طلال حسن : نانوك (رواية للفتيان)

 

talal hasan” 1 “
قفل الصياد عائدا إلى البيت ،بعد أن اصطاد طائري تلمجان ،فالطيور المهاجرة عادت إلى موطنها،حيث الشمس والدفء ،ولم يعد في موطن الإسكيمو سوى الغراب والصنفر والتلمجان وبوم الثلج.
وحث خطاه ،وكلبه كنجمك يهرول إلى جانبه ،فقد حان وقت الغداء،ولابد أن زوجته “نانوك “تنتظره الآن على أحر من الجمر ،ونانوك الصغيرة تحوم حولها مدمدمة ،كصغير الدب القطبي .
وهبت ريح قارصة ، ولاحت الشمس في السماء شاحبة باردة كأنها تحتضر .لقد بدا النهار يقصر،والشمس تميل للمغيب في سرعة،وراء التلال الجنوبية .وسيحل الشتاء قريبا ،فتتجمد الأنهار والخلجان ومياه البحر .وستغيب الشمس لفترة طويلة،وتهب رياح مزمجرة من الشمال ،ويصير الصيد مستحيلا.
لقد مرت أيام الربيع والصيف سريعا ،تمتع الصياد قيها وزوجته نانوك وطفلته نانوك الصغيرة ،وكذلك الكلاب العشرة،ومن بينهم كنجمك ،بالشمس والدفء والانسام العذبة ،وبالطعام الوفير المتنوع من بيض الطيور واسماك متنوعة .وهاهي الطيور الآن فد هاجرت حيث الشمس والدفء ،وسحب الصيادون قواربهم المغطاة بجلد الحيوان ،وركنوها بعيدا عن البحر ،فقد بدأ الثلج يظهر فوق مياهه،وصار الصيد فيه محفوفا بالمخاطر .
وخلال الأيام الأخيرة ،بدأ الصياد يستعد مثل غيره من الصيادين لرحلة صيد عجول البحر ،فمخازنهم خوت تقريبا من اللحوم ،وعليهم الآن اصطياد عدد كبير من العجول ،تكفي لإطعام عوائلهم وكلابهم ،خلال فصل الشتاء الطويل .
ولاح بيته بين بيوت المخيم ،وتراءت له زوجته نانوك، آه نانوك ،إنها نانوك حقا .
” 2 “

دفع الصياد الباب ،ودخل البيت حاملا طائري تلمجان ،ودخل خلفه كنجمك . لم ير نانوك في الفناء ،لابد أنها داخل الغرفة ،فناداها بصوت هادئ: نانوك .
لم يسمع رداً على ندائه , لعل نانوك لم تسمعه , فنادى ثانية : نانوك .
وثانية لم يسمع رداً ,فاتجه نحو الغرفة مدمدماً: هذه المجنونة , أخشى أن تكون قد نفذت تهديدها , وغادرت البيت .
وفتح باب الغرفة , واندفع إلى الداخل ,وطائرا التلمجان يتدليان من يده . وفوجئ بنانوك تقف وسط الغرفة , ونانوك الصغيرة تتقافز بين يديها . وتطلع إليها , ثم قال : لقد ناديتك , ولم تردي.
وأشاحت نانوك عنه , وقالت : لست نانوك لأرد .
وهز الصياد رأسه , وقال : أنت نانوك بحق عندما تزعلين .
واقترب منها , وأضاف :وحلوة مثله.
ولاذت نانوك بالصمت , فصوته كان هادئاً , فيه نبرة مصالحة .ورفع يده بطائري التلمجان , وقال : جئتك بما تحبينه .. التلمجان.
ونظرت إليه بعينيها السوداوين الزعلانتين , وقالت بحدة : لا أريد التلمجان .
وبنبرة صبورة قالت : نانوك .
وبدل أن تتراجع ، قالت بانفعال : سأمضي إلى أهلي ، إذا ذهبت وحدك .
ورد الصياد قائلاً : إنني ذاهب للصيد ، والصيد خطر كما تعلمين .
وتطلعت نانوك إليه ، وقالت : الناس هنا لا يطيقونني ، لأنني لست منهم .
وقال الصياد : هذا وهم ، كلنا من الإسكيمو .
وردت نانوك قائلة : بل هي الحقيقة ، وأنت ، قبل غيرك، تعرف ذلك .
ولاذ الصياد بالصمت لحظة ، ثم تساءل : ألا تخافين على نانوك الصغيرة ؟
فردت نانوك : وأخاف عليك أيضاً .
وصمتت برهة ، ثم أضافت قائلة : أنت تعرف أنني وحيدة أبوي ، وكان أبي ، منذ صغري ، يأخذني معه للصيد .
وتطلع الصياد إليها ، وقال : نانوك .
وتعلقت عينا نانوك الملهوفتان به ، تنتظر بقلق ما سيقوله .فرفع ” ” يده بطائري التلمجان ، وقال : أعدي هذين الطائرين ، سنتغدى هنا آخر مرة ، وغداً ، مع الفجر ، نبدأ رحلتنا .

” 3 “

في اليوم التالي ، انطلق الصياد في رحلته ، لصيد عجول البحر ، استعداداً لليل الشتاء الطويل ، القارص البرد .
وطوال ساعات ، سار وزوجته نانوك ، وراء الزحافة ، التي تجرها عشرة من كلاب الهسكي ، فوق أرض مستوية ، عارية ، تغمرها ثلوج حديثة ، وكنجمك يسير لاهثاً في أثرهما .
والتفت الصياد إلى نانوك ، التي كانت تضم الصغير نانوك إلى صدرها ، وقال : يبدو أنك تعبت .
وعبست نانوك مازحة ، وقالت : نانوك لا تتعب .
وقال الصياد مغالباً ابتسامته : وهي صيادة ماهرة .
فردت نانوك قائلة : نعم ، صيادة بحق .
وهز رأسه قائلاً : أعرف .
ولاذت نانوك بالصمت ، فالتفت إليها الصياد ثانية ، وقال : ضعي نانوك الصغيرة في الزحافة .
فردت نانوك قائلة ، وهي تضم نانوك الصغيرة إلى صدرها : لا ، إنها نائمة ، وأريدها أن تتدفأ أكثر في صدري .
وتوقف كنجمك ، وقد انتصبت أذناه ، فتساءلت نانوك : ما الأمر؟
ورد الصياد وهو ينظر حيث ينظر كنجمك : لعله لمح أرنباً أو ثعلباً أو طائراً في الجوار .
والتفتت نانوك إليه ، وقالت : لا تدعه يمضي ، أخشى عليه من الذئاب .
وقبل أن تنتهي نانوك من كلامها ، انطلق كنجمك يسابق الريح ، نحو مرتفع قريب ، تغطيه بقايا من أعشاب الصيف ، وضحك الصياد ، وقال : لا تخشي عليه من الذئاب ، فهو نصف ذئب .
وصمت لحظة ، ثم تابع قائلاً : كان أبي يقول ، إن جد كنجمك ، ذئب من الذئاب القطبية ، التي كانت تجوب المنطقة .
وقالت نانوك : مهما يكن ، فان انجمك أفضل كلب لدينا .
وهنا أشار الصياد إلى المرتفع القريب : وقال : انظري ، سنتغدى اليوم أرنباً برياً .
ونظرت نانوك حيث أشار الصياد ، فرأت كنجمك يجر عبر المرتفع ، أرنباً ضخماً ، ذا فراء ناصح البياض كالثلج .

” 4 “

بعد أن تناولا غداءهما ، الذي شاركهما به كنجمك ، ورضعت نانوك الصغيرة كفايتها ، انطلقا ثانية وراء الزحافة ، التي تجرها كلاب الهسكي العشرة .
وهبت رياح قارصة من الشمال ، وبدأت الغيوم تتجمع في السماء ، منذرة بتساقط الثلوج . وتطلع الصياد إلى الآفاق القاتمة ، وقال : سيتساقط الثلج هذه المرة .
وسرت رعشة في نانوك ، رغم ملابسها الثقيلة ، وخاصة قميص الباركا ، المصنوع من جلد حيوان الكاريبو ، ونظرت إلى الصياد وقالت : الجو هنا قارص البرودة ، على العكس من منطقتنا .
فقال الصياد مازحاً : لو كنت مكانك لما غادرت تلك المنطقة ، مهما كان الثمن . وردت نانوك مغالبة ابتسامتها : غادرت لسبب تعرفه ، وسأذهب للقطب لذلك السبب .
وانحدرت الشمس ، في وقت مبكر ، إلى المغيب ، وبدأ الظلام يرخي سدوله ، فوق تلك الأصقاع المتجلدة ، التي تغطيها ثلوج حديثة ، تساقطت خلال الأيام الأخيرة الماضية .
وأوقف الصياد الزحافة ، وقال : لنخيم هنا .
وتوقفت نانوك ، متطلعة حولها ، وقالت : أظن أن البحر قريب من هذا المكان .
ورد الصياد ، وهو يشير بيده : نعم ، إنه هناك ، وقد تجمد الآن.
ونظرت نانوك إليه ، وقالت : أرجو أن تكون عجول البحر وفيرة بما فيه الكفاية .
وفك الصياد وثاق كلابه العشرة ، وهو يقول : العجول وفيرة على بعد ساعات .
وأنزل الخيمة المصنوعة من جلد حيوان الكاريبو ، من الزحافة وقال : أنت ستبقين هنا .
وتطلعت نانوك إليه صامتة ، فقال : لا أريد أن تتعرض نانوك الصغيرة لأي خطر .
وأقام الخيمة على عجل ، فقد بدأ الثلج يتساقط ، وأخذت رياح الشمال تهب عاتية مزمجرة . وبعد أن تناولا عشاءهما ، دخلا الخيمة الدافئة ، وتمددا جنباً إلى جنب ، تحت فرو الدب القطبي .وحاولت نانوك أن تغفو ، لكن الصياد مال عليها ، وقال : نانوك.
وأشارت نانوك له أن يصمت ،وقالت :هش ،نانوك الصغيرة نائمة .
لكن الصياد لم يصمت , بل مال عليها أكثر , وقال هامساً : أتذكرين عندما رأيتك لأول مرة؟
وحاولت نانوك أن تنقلب بعيداً عنه , وهي تقول : هذا ليس وقته ,نم الآن . ومد الصياد يده وأمسك بها قائلاً : كنت تحملين ذلك الأيل الجميل .
وربتت على يده برفق , وقالت : نم يا عزيزي , ستذهب غداً مع الفجر , اإى الصيد .
وابتسم الصياد قائلاً :لا يهمني أي صيد , بعد أن اصطدتك يا نانوك .
وأبعدت نانوك يده , وقالت : دعني أنم .

” 5 “

أفاق الصياد عند الفجر , وقد هدأت رياح الشمال , فاعتدل في فراشه , ونادى زوجته : نانوك .
وعلى الفور , التفتت نانوك إليه , وقالت : نعم , لقد أفت قبلك .
وهب من فراشه قائلاً: كان عليك إذن أن توقظيني .
ونهضت نانوك , وقالت: أردتك أن تبقى في الفراش أطول فترة ممكنة .
ونظر إليها مبتسماً , وقال : لست تعباً إلى هذه الدرجة , لأبقى في الفراش .
وردت قائلة : أعرف .
ومد يديه , وضمها إلى صدره , وقال : ابتسمي.
وتملصت نانوك من بين يديه , ودفعته برفق , وقالت : عندما تعود .
وخرج الصياد من الخيمة , تتبعه نانوك , وقال : لن أعود قبل أن أملأ زحافتي بعجول البحر .
وردت نانوك قائلة :حاول أن لا تتأخر , وإن كان لدي ما يكفيني من الطعام .
وانهمك الصياد يربط كلاب الهسكي العشرة إلى الزحافة، وهو يقول : نانوك , اربطي كنجمك إلى وتد الخيمة وإلا لحق بي .
والتفتت نانوك إلى كنجمك , ونادته قائلة : كنجمك , تعال .
وتراجع كنجمك متردداً , كأنما عرف ما تنويه , فنادته نانوك ثانية : قلت لك تعال , تعال .
وتقدم كنجمك منها على مضض , فأمسكت به نانوك وقيدته إلى وتد الخيمة وهي تقول : كن هادئاً , ستبقى هنا معي حتى يعود الصياد بزحافته المليئة بعجول البحر.
وتوقف الصياد وراء الزحافة ،وكلابه العشرة تنتظر إشارة منه للانطلاق ،فاعتدلت نانوك ،وقالت :هيا،امض يا صيادي ،امض بسرعة .
ونظر الصياد إليها ،وقال متسائلا :أهكذا تودع النساء في موطنك رجالهن ؟
وبدل أن تجيبه نانوك ،صاحت بالكلاب العشرة :هيا، انطلقوا ، وعودوا به سريعا .
وانطلقت الكلاب العشرة بالزحافة ،ولوح لها الصياد، وهو يصيح :انتظريني ،سأعود ،أريد أن أرى ابتسامتك .
وجن جنون كنجمك ،وراح يتواثب ،محاولا التخلص من وثاقه ،واللحاق بالصياد ،وراحت نانوك تتابع الصياد بعينين دامعتين ،حتى ذابت الزحافة شيئا فشيئا في بياض الثلوج .
ومن بعيد ارتفع عواء ذئب :عو و و و .
والتفتت نانوك ،وقلبها يخفق قلقا ،وتطلعت نحو مصدر الصوت ،وتوقف كنجمك ،وقد انتصبت أذناه ،ثم التفت مدمدما إلى نانوك ،وكأنه يطمئنها ، ويقول لها أن لا تخاف مادام هو موجودا إلى جانبها .

” 6 “

انتهزت نانوك فرصة نوم نانوك الصغيرة ،فتمددت داخل الخيمة ،متدثرة بفراء الدب ،وأغمضت عينيها المتعبتين ، لعلها تنام .
وتقلبت مرات , إذ أن الصياد لم يدعها تنام , فكلما تكاد تغفو , يقفز الصياد من أعماقها , ويبعد النوم عن عينيها الناعستين .
وتراءى لها عندما رأته لأول مرة , كانت تحمل بين ذراعيها أيلاً صغيراً , وتسير فرحة عبر بيوت المخيم , وبرز أمامها فجأة , لا تدري من أين واعترضها بابتسامته , التي بدت لها ساخرة , وقال : أيل جميل , بكم اشتريته ؟
وردت عليه بنبرة حادة : لم أشتره ,وإنما اصطدته .
وهمهم الصياد : هم .. م م م م.
ثم قال : لو لم تكوني بنتاً وجميلة لصدقتك .
وأشاحت عنه , ومضت منزعجة , وهي تقول : إليك عني .
وعند المساء , دخلت على أبيها قائلة : أبي , العشاء جاهز .
وبدل أبيها رأته متربعاً على فراء الدب , ولم تتمالك نفسها , فانقضت عليه , وعيناها تتقادحان غضباً , وقالت : أنت !
وهب الصياد متراجعاً , وفي هذه اللحظة , دخل أبوها الغرفة ,وهتف بها : توقفي .
وتوقفت ,وعيناها ما زالتا تتقادحان , وقالت : إنه هو ..
وقاطعها أبوها قائلاً : مهلاً يا بنيتي ,هذا الشاب ليس من منطقتنا, وقد رآك , وجاء يخطبك .
وفغرت فاها متسائلة : يخطبني !
ورد أبوها مبتسماً: نعم يا بنيتي , يخطبك , ويريدك زوجة له .
وعلى الفور , خرجت مسرعة من الخيمة , وهي تقول : كلا ,لا أريده .
وتقلبت تحت دثارها الدافئ , مغالبة ابتسامتها , فبعد أيام قلائل ,كانت تجلس فرحة في زحافته , التي تجرها عشرة كلاب , وعلى مقربة منها , كان يركض كلبه الأثير .. كنجمك .
وفتحت عينيها المتعبتين الناعستين , عندما تناهى إليها من بعيد , عواء الذئب : عووووو.
وبنفس العواء , ولكن بغضب وتحذير , رد عليه كنجمك :عوووو.
ونظرت إلى نانوك الصغيرة ,التي ترقد تحت أغطيتها الدافئة على مقربة منها , كانت تغط في نوم عميق , وشعرت بشيء من الاطمئنان , إن كنجمك يقف حذراً خارج الخيمة , وأغمضت عينيها وسرعان ما استغرقت في نوم عميق .
” 7 “

أفاقت نانوك ،في اليوم التالي ،والشمس معلقة في طرف السماء ،وكأنها قنديل ذابل ،يوشك أن ينطفيء .
وتناولت نانوك فطورها على عجل , وهي ترضع نانوك الصغيرة , بعد أن ألقت سمكة أمام كنجمك , وراح يلتهما بشهية كبيرة .
وخرجت من الخيمة , وأحكمت إغلاق مدخلها , فمن يدري , لعل الذئب الذي سمعته يعوي مرات يجوب المنطقة , ويتحين فرصة غيابها , وغياب كنجمك , فيغير على الخيمة , ويعيث بحاجياتها , ويسرق ما لديها من طعام .
ومضت نانوك تسير بثبات على الثلوج , والحربة في يدها, ونانوك الصغيرة فوق ظهرها تغمغم وتتصايح , بينما كنجمك يتقدمها مرة , ويتأثرها مرة , وعيناه المتوجستان الحذرتان ,تركضان في الأبعاد , التي تنذر بالمفاجآت والأخطار .
وعلى البعد لاح البحر , الذي تجمدت مياهه , ومنّت نانوك نفسها , بالعثور على ثقوب تنفس عجول البحر , التي يبلغ قطرها نحو قدم واحد , وتغطي حوافها طبقة من الثلج الشفاف , يتكون عادة من المياه , التي تدفعها عجول البحر إلى أعلى , وهي تصعد إلى السطح .
وتناهت إليها دمدمة من بعيد , ورأت الغيوم تتراكض متزاحمة عند الأفق , أوه إنها عاصفة ثلجية , وتلفتت حولها دون أن تتوقف , لا بأس , العاصفة ما زالت بعيدة، ويمكنها أن تتجول بعض الوقت , فوق صفحة البحر المتجمدة , لعلها تعثر على فتحة من الفتحات , التي تتنفس عجول البحر من خلالها , ومن يدري , فقد يحالفها الحظ فتحظى بعجل من عجول البحر .
وتوقف كنجمك , وقد انتصبت أذناه , وعيناه تتقادحان , وتوقفت نانوك هي الأخرى ونظرت حيث ينظر كنجمك، وإذا ثعلب عجوز يقف حذراً عن بعد , ويتطلع إليها .
وانتفض كنجمك ،وانطلق نحو الثعلب العجوز ،مكشرا عن أنيابه،فصاحت نانوك به :كنجمك ،توقف .
وتوقف كنجمك متذمرا ،وعيناه مازالتا تتقادحان، فخاطبته نانوك بصوت رقيق قائلة :تعال ,إنه ثعلب عجوز مسكين .
ومضى الثعلب العجوز في طريقه ،وقد نكس ذيله الكث. واستأنفت نانوك سيرها ،فوق صفحة البحر المتجمدة. وسرعان ما قفل كنجمك عائدا ،وراح يركض إلى جانبها.
ولمحت نانوك فتحة في الجليد،يترجرج الماء بين حوافها،لابد أن عجلا من عجول البحر ،كان يتنفس قبل قليل من هذه الفتحة ،ثم غاص إلى أعماق البحر، وأسرعت إلى الفتحة، وحربتها في يدها ، واستعدت لإطلاقها نحو عجل البحر ، إذا خرج للتنفس مرة أخرى.
ومر الوقت ببطء ونانوك تنتظر ، دون جدوى . وارتفعت دمدمة العاصفة ، وزحفت الغيوم ، حتى كادت تغطي السماء . وأرخت نانوك حربتها ، ثم التفتت إلى كنجمك ، وقالت : هيا يا كنجمك ، لنعد إلى الخيمة ، ستهب العاصفة قريباً .
وفي الخيمة ، كانت تنتظرها مفاجأة غير سارة ، فقد اختفى تماماً كل ما لديها من طعام . ووقفت نانوك غاضبة حائرة ، ترى من اقتحم خيمتها ، وسرق الطعام، الذئب ؟ أم الثعلب العجوز ؟ أم .. والآن .. ما العمل ؟
” 8 “

بكت نانوك الصغيرة ، وارتفع صوت بكائها على غير العادة، وأخذتها نانوك بين ذراعيها ، وتمددت تحت فراء الدب ، وألقمتها ثديها ، لعلها تكف عن البكاء . وهزت نانوك الصغيرة رأسها بعنف ، ولفظت الثدي من فمها وهي ما زالت تبكي .
واشتد زئير العاصفة ، في الخارج ، ورفعت نانوك عينها ، محلقة في الأصقاع المعتمة المتجمدة ، ترى أين الصياد الآن ، و ما الذي أخره طوال هذا الوقت ؟ وأعادها بكاء نانوك الصغيرة ، من حيث كانت ، إلى الخيمة ، التي يضيئها قنديل خافت الضوء . وأخذت تهدهد نانوك الصغيرة قائلة : ما الأمر يا صغيري ؟ ما الأمر ؟
وتناهى إليها ، عبر زئير العاصفة ، عواء الذئب : عوووو .
وعلى الفور ، ردّ كنجمك ، بعواء غاضب مخدر : عوووو .
وهبت نانوك الصغيرة ، مشيرة بيدها إلى الخارج ، وهي تغمغم منفعلة : هووو .. هووو .
واعتدلت نانوك متسائلة : كنجمك ؟
فردت نانوك الصغيرة بانفعال أشد : هووو .. هووو .. هووو .
وهزت نانوك رأسها ، وفتحت باب الخيمة ، ونادت : كنجمك .
وهب كنجمك إليها ، فأشارت له قائلة : تعال .
ودخل كنجمك الخيمة ، بعد أن نفض الثلج عن فرائه . وراحت نانوك الصغيرة ، تتقافز مغمغمة ، وقد كفت عن البكاء : هووو .. هووو .
واقترب كنجمك منها ، مبصبصاً بذيله الكث . وارتمت نانوك الصغيرة فوقه ، وأخذت تداعبه مغمغمة بفرح . وبعد حين ، تباطأت حركتها ، ثم استلقت قرب كنجمك ، وسرعان ما استغرقت في النوم .
واقعى كنجمك ، متطلعاً إلى نانوك ، وهو يتلمظ . وهزت نانوك رأسها ، إنه جائع ، ويريد سمكة ، ولكن من أين تأتيه بالسمكة ، والذئب اللعين . أم هو الثعلب العجوز ؟ قد سرق كل ما لديها من سمك ؟
ومدت نانوك يدها إلى كنجمك ، وربتت على رأسه برفق، وقالت : لم يعد لديها طعام ، لقد سرقه الذئب أو الثعلب العجوز ، وليس أمامنا إلا أن ننتظر الصياد ليأتينا بلحم عجول البحر .

ولابد أن كنجمك أدرك ما قالته نانوك ، فقد لوى رأسه ، واتجه إلى الخارج . وتوقف في العراء لحظة ، متلفتاً حوله ، ثم انطلق ، يمخر مسرعاً عباب العاصفة .
ونادته نانوك ، وقد تملكتها الدهشة : انجمك ، توقف .
وعلى غير عادته ، لم يتوقف كنجمك . وارتفع عواء الذئب من بعيد ، فصاحت نانوك ثانية : كنجمك ، تعال ، تعال بسرعة ، الذئب في الجوار .
ومضى كنجمك مسرعاً ، دون أن يلتفت إلى نانوك ، حتى غاب في الظلام .

” 9 “

هدأت العاصفة ، قبيل الفجر ، وراحت رياح شمالية خفيفة تهب فوق المسطحات الثلجية ،وتزيد من برودة الجو .
وخلال هذه الفترة ،لم تهدأ نانوك،ولم يغمض لها جفن ،فقد كانت في غاية القلق على كنجمك ،ورغم البرد الشديد ،أطلت مرات من مدخل الخيمة ،تحدق في الليل والظلام الدامس ،لعلها تلمح كنجمك عائداً،لكن دون جدوى .
ولحسن الحظ ظلت نانوك الصغيرة ،تغط في نوم عميق ،تحت فرو الدب .وشعرت نانوك بالجوع يقرص معدتها، وينال مما تتمتع به من قوة وعزيمة ،وتمنت أن يعود الصياد سريعاً،وينقذها من محنتها هذه .
واشتد بها الجوع ،فبحثت مراراً عن سمكة ،أو بعض سمكة ،تركها الذئب اللعين ،أم هو الثعلب العجوز؟ لتسكت بها جوعها ،بل وخرجت أكثر من مرة ،رغم البرد الشديد ،تبحث حول الخيمة ،لعل سمكة أو بعض سمكة،أفلتت من اللص اللعين ،الذئب أو الثعلب العجوز، لكنها لم تجد شيئاً .
ووقفت حائرة وسط الخيمة ،وعلى ضوء القنديل الخافت، وقع نظرها على الحربة ،لا مناص ،فلتخرج إلى الصيد ،عند شروق الشمس ،لعلها تحظى بعجل من عجول البحر .وتوقفت مبعدة الفكرة عنها ،فلا يمكن أن تخرج إلى الصيد بدون كنجمك ،فقد يلاحقها ذئب أو دب أو ..،وانتبهت إلى نانوك الصغيرة ،تتململ تحت فراء الدب ،ثم تفتح عينيها ،وتتمتم شاكية :هوو..هو و.
وأسرعت نانوك إليها ،وأخذتها بين ذراعيها ،وقالت :سيأتي كنجمك ،لابد أن يأتي ،لننتظر قليلا.
وخفقت كفا نانوك الصغيرتين فوق صدرها ،فألقمتها ثديها قائلة :أنت جائعة يا صغيرتي ،الجوع كافر، ارضعي..ارضعي .
وراحت نانوك الصغيرة ترضع بنهم ،وهي تدمدم وتهمهم .وفجأة أبعدت الثدي عن فمها ،وصاحت بفرح: هو و..هو ووو.
وأنصتت نانوك ،لكنها لم تسمع شيئاً .وبدا لها أن صغيرتها تحلم أو ..والتمعت عيناها ،كلا إن صغيرتها لا تحلم ،إنه كنجمك .
ودفع باب الخيمة ، ودخل كنجمك يحمل بين أسنانه أرنباً برياً ضخماً،ذا فرو في بياض الثلج ،وتقدم من نانوك ،ووضع الأرنب أمامها .

وهزت نانوك رأسها ،وقالت :مهم يكن يا كنجمك فقد أنقذتني من محنة شديدة .
ثم مجت يدها ،وجرت أذنه ،وقالت :لا تفعلها ثانية ،فهذه الأصقاع خطرة ،تعج بالذئاب والدببة القطبية .
ومال كنجمك برأسه ،كأنه يعتذر .ومدت نانوك يدها تداعبه ،وهي تقول :أشكرك ،هيا ،سنفطر اليوم بهذا الأرنب اللذيذ .

“10”

في اليم التالي ،قبيل منتصف النهار،خرجت نانوك من الخيمة ،ممسكة بحربة الصيد ،ونانوك الصغيرة كالعادة تتأرجح فوق ظهرها .
وتوقفت برهة،بعد أن أحكمت إغلاق مدخل الخيمة، وتطلعت بعيدأً ، لا أثر للصياد ،والجوع لا يرحم ،ولابد من طعام ،وفي وقت قريب وإلا هلكت هي ونانوك الصغيرة ، وكذلك كنجمك .
وسارت نانوك بخطى حثيثة نحو البحر المتجمد ،وعلى عادته راح كنجمك يتقدمها مرة،ويتأخر عنها مرة،ويدور حولها مرات ،وعيناه اليقظتان ترصدان الآفاق ،التي تغطيها الثلوج البيضاء .
وتوغلت بحذر فوق صفحة مياه البحر المتجمدة، والشمس الذابلة معلقة في طرف السماء . وتفقدت فتحات التنفس الواحدة بعد الأخرى , لكنها لم تعثر على أي أثر لعجل من عجول البحر.
وتوقفت عند إحدى الفتحات ,والحربة مشرعة في يدها , لعل عجلاً من عجول البحر , يصعد من الأعماق للتنفس، فتصطاده وتوفر لها ولكنجمك من الطعام ما يحفظ حياتهما , في هذه المتاهة المتجمدة .
وأقعى كنجمك على مقربة من الفتحة , وعيناه اليقظتان ترصدان مياها الرجراجة . وتراءى الصياد لنانوك , ترى أين هو الآن ؟ وتملكها شيء من الانفعال , لقد تأخر الصياد , تأخر أكثر مما ينبغي , كان عليه أن يعود، إن لم يكن من أجلها , فمن أجل نانوك الصغيرة .
لكن من يدري , قد يكون في حرج , فهو وحيد في تلك المتاهة ,التي تعج بالذئاب والدببة و .. ونهض كنجمك , وعيناه تتقادحان . ونظرت نانوك حيث ينظر , وإذا عجل بحر فتيّ يخرج من إحدى الفتحات البعيدة , ويسير على الجليد , ثم يتوقف برهة ,ويتمدد تحت أشعة الشمس.
ورفعت نانوك حربتها , وأشارت لكنجمك أن يلزم الهدوء والصمت . وسارت على الجليد بخطوات حذرة , والحربة تتلامع في يدها .وأحس عجل البحر باقتراب نانوك وكنجمك منه , فهب مذعوراً , وأسرع نحو الفتحة ليلوذ بأعماق البحر , لكن نانوك كانت أسرع منه , فأطلقت حربتها نحوه بكل ما تملك من قوة , وأصابته في الصميم .
” 11 “

عاد الصياد بزحافته , التي تجرها كلابه العشرة , بأقصى ما يستطيع من سرعة , فقد تأخر على ما يبدو عن نانوك وصغيرته وكذلك كلبه الأثير كنجمك , وغلبه الهم والقلق , رغم ما اصطاده من أعداد كبيرة من عجول البحر .
وما إن لاحت الخيمة في الأفق , حتى فرقع الصياد بسوطه , فانطلقت الكلاب العشرة بأقصى سرعتها تسابق الريح , وعلى مقربة من الخيمة , أوقف الزحافة ,وصاح : نانوك .
وانتظر لحظة ،لكنه لم يسمع رداً،فتقدم من الخيمة ،وهو يصيح :نانوك ..نانوك .
ومرة ثانية ،لم يسمع ردا ً،وتوقف مذهولاً عندما رأى المدخل مغلقاً.ودفع الباب ،ودخل الخيمة ،لكنه لم يجد أثراً لنانوك ونانوك الصغيرة ،وحتى لكنجمك .
وخرج من الخيمة مسرعاً،وراح يدور حولها،وهو يصيح :نانوك ..نانوك..نانوك .
وتوقف وقد إتسعت عيناه ،عندما ارتفع من بعيد صوت ذئب يعوي :عووووووو.
وتلقت حوله ،وعيناه المتسعتان تنقبان في ما يحيطه ،ترى أين مضت هذه المجنونة ؟ أم أن الذئاب قد ..،ولمح آثار أقدام على الثلج .وتتبعها بعينيه المذهولتين ،إنها تؤدي إلى البحر المتجمد ، أهذا معقول ؟
وانطلق الصياد مسرعاً،يتتبع الآثار ،واجتاز عدة فتحات،وهز رأسه مدمدماً:هذه المجنونة ،لعلها تريد أن تكون نانوك بحق.
وتوقف مذهولاً عندما لاحت له نانوك من بعيد،تسير بصعوبة على الجليد،ويسير إلى جانبها،بنفس الصعوبة ،كلبه الأثير كنجمك ،فصاح بأعلى صوته :نانوك .ورفعت نانوك رأسها ،وتطلعت نحو مصدر الصوت ،وفغرت فاها على سعته . وجن جنون كنجمك ،وراح يتواثب محاولا الإفلات من طوقه ،وهو يصيح فرحاً:عووو ..عوووو.
وتمتمت نانوك ،وعيناها لا تفارقان الصياد :مهلا يا كنجمك ،يا إلهي ،اهو صيادي ؟ نعم إنه هو ، هو نفسه .
وتركت نانوك عجل البحر ،الذي كانت تجره على الجليد بمساعدة كنجمك ،وانطلقت نحو الصياد ،وفي نفس الوقت ،انطلق الصياد نحوها ، وارتمى أحدهما في أحضان الآخر متعانقين ، رغم ثيابهما السميكة الثقيلة، ونانوك الصغيرة تتقافز ،فوق ظهر أمها ، وتغمغم فرحة :بابا..بابا ..بابا .
وأخذها الصياد بين ذراعيه ،وقبلها مرات ،ثم نظر إلى نانوك , وقال : أيتها المجنونة , ماذا تفعلين هنا .
وابتسمت نانوك , وقالت : إنني نانوك .
وأشارت إلى عجل البحر , وأضافت قائلةً: أنظر.
ونظر الصياد إلى عجل البحر مذهولاً , وقال :الآن عرفت أنك اصطدت ذلك الآيل فعلاً.
وعانقها بشدة , وقال :واصطدتني معه .
وأبعدته نانوك عنها قليلاً وقالت : لقد تأخرت كثيراً .
فرد الصياد قائلاً : واصطدت كثيراً من عجول البحر .
وظل كنجمك يتقافز ويصيح طول الوقت : عووو..عووو..عووو.
فاتجه الصياد نحوه , وهو يقول : هيا نسحب عجل البحر، الذي اصطدته , إلى الخيمة .
وانحنى يداعب كنجمك , ويربت على رأسه ,ثم نظر إلى عجل البحر , وقال لنانوك :يبدو أنك مللت السمك .
وضحكت نانوك قائلة :لم أمله , فأنا أحب السمك كثيراً, لكن أحد اللصوص أغار على الخيمة في غيابي , وسطا على كل ما لدي من سمك .
واعتدل الصياد متسائلاً : أحد اللصوص !
فردت نانوك قائلةً : لا تقلق , ربما كان ثعلباً عجوزاً , أشفقت عليه , ولم أسمح لكنجمك أن يؤذيه .
ولاذ الصياد بالصمت لحظة , ثم قال : نانوك عزيزتي , هذا مكان خطر , وإذا كنت لا تخافين على نفسك , فأنا أخاف عليك , وأخاف على نانوك الصغيرة .
وهزت نانوك رأسها موافقة , ثم رفعت عينيها إليه , وقالت :لنسحب عجل البحر هذا الخيمة , وسأقيم لك الليلة وليمة لمناسبة عودتك .

شاهد أيضاً

أسعد الجبوري: بريد السماء الافتراضي حوار مع الشاعر الأرجنتيني خوان خيلمان

عندما عثرنا عليه ،وهو يمارس السباحة في بحيرة(( الكوارث)) بين مجموعات من طيور (الرارا) الشبيه …

بلقيس خالد: سلالم الساعات: هايكو عراقي

-1- ردني ان استطعت قالها ومضى :الوقت. -2- يبعثرها دقائق وساعات.. مستغربا يتساءل: أينها الحياة! …

عهود عدنان نايلة: ضجرُ الشّواهدِ تَعِلّةُ الغيابِ

– كلّ نبضةِ قلبٍ وأنتَ مئذنةُ العيد في سماءِ روحي المتعلقةِ بكلّ تفاصيلك الصّغيرة والمتكاثرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *