عدنان الفضلي: النص من وجهة نظر الآخرين .. حول إشكالية قراءة النص من دون تجنيس ادبي واضح


المدارس الادبية الحديثة والتي اعقبت (الحداثة) لم تعتدّ بالراي الذي يطالب بتجنيس النص، بمعنى ان التلقي الان لايعتمد المعايير ذاتها التي يمكن ان تحمل مسمى واضحا، فما بين النص المفتوح والسرد الشعري والقصة الشعرية والرواية الملحمية المدونة شعراً، صارت القراءة مختلفة، والنقد تحوّل معها الى مسار يختلف جذرياً عما كان عليه قبل الوصول الى (مابعد الحداثة) .

والمتابع للنقود المطروحة اخيراً في المشهد الادبي العالمي والعربي يلحظ ذلك بسهولة، وبامكان المتابع للادب الحديث ان يلحظ ذلك.. هذا الموضوع ومن خلال قراءات واجوبة لعدد من النقاد، وجدنا ان نستثمره لتوضيح آليات الاشتغال الجديد في الادب العربي..
يقول الناقد حميد الشيخ فرج:
– القراءة المنتجة تقوم بفرط عقد النص وتفقد متوالية التوالد العلامي (علامة تولد علامة أخرى) بتعبير البرتو ايكو ليتحقق للقارئ فيما بعد نص مفارق للنص الأول، نص يشتغل خلف أعين الرقيب ويتمترس خلف اللغة النحوية نصا بريئا ويتحاشى لغة البلاغة وصورها، وعلى هذا فان العنونة  تلح في الحضور في حضن السرد الشعري.
واذا كانت النصوص بوصفها رسائل فان وظائف لايمكن تجاهلها تتفتح في الأطر الابستمولوجية للنصوص كانت تتجه الى طريقين متضادين وفق وظيفة النص، الوظيفة الجمالية بوصف النص بنية سطحية خالية من الدس الايديولوجي للناص نفسه، ووظيفة (ميتالسانية) يتخذها الناص جسرا لإيصال صور النص الى المتلقي عبر نقل الحمولة القصدية الى ماوراء اللفظ – الكلام – بوصفها – اللغة – حمالة أوجه، هذه الوظيفة – الميتالسانية – وان بدت تفضح المعنى المكون للنص الا انها قد لا تمثل كل هذا البعد، بل يمكن لنا ان نقترح وظيفة أخرى هي الى قصدية الناص للتخلص من الرقيب اقرب وهي “الوظيفة التضليلية” .
فيما يقول الناقد مكي الربيعي:
ثـمرة الـشعـر بـالـنـسـبـة لـي، تـضـاد بـيـن حـقـيـقـتـيـن تـتـمـثـلان بـطـبـعـيـة مـفـرطـة فـي حـقـائـقـهـا، وأخـيـلـة سـريـة تـنـشـط فـي حـفـر الـحـلـم، بـإعـتبـار أن أي عمل إبـداعـي يـنـبـثـق مـن الـجـوانـيات الـلاواعـيـة لـلـشـاعـر، وإنـطـلاقـا مـن هـذه الـرؤيـة يـعـنـي الـشـعـر بـالـنـسبـة أكـثـر مـن قـضـيـة شـخـصـيـة.
أيـمـكـن لـنـا أن نـفـكك فـي هـذه الـشـهـادة مـغـالـيـق النـصـوص؟
لـيـس بـمقـدور أي مـن الـنـاظـريـن إلـى الـشـعـر بـقـدسـيـة، أن يـأخـذ دور إبـن جـنـي وهـو يـقـوم بـشـرح قـصـائـد الآخر، فـيـحـولـهـا إلـى كـلام بـسيـط ٍ فـاقـد الأهـلـيـة، أن روعـة الـشـعـر تـكـمـن فـي أخـذه كـلـيا ً، ولـيـس تـفـصـيـلا ً مـمـلا ً يـضـع عـصـا الـركـود بـيـن عـجـلـة الـنـهـر الـجـاري.
ثـمـة لـغـز ٍ أو دلالـة، تـحـيـلـك إلـى جـمـال الـقـصـيـدة الـكـلـي، ولـذلك نـحـن بــحـاجـة دائـمــة لـوجـود نـاقـد يـركـس فـي قـعـر الـمـحـبـرة لـيـسـتـخـرج لـنـا لـون الـحـبر الـسـري الـذي كـتـبت فـيـه الـقـصـيـدة.
اما الناقدة عائشة علي فلها راي اخر حيث تقول:
– يقول شيلي في أطروحته المسماة دفاعا عن الشعر ((ليس التقسيم الشائع بين الشعر والنثر مقبولا من وجهة نظر فلسفة دقيقة، وليس ضروريا أبدا ان يُخضع
شاعر ما لغته لنظام اشكال تقلدية، شريطة ان يراعي التناسق الموجود في ذهنه))، وعلى هذا المنوال انطلق العديد من الشعراء العالميين عبر قصيدة النثر، متمردين على الشائع، وخرجوا من منظومة المتعارف عليه في الروح الشعرية، واتجهوا إلى العمل وفق مجساتهم الشخصية، بعيدا من النمطية والرومانتيكية والكلاسيكية بل إنهم أعلنوها قصيدة الحاضر والمستقبل، وفي عالمنا العربي لم يخرج اغلب الشعراء عن ذلك الخط بل تبنوه مذهبا شعريا حقيقيا، اشتغلوا عليه ودافعوا عنه على اعتبارات عدة، أبرزها إنهم يعتبرونه كلاما مستحدثا يستطيعون أن يعبروا فيه عن أنفسهم كشعراء حداثيين يستوعبون ما يدور حولهم وما يرتكزون عليه بصفتهم من حملة الوعي.
الناقد كريم شلال الخفاجي من جهته قال:
– نرى بأن امتزاج الشعر بأجناس النثر المختلفة حالياً صار ضرورياً لأسباب عديدة لأن رؤى الشاعر تود ان تتسع وتتنوع وان تكون اكثر كونية من جهة، ولأن الايقاع الداخلي للشاعر بالاضافة الى ايقاع اللحظة التاريخية المحيطة به معاً، ترغبان بالانفتاح على ماهو جديد ومغاير ومختلف من جهة، ولأن العالم في الوقت الحاضر كما نرى، صار يسير في مدينة النثر اكثر من قبل، بل واكثر من سيرها في مدينة الشعر من جهة اخرى. وظهرت امثلة طيبة في هذا المجال منها ماهو عالمي مثل (فصل في الجحيم) للشاعر الفرنسي (رامبو)، و(ريشة) لهنري ميشو، و(اناشيد مالدورور) للوتريامون، وكذلك تجربة الشاعرة خالدة خليل التي فازت بجائزة ناجي نعمان للإبداع عن نصها (أشرعة الهراء) الذي قرئ على أنه رواية وهو في الحقيقة بعيد عن هذا التجنيس الذي فرض عليه، لأنه نص مفتوح، أما النص فهو مشدود إلى المتعة أعني إلى اللذة التي لا تنفصم، ذلك أن الامر يرتبط بعملية خلق تعبير اللغة التي تعد وسيلتها الأولى‏، فقيمة المكنون الادبي الذي يضمنه الاديب في ثنايا نصه من اختيار الكلمات التي تدل على المعنى الذى يروم الكاتب ايصاله الى ذهن القارئ بهدوء ودون احداث فوضى وقلق في افكاره، وبالتالي يتلقاه القارئ ويتفاعل معه ولايتحقق ذلك الا اذا كان اسلوب ولغة الكاتب لغة صادقة وغريزية و نابعة من الاحشاء لتغازل ذهن القارئ كما يقول “رولان بارت” وكما هو معروف ان مايخرج من القلب يصل الى القلب وما يخرج من اللسان لايصل الا الى الاذان، وكلما كان مضمون اختيار الالفاظ  في محلها من الاستعمال لتؤلف جملا واضحة مؤدية المعنى الذي يريده فيجب عليه ان يكون على علم بمعاني الالفاظ، ومقدرة على اختيار مايتفق منها والمعنى المطلوب بعناية وعليه عدم الاستهانة بذوق القراء وعلميتهم فيترك لنفسه العنان فلنجتهد في اختيار الالفاظ لايصال المعنى المطلوب مع مراعاة احوال السامعين فلانكدر صفوهم ولانؤذي مسامعهم بل نعرض افكارنا بوضوح وتسلسل.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *