فاروق مصطفى : البحث عن رواية جليل القيسي الافتراضية (ملف/9)

farooq mostafa 2إشارة :
رحل المبدع الكبير “جليل القيسي” الرائد المجدّد والمحدث في فن القصة القصيرة وفن المسرح في العراق وهو في ذروة عطائه ونضج أدواته الفنية . ومع رحيله – وللأسف وكالعادة – أُسدل الستار على هذه التجربة الفنية التحديثية الهائلة. هذا الملف الذي تقدّمه أسرة موقع الناقد العراقي هو دعوة لإعادة دراسة تجربة الراحل الكبير الفذّة بصورة أكثر عمقاً وشمولاً. ندعو الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى إثراء الملف بالدراسات والمقالات والوثائق والصور.

المقالة : 

شُغِفَ الراحل (جليل القيسي) بكتابة القصص القصيرة والمسرحيات ذات الفصل الواحد ، وظلَ طوال حياته الممتدة من 1937 الى 2006 مخلصاً لهذين الجنسين الادبيين ،

تعاطهما وابدع فيهما وخاصة تلك القصص التي كان يوظف فيها قراءاتهِ في الاداب العالمية ، فقد وظف العديد من الشخصيات الروائية والفنية التي تعرفها عبر مطالعاتهِ ، فجاءَت كتاباته عاكسة رؤاهِ وتأملاتهِ نحو تلك الشخصيات ومخضبةً بنكهة جليلية متميزة ، كان يعرف كيف يتحكم بخيوط سردهِ وكيف ينسجها وكيف يعيد فتلها من جديد الى أَن يقوم معماره القصصي والمسرحي ، قال عنه الاديب البصري (محمد خضر) “ لايملك كائن سردي مايملكه (جليل القيسي) فهو الامهرُ بيننا في استنطاق الأخلية الجامدة “ وطوال صحبتي له في عَقدْيْ الستينيات والسبعينيات كثيراً ماكنت اطرح عليه هذا السؤال : هل توجد ضمن مشاريعك المستقبلية كتابة رواية تضيفها الى منجزك الادبي ؟ ولم اكن اتلقى منه جواباً حاسماً ، ويضيف لاأدري وانما الامر متروك لقادمات الايام ، ولكن الدكتور (عبد الله ابراهيم ) اخبرني مرة بأن جليلاً وبالفعل كتب رواية وانما هذه الرواية موجودة الآن ضمن اوراقه ومخطوطاته التي تركها والجدير بالذكر ان الدكتور (عبد الله) والكاتب (عواد علي) والقاص الراحل (محمود جنداري) والراحل (القيسي) شكلوا مايشبه شلةً ادبية وكثيراً مااجتمعوا في بيت (جليل) او سهروا في الاندية المتناثرة والتي كانت تتنفس فترة الثمانينيات ، ويكون القاص (جليل) قد حدث اصحابه أولاءِ بأمرٍ روايتهٍ وربما اعطاهم تفصيلات اكثر ، ولكن المعروف انه لم ينشر ولو فصلاً واحداً من هذه الرواية الافتراضية ، ولن نحصل على جواب قاطع إلا بالرجوع الى الاوراق التي تركها ، ولن يقودنا الى الاوراق التي تركها إلا ابنه الوحيد (أسامة) الذي حسب ظني أن تولده جاءَ عام 1967 لانني مازلت اذكر جيداً اننا احتفلنا في بيتهم بعيد ميلاده الاول عام 1968 / وهذا البيت كان يستلقي بوداعةٍ في محلة (شوان) والقريب من شارع أطلس ، ومن المحتمل ان معالم هذا البيت ازيلت او تغيرت إلا أن الراحل (جليلاً) انتقل الى دار اخرى استأجرها في منطقة (تبة) ليكون قريباً من مقر عمله في دائرة المنتوجات jalil alkaisi 7النفطية، وترك هذه الدار واستقرَ في دار أخرى شيدها في (طريق بغداد) وظل هناك الى ان توفاه الله عام 2006 ، وأنا اتساءل مع بقية صحب جليل اين كتب روايته ؟ في أي بيت من هذه البيوت الثلاثة التي اعرف انه عاش فيها ، ومن المحتمل انه كان يترك وراءه المزيد من الاوراق ، يهملها ، يتركها ، يضيعها ، وهوبصدد الانتقال من بيت الى آخر ، وإذا كانت الرواية باقية الى هذه الايام فلا بدَ من الوصول إليها هذا إذا كانت مكتملة ، لإزالة الاغبرة عنها وتهيئتها للنشر و (اسامة) ابن الراحل هو الذي في مكذتهِ أن يميط اللثام عن غموض هذا الموضوع ولكن الرواية الاجمل في رأينا هي تلك الرواية التي نسجها في سني حياتهِ عن حب كركوك والتي كان يحلو له مخاطبتها بـ (ارانجا) ، المدينة التي طالما كان يخرج في عصارى الايام للارتياض عند حافات نهرها على أمل أن يهبط عليه اصدقاؤه ومحبوه من ممالك بابل وأور لدعوتهِ الى هناك للأحتفال والاحتفاء والابتهاج عندما يحل عليهم هذا الفصل النضر البهي وهو يطرد عنهم برد الشتاء ويبعد عن اجسادهم زمهريره ويعيد اليهم التجدد والألق. الآن اقتفي اثار خطوات (جليل) ، تلك الخطوات التي كنت اسمع دَبيبها في طرقات كركوك ، أمر من الاماكن التي اعتدت رؤيته فيها ، اشعر حركاته ، واسمع انتقالاتهِ ونظراته التي يلقيها صوب اليمين ، صوب اليسار ، ألمحه وهو يقطع شارع (الجمهورية) ويقف امام مكتبة الدار الوطنية ، كان لديه طقس عصري (نسبة الى وقت العصر) وهو الذهاب الى زيارة اصدقائه الكركوكيين ، وكان حريصاً أَن يؤدي هذه التجوالات على أحسن ماتكون في طقوسها الماتعة ، وفي أماكن معينة يرتادها من حوانيت او مكتبات في ساعات العصارى الكركوكية وأظن أن هذه العادة ظلت معه مصاحبة إياه الى سني حياتهِ الأخيرة .
أتتبعه في كلَ هذه الطرقات وادخل كل هذه المحلات التي كان يقصدها املاً في العثور على مخطوطة (الرواية) التي ربما وقعت منه في مكان ما ونسيها هناك واحتفظ له بالأمانة على اساس إنه سيعود إليها او من ينوب عنه باستلامها لانه من الطرفةِ والاهمية بمكان العثور على هذه الرواية التي خطها قلم الذي أبدع (مملكة الانعكاسات الضوئية) و (صهيل المارة حول العالم) و (جيفارا عاد افتحوا الابواب) ، هذه الروائع التي ستظل عالقة بالذاكرة الأدبية .
أتأمله وهو يصعد قلعة كركوك بعد أن تزود بكتبه ومجلاتهِ ويتأمل من هناك القمر النعسان الهابط الى أمواهِ نهر (الخاصة) للأغتسال بالرذاذاتِ الناعمةِ وهو ينتظر هبوط أحبتهِ من مملكة (بابل) القديمة للتنادم معه وكذلك الشخصيات الروائية الحميمة عند (دوستو يفسكي) امثال : (ايفان) و (ديمتري) و (اليوشا) و(غروشنكا) و (الأب زوسيما) و (الامير موشكين) يدعوهم الى منزلهِ ليحتفل معهم بطيبة وكرم المدينة التي أحبها حتى النخاع ، وآثر البقاء فيها حتى انطفاءِ الشمعة الاخيرةِ بين كفيهِ المعطاءَتين .

*عن صحيفة الاتحاد

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.