُّ معنىً يبقى ..للحياة ..إذا كانت الخضرة تنمو خارج الحدائق .. بعيداً عن نظرة العين وانفتاح النفس..إنّها هناك في المقابر.مقابر الحروب.
حينما تعلن الحرب أهوائها
في ابتهاج القنابلْ ، مثل أزهار المقابر …
فللحربِ معنىً مغايرْ ، عمّا تنظّره البلاغة
لمّا تجنُّ الليالي ويرمي النهار رفاته
فوق أنهار المساء الفوضوي
يغدو دخان القنابلِ ، وغبارُ الخنادق
وضجيج احتراق الجثث
لوحة أخرى للعبث
من خرابٍ مستحيل وأفق منغلق …
ابقى قريبة..لا تتركيني…أيّتها الرؤيا ولا تبتعدي عني كثيراً .. دعيني أبصر الباعة المتعبين ،في شرايين المدينة وأراقب النخل المكابر من تمادي الحديد كيف قد مدّ ظلّه :
اتركيني قليلاً
أبصر الباعة المتعبينَ ، في شرايين المدينة
وأرقبُ النخل المكابرِ من تمادي الحديد
كيف قد مدَّ ظلّه
على عشبِ تلك الحديقة الناسكة !!
وكيف يغطي هدوء المصاطب …kh adnan hussein 2
هكذا كان عدنان حسين ..يستمدُّ قوّة الموضوع الشعري ، من خلال استغلال الرؤية لخلقِ تشكيلٍ آخر .. يأتي كطوفان نوح . كلّما دنست ننماخ يوماً لابدّ أن تثور المياه وتغسل الارض العظيمة من خطايا الاقوياء .. يمحق أيام الذل ، ويسحق قوّة الطغاة ، وأبى الشاعر إلا أن يذكر السبب بحروف مبعثرة ، يصطادها الصياد في شباكه :
كان الزمان الدائري
طالما يعود بذات البداية
كلّما دنّست ننماخ يوماً
لابدّ أن تثور المياه
وتغسل الأرض العظيمة من خطايا الأقوياء …
وذلك الطوفان الذي لا يدمر الأرض بل يغسلها ويطهرها من الدنس الذي مردّه إلى خطايا العابثين والملوثين لنقاء الطبيعة الرؤوم ، وهو نتيجة حتمية لمّا تسببت به هذه اللوحة الشعرية المرعبة :
يغدو دخان القنابلِ ، وغبارُ الخنادق
وضجيج احتراق الجثث
لوحة أخرى للعبث
من خرابٍ مستحيل وأفق منغلق …
العبث الذي استمرَّ يقود الخطى نحو الأرض الخراب. القصيدة عند عدنان حسين ،تأتي ،في بنائها الإيقاعي،معتمدة التفعيلة الخليلية ،وفي هيكلها الخارجي ..تعتمد معمارية القصيدة الحرّة..التي تشكّلت عبر أشكال متعدّدة ،للشعراء الذين اثبتوا بصماتهم الشعرية ،ونستطيع القول إنّ عدنان حسين .بما يمتلك من خبرة وممارسة فعلية ،وناضجة أخرج لنا بناءً معمارياً،في كتابته للقصيدة ،يعكس روحية وتجربة الشاعر.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| أحمد شحيمط : الرواية العربية المعاصرة وأسئلة النقد .

يتحول الإبداع من الرواية والسرد إلى مجال النقد الأدبي، وإثارة تساؤلات عن واقع الرواية العربية …

| عباس محمد عمارة : شفة الأوركيد ديوان هايكو للشاعر علي محمد القيسي .

الشاعر والهايكست علي محمد القيسي في مجموعته الشعرية “شفة الاوركيد” يحرك بركة “باشو” الراكدة ويؤرخ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *