خضر عواد الخزاعي : تشفير النص السردي .. رمزية السلطة في رواية (موت الأب) للروائي والقاص العراقي أحمد خلف

khudr awad 3عندما فكرت بالكتابة عن الروائي والقاص أحمد خلف، اخترت في قراءتي النقدية أن أبدأ معه من البدايات، فكانت البداية مع إعادة القراءة لمجموعة (نزهة في شوارع مهجورة) 1974 واخترت منها قصة(خوذة لرجل نصف ميت) المنشورة في العام 1969. ولقد حفزني لذلك معالجة نقدية كان قد أطلقها الناقد العراقي الكبير المرحوم الدكتور علي جواد الطاهرفي العام 1973 عن أدب الستينات في العراق يقول فيها :كان أدب الستينات في جملته متشائماً يعكس الضياع والقرف واضطراب المقاييس ، وكان للتشاؤم سببه القائم في ظرفه . وبالتأكيد أن الدكتور الطاهر مصيباً في رأيه ولا جدال في ذلك، بسبب الظروف التي اكتنفت المنجز السردي العراقي آنذاك. إنه كان يخوض في فترة انتقال من الخطابية، والرتابة التقليدية، الى آفاق واقعية جديدة، فرضت حضورها من خلال انتشارأدواتها الحداثوية، في المهارة في رسم مشهدية الحدث، وتجاوز التسلسل الدرامي الكلاسيكي، وتعدد مستويات الخطاب السردي، والغوص بعيداً في أعماق النفس البشرية، والإطلاع على التجارب العالمية وتعميمها في النصوص المحلية. كالأسطرة والسحرية الواقعية، وتوظيف الوثيقة والحكاية في متن النص السردي. والتكثيف، وإغناء اللحظة الدرامية، والاهتمام بالأنساق المكانية والزمانية. وعناصر التقانة الحديثة، كالإزاحة والدلالة والتورية، التي أخذت طريقها في نفوس جيل من الكتاب، يتقدمهم الثلاثي المبدع:محمد خضير وأحمد خلف ومحمود جنداري. ثم اخترت واحداً من النصوص السردية الحديثة لنفس الكاتب، والذي يعد بحق تحفة أدبية تفخر بها مكتبتنا الوطنية الروائية، وأقصد بها رواية(موت الأب) المنشورة في بغداد سنة 2002. وبين قصة (خوذة لرجل نصف ميت) الستينية، ورواية(موت الأب) الألفينية، نتلمس تلك الادوار التي تعاقبت على الوعي بمهمة الكاتب، والتي نجدها شديدة الحضور والنضج عند الكاتب أحمد خلف، إذا ما أخذنا في نظر الاعتبار التعريف الموجز لمهمة الفن عند بارت:تنحصر مهمة الفن في عدم التعبير عن المعبّر عنه وفي أن تنزع من لغة التداول وهي لغة الأهواء الأكثر وهناً وقدرةً ،على انتزاع كلاماً آخر، كلاماً صحيحاً . مع الكاتب أحمد خلف تبدو المهمة أعمق مما ذهب اليه بارت، مع اختلاف المديات والطرح والحالة الثقافية بين باريس وبغداد، فالكاتب الحقيقي هنا، عليه أن يسير بين حقول الغام كي يوصل رسالته بصدق واخلاص وشرف، إذا أراد أن يكون بمستوى المسؤولية الأخلاقية والأدبية للمهمة الملقاة على عاتقه، ولقد كان الكاتب أحمد خلف خلال مسيرته الأدبية، وفي مجمل كتاباته، يسير بمحاذاة أسوار السلطة وتحت ظلالها. لكنه عرف كيف يتحاشى مخاطرها، وينأى بنفسه بعيداً عن اشتراطات مقص الرقيب، والعين الساهرة للسلطة.
ففي رواية (موت الأب) من المؤكد لو أن القاص والروائي أحمد خلف قد جرب وغامر بنشر روايته قبل تاريخ طبعها في العام 2000 بسنوات قليلة، فإنها لم تكن لتُجاز أبداً، إن لم تكن قد سببت له الكثير من المشاكل مع كثير من الجهات الرقابية، والثقافية والحزبية المتنفذة آنذاك، لكنه نجح في استثمار فوضى الارتباك الذي كان يعيشه النظام في سنواته الأخيرة، وانشغاله بالأزمات العاصفة التي يمر بها، فالرواية رغم الحرص الشديد للكاتب على ابعادها من المباشرة، واسقاطاتها على الواقع العراقي في تلك الفترة الخطيرة من عمر النظام، وبالأخص على شخصية رئيس النظام بالذات، إلا انها من الروايات المفتوحة والقابلة للتفسير والتأويل على شتى التكهنات، وأولها “الرمزية” التي اعتنى بها الكاتب غاية الاعتناء، وبذل فيها أقصى الجهد، لتصوير شخصية الأب الأسطورية، بكل تفاصيلها/التسلطية/الدموية/الإنحرافية، والتي كانت الإنذار النهائي لناقوس الخطر، الذي ربما لم يستشعر النظام بمديات خطورته، إلا بعد فوات الاوان.ahmad khalaf 5
ولأهمية الرواية، نقتطف هنا بعض ما وصفها به الناقد العراقي الدكتور حسين سرمك: في هذه الرواية حكاية تستوعب القارىء.إنك متشوق لأن تعرف ما الذي ستتمخض عنه الأحداث، وانت متشوق إلى معرفة هذا لأنك مهتم بالشخصيات التي اخترعها الكاتب .اعتمد الكاتب أحمد خلف وكما عوّدنا في معظم كتاباته على تعدد الثيم Multiple Theme ، وعدم استقرارها، ففي النص هناك أكثر من ثيمة ومنعطف درامي، بالإضافة الى تنوع وتداخل حكائي في مستويات الخطاب. كانت تقود النص الى مفتتحات جديدة، متفرعة ثانوياً على قيّم حكائية، مصنوعة بعناية على طريقة(ألف ليلة وليلة) والتي لايخلوا مؤلَف لأحمد خلف من واحدة منها، وإن كان المحور الاساس الذي تدور حوله الحكاية هو “الأب”،التي ينقلها الراوي/الإبن شفاهياً الى الرواي/السارد العليم أمجد، لكن من نسيج هذه الحكاية تتناسل الحكايات الاخرى، وعلى ألسن متباينة، من حكاية (الحالم بالكنز) التي يحكيها العم نوح لأبناء أخيه وزوجته، إلى حكاية (البيت الملعون) التي تحكيها ابنة خالته هاجر، وهي قصة مأخوذة من مجموعة (تيمور الحزين) بعنوان(كل البيوت) الى الحكاية الوحيدة المقروءة (عمرو ابن عدي وخاله الملك جذيمة الأبرش).ولقد حاول الكاتب بهذه الطريقة/التورية.تغليف مادة روايته الرئيسية “حكاية الأب” بجدران سميكة، جعل لكل منها بابا سرياً، يقود القارىء اليه من خلال نَفَسْ حِرَفي، جعل نهاياته متصلة دائما ببدايات جديدة، كما هو الحال عند نهاية حكاية(كتاب الكنز)بالعثور على الكتاب، ومحاولة التوجه الى المكتبة الوطنية لتسليمه، لتبدأ حكاية هاجر عن (البيت الملعون). وهذا التراتبية في الحكي، من السياقات السردية المتبعة في حكاية(الف ليلة وليلة).وبطريقة الاستعارة تارة والإزاحة تارةً أخرى، يلج الكاتب أحمد خلف معترك المشهد العراقي من أخطر أبوابه، السلطة المطلقة التي يمثلها الرئيس/الأب في الرواية. في صراعات ثنائية حادة متعددة، كان الأب فيها يمثل قطب الرحى، حيث صراع الأب مع شقيقه نوح. والذي ينتهي بقتله قرب داره، بعد أن يعرف بزواجه من زوجته السابقة أم أولاده. بطريقة عنيفة وخالية ودموية، ويبدو إنه استعد لخوض هكذا صراع مع شقيقه نوح، وبيَّت النية على الإنفراد به وقتله، وكانت تلك الجريمة، بداية النهاية لمسيرته التسلطية، بعد القبض عليه ومحاكمته وحبسه خمسة عشر عاما، وإن لم يقض منها إلا القليل في الحبس، بسبب شموله بقرارات الرأفة والعفو، حيث خرج من السجن مليئا بالأمراض والعلل النفسية والجسدية، التي اقعدته في خريف عمره عن الحركة، وصراع الأب مع زوجته، الذي انتهى بالزواج عليها من زوجة ثانية، تصغرها عمرا وتفوقها جمالاً، واسمها قريب الشبه من اسم سارة عشيقته السابقة ساهرة، وصراع الأب مع اولاده، وخصوصاً إسماعيل الذي انتهى بهربه من البيت مع عشيقة ابيه سارة “حفافة وجوه النساء”ليختفي والى الأبد، وهذه الصراعات في مجملها هي امتدادات لمرجعيات من الصراعات التاريخية، قابيل وهابيل/عقدة أوديب/جنون السلطة. ومن بين ثنايا هذه الصراعات، يكشف الكاتب عمق المأساة التي كانت kh ahmad khalaf 5تعيشها البلاد، في كنف سلطة مستبدة، لم يكن يهمها من شيء غير ارضاء نزواتها، واشباع رغباتها التي لا تشبع، دون أدنى مراعاة للغير، وفي خضم هذه الصراعات، تتوضح بعض ملامح شخصية الأب، وهو يقود أسرته، ومستأجري غرف بيته، بطريقة أشبه ماتكون بطريقة “القطيع” في عالم الحيوان كما عبّر عنها الإبن: “لقد عشت معه زمناً يليق بالحيوانات.وربما كان يليق بنا جميعاً”.ولقد برع الكاتب في تغليف أجواء الرواية بعناصر الشد والترقب ليعطي زخما اضافيا لأبعاد شخصية الأب، وحالة اللاستقرار التي هيمنت على روح النص،”خيّل إلي أن صديقي الرسام يعاني من أزمة نفسية حادة او ضائقة مادية لامحال،اذ كيف يمكنني الربط بين عدد اللوحات التي سادت فيها نزعة التجريد للاشياء والبحث لها عن عمق ميسور يعينه الخيال للنفاذ عبر القشرة الرقيقة للالوان، بين تحويل الشكل البشري من نزوعه الواقعي الجاهز وبين خطوط والوان غلب عليها طابع الضربات السريعة الحادة والمتقنة الموحية بدمار شامل لايرحم،دمار لايخص شخصا معينا بقدر مايعني الجميع ويأسر خواطرهم أمام المآساة باعلان ناقوس الخطر واقتراب الجميع من حافة الكارثة او تطويقهم بالفجيعة التي ضاعوا فيها حين هبت العاصفة الماكرة”.
فمردات مثل/الدمار الشامل/العاصفة/الضربات السريعة/ المأساة/ناقوس الخطر/حافة الكارثة/الفجيعة/الضياع. كلها دلالات لخصت ملامح الطريق الذي كان يقود فيه الأب/الرئيس. البلاد الى مصيرها المحتوم في العام 2000 مع الانتباه الى البدايات المبكرة للفجيعة، في منتصف العام 1995 وهو الوقت الذي بدأ فيه الكاتب أحمد خلف كتابة الرواية.
ومع حرص الكاتب على تقديم صورة قاتمة للأب، مطابقة للواقع الفعلي لشخصية الرئيس،”لم تكن ثمة علاقات بيننا وبين العوائل المستأجرة، لانه ما من عائلة استمرت معنا أكثر من عام حتى تلملم أشياءها وتهرب من طغيان الصوت او الشتيمة، ثلاث غرف استأجرت والرابعة لنا، لكن حضوره كان أقوى من جميع الرجال الاخرين، وبفوضاه كانت الاشياء تتنحى عن طريقه وتخلي الدرب الى غرفتنا، يغض الرجل عيونهم عن بلواهم به، والنساء يصغين بانتباه الى وقع خطواته” كذلك فإن الكاتب لم ينسى تقديم الجوانب الأكثر سلبيةً وتهوراً في هذه الشخصية، ذات الميول المتهورة، والاستبدادية المطلقة، “فقد جاءها ذات ليلة مخمورا تتلقفه الجدران وتدفعه الريح والطرقات،مخمورا وقف عند باب حجرتها من الخارج، كان نصفه من الاسفل في ارض الساحة الصغيرة للبيت بينما ترنح في الطريق اليها، ترنح دون رؤية اي شيء بوضوح، عندما ثبت قدميه في ارض الساحة والصق جبهته في الجدار بجانب الباب، رفع ثوبه ليتبول تحت انظار الجميع”.
ليس من شك بأن القاىء الذي يطالع رواية”موت الاب” سوف لن يجد له فسحة ولو صغيرة، من التعاطف مع هذه الشخصية، وإن حاول الراوي/الابن، أن يضع لافعالها في أكثر من مناسبة بعض التبريرات الموضوعية، كعلاقة العم نوح بالأم. والتي هي ابنة عمه، وكانت في الأصل مخطوبة للعم نوح، قبل تزوجها من الأب بسبب ظروف سجن العم، واستغلال الأب تلك الظروف لصالحه، فالخطوط العامة لشخصية الأب، كانت وحدها الكفيلة برسم الانطباع العام عن هذه الشخصية الفردانية Personal individualism العدائية التي كانت تقودها العشوائية والأنانية، والرغبة الغامضة في قيادة الاخرين في الطريق الذي تشاء”لم نكن نعرف الى اين يريد الوصول بنا، كان يجرنا معه في كل ما اراد القيام به من افعال ولا يجادله احد أو يقف في طريقه، وليس ثمة من يعرف الى اين يمضي ومن اين يعود، واللذين يتوقعونه هنا، في هذا المكان، يفاجئهم موجودا في اماكن اخرى غير متوقعة، كان يتلون مثل الحرباء”. فهل هناك صورة أكثر وضوحا وتشبها بصورة الرئيس من هذه الصورة!
رواية (موت الأب) من النصوص السردية التي ستبقى راسخة في الذاكرة الادبية للثقافة العراقية، كونها واحدة من السرديات التي أرخت لحقبة تعتبر من أخطر الحقب التي عاشها العراق في العصر الحديث، ولأنها كتبت بطريقة فنية زاوج فيها الكاتب المبدع أحمد خلف، بين مقتضيات الواقع وضرورات الفن الادبي. واستطاع أن يحقق في ذلك الكثير من الفرادة والتميّز الذي يكفل له كل التقدير والانحناء، ويجعله دائماً، في الصف الاول، من طبقة الكتاب المجددين. والمشتغلين في الموضوعة المحلية.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاتف بشبوش : رماح بوبو، شجرٌ لاذقيٌ ، طالِعٌ من الشِعر ..جزءٌ ثانٍ .

في السجن كان الحلم يأتي كمالايريد قلبي ولاالسجان شفافاًوأبيض رأيت رفاقي يحملون دفاترا وأزهاراً ثم …

حــصـــــرياً بـمـوقـعــنـــــا
| هيثم محسن الجاسم : منظور الوطنية عند الروائي أحمد الجنديل في رواية ” الرمــــاد ” دراسة ذرائعية علمية (2/2) .

ب-موقفه من نوع هذا الواقع: بالتأكيد لا نأتي لتلك الحقبة جزافاً من دون راو ذكي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.