تابعنا على فيسبوك وتويتر

yuosef abodإشارة :
يسر أسرة موقع الناقد العراقي، أن تبدأ بنشر هذا الملف عن الشاعر الكبير محمد حسين آل ياسين ، ويهمها أن تدعو الأحبة من كتّاب وقرّاء إلى المساهمة في هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق لإغنائه بما يليق بقامة هذا المبدع الكبير.

المقالة : 
تضم المجموعة الشعرية المترجمة ( أسرار الحب ) للشاعر د. محمد حسين آل ياسين التي قام بترجمتها سعد الحسني وراجعها د. محمد درويش وهي من إصدارات دار المأمون للترجمة والنشر بغداد – عام 2010 , باقة منوعة من القصائد التي تناجي وجدان وروح وفكر المتلقي , فيحيله إلى عمق المفردة الحسية الشعرية العميقة , بدلالاتها ورموزها وصورها , واستعاراتها , وانزياحاتها , وحسن نظم قوافيها , وخصوبة المخيلة الحسية الشعرية , وبنيتها النصية المتماسكة المتصاعدة المتواترة , ووحدة موضوعها الذي شكل أساس كل نصوص هذه المجموعة , كما إننا نكتشف بين ثناياها , الصبا , الشباب , الحب , الحياة , العلاقة الأزلية الخالدة التي زرعها الخالق عاطفة بين المرأة والرجل , ولوجنا في عالم هذه المجموعة الشعرية , هو أشبه بأننا نحط رحالنا بعد شقاء وتعب وعناء , في واحة خضراء معشوشبة , حوت كل أنواع الثمار , حيث ألوانها المختلفة , ومذاقهاالمختلف , وكيانها القائم بحد ذاته , تحيطها الزهور الملونة الزاهية , وتتطاير فوقها الفراشات بكل حيوية ونشاط , وتحط على أغصانها الطيور تغرد بأعذب الألحان ,وتضيئها شمس الصباح , وتداعب أغصانها نسائم ندية , تمنح الروح نشوتها فتهفو إلى هذا العالم , حيث نكتشف أن اغلب تلك القصائد صيغت ونسجت ونظمت والشاعر د. محمد حسين آل ياسين , في عنفوان الشباب , وفي هذه المرحلة العمرية يكون لواحة الشعر مذاق يستمد رحيقه من عمق هذا العنفوان وتجاربه الفتية , ومن خلال المقدمة للمترجم في مستهل المجموعة نكتشف أهمية تلك الإضمامة المنوعة من الشعر ( كانت ترجمة هذه الإضمامة من القصائد بمثابة تحد لأني وجدت نفسي متورطاً ما بين فيض من المشاعر الحساسة التي تنساق وراء لغة غاية في الزخرفة تنسيك أحيانا الواقع الصحيح المؤلم بلذة للوزن والإيقاع , زخارف آل ياسين تتهادى أحيانا نحو الحداثة في سهولتها وانسيابيتها ملزمة القارئ بشروط القراءة الحديثة ) ص12 , وفي قصيدة ( في الطريق ) التي تواجهنا في بداية قصائد هذه الإمامة , تؤكد البيئة التي ترعرع فيها الشاعر , وهي تنحى منحاً إيمانيا
أتيت على متن الشوق طائر *** بقلب طهور بالهوى لم يضلل
أحس فؤادي وهو من فرط وجده *** يسابقني شوقاً إليك بمعزل
لأسأل حاجتي لديك بلهفة *** ومن يلف أسباب الإجابة يسأل
رغائب شتى فيك أرجو منالها *** وهل ترتجي فيهن آلاك ياعلي
وعند تحليلنا لبنية القصيدة , نجد أن الشاعر يحافظ على وحدة موضوعها , ويختار مفردات حسية شعرية تنسجم وسياقها الفني , وهذا يعطي لقصائده سحر خلاب يختلف تأثيره بين نص وآخر , وعندما نتقل إلى قصيدة (رباب ) نجد بأننا قد خرجنا من ثيمة إلى أخرى , ومن حس شعري إلى آخر , ومن مناخ إلى آخر , حيث نكون مع الوله , والعاطفة , والعشق , والحب الروحي بتداعيات ذاتية , ومفردات منتقاة , وصورة شعرية صاغتها مخيلة حسية شعرية خصبة ,
أكتب يا رباب ..
لو كنت تعلمين ما أكتب يا رباب
أكتب آهاتي حروفاً , ودمي
أغمس فيه قلمي
وأسكب القلب على القرطاس
شعراً يفيض بالهوى
واسفح الروح لهيباً وهوىmohammad hussein al yasin 4
حيث أنه في هذه القصيدة يقرر أن يكتب لمحبوبته رباب , لها وحدها دون سواها ,وتطوف القصيدة في هذه الثيمة , وتنقل لنا هذا العالم الجميل , عالم الحب والهيام , الا أنه في نهايتها , يضع المفاجأة
عشت له روحاً وفكراً ورؤى
وعالماً من الجمال عبقرياً ما نأى
طرقت فيه ألف باب للهوى وباب
اكتب .. لكني وجدت أنني
وبعد أن أفقت – لم أكتب
سوى .. رباب
أما قصيدة (شكوى مكلوم ) فأنها تضعنا وسط القنوط والملل والكسل , وهي حالة تمر بنا جميعاً , عندما نجد أنفسنا وسط فراغ , وحياة مكررة , ولا أمل فيها كي نعيش , ولا مستقبل فيها نرتجيه , إنها تداعيات حسية ذاتية تقطر أسا , وتحسسنا بأن الحياة بدون عمل لا تطاق ,
أأبقى رهين الأسى معتقل احل مع المشتكي حيث حل
مللت حياتي وأيامها واقتل مافي الحياة الملل
فلا فائت من هنا كي أعيش عليه , ولا قادم يقتبل
سؤال يلح على خاطري وما أضيع الفكر أما سأل
لماذا أعيش وفيم الحياة وكيف أموت وأنى وهل ؟
وقد كنت قبلاً أعلل نفسي وقد تقنع المرء بعض العلل
أن سطوة القصيدة , وبنيتها النصية , وثيمتها , وفكرتها , وبناءها المتماسك الرصين , ومفرداتها الشعرية المنسجمة مع وحدة الموضوع , تلزم المتلقي أن يعيش هذه الحالة ويتفاعل معها , وهو يؤكد في نهايتها إن ما أجمل للمرء في حياته هو العمل
ولكن حياتي تلاشت سدى ممزقة بالأسى والكسل
وصرت أراها خلواً ولهواً وكانت معرسة بالعمل
وإذ كنت أخشى بها عطلة رجعت أرى كل عمري عطل
وتضطرم نيران الوهج العشقي الحميم , وتحيلنا قصيدة ( الجسد المضطرم) إلى عنفوان الشباب وحلاوته , فيقدم لنا الشاعر بنية نصية لقصيدة مشتعلة بالوجد والحب والهيام والعاطفة
شعر مجنون الخصلات
يتطاير كالموج العاتي
وعيون .. ظامئة .. فيها
تاريخ الماضي والآتي
أين النجدة .. أين النخوة
عطشى .. تصرخ فيها الشهوة
وتنطلق القصيدة نحو سياقها الفني التتابعي نحو وحدة موضوعها , التأجج الصامت الصاخب , والعسل الذائب نيران , واللون الأحمر .. واللهب , والرعشة في الشفة الحيرى , تدعو للثم بلا دعوة , مفردات شعرية انصهرت في بوتقة البنية النصية لتقدم لنا قصيدة مشتعلة بنيران الوجد , أما قصيدة (دنيا الشعر ) والتي استطاع الشاعر أن يقدم لنا فيها فن صناعة القصيدة , بسحرها , وعنفوانها , وجمال صورها , إذ نكون مع الشعر والصديق والهوى , وفي قصيدة ( حكمة الخلق ) وهي رحلة حقاً في حكمة الخلق , أما قصيدة (قد نلتقي ) فأنها تطرح لنا تلك العلاقة الإنسانية الأزلية , ولحظة الوداع .
حبيبتي الصغيرة
غداً إذا ما أزف الوداع
وحل من شدته الذراع بالذراع
وتمتمت شفاهنا بالكلمة الأخيرة
وانطلقت من الصدور الآهة الأسيرة
وانسكبت على الخدود الدمعة الكبيرة
ولوحت اكفنا تؤذن بالرحيل والفراق
حينئذ ستعرفين روعة التلاقي
وهي طواف متصل متحد بين ذكريات تلك العاطفة ولحظة الوداع , أما قصيدة ( أغنية القمر ) فهي مناجاة صادقة نقية , بإيقاع ينسجم والمفردة الشعرية المنتقاة والتي تنتمي إلى حالة الحب والوله والهيام , إما قصيدة ( هنا المرسى ) فأنها صرخة هادئة انفعالية منطلقة من الذات بحس شعري , وبلغة بليغة فيها عمق للصورة الشعرية التي تحتوي البنية النصية
سأوصد في وجوه الريح شباكي
وأغلق بابي المنهوب للإعصار
ارتق من صدى صمتي كوى الجدران ..
لا عصف ولا رعد
وأبحر في متاهاتي بلا ربان
ونلتقي في قصيدة ( السر الدفين ) بالسر الدفين وكأننا في سفينة , تتلاقفها الأمواج , وتتصارع مع الطوفان من اجل الحياة , قصيدة ممتلئة بالمشاعر الجياشة , والرؤية المحتدمة , والصور المتلاحقة , وهي تعبر عن خلجات النفس وأوجاعها ,
أظل تحت رحمة المطر
حتى إذا تقيأ السحاب واستراح
أو سكتت من بعدما اوعلت الرياح
ومر كالقدر
مهرولاً .. مبعثراً .. وراح
وتمضي القصيدة تقدم هذا الصراع المحتدم بإيقاع متناغم , وصور شعرية تؤكد مقدرة الشاعر , في اعتلاء ناصية الشعر بكل اقتدار , أما قصيدة ( قصة الزيف ) فتقدم لنا حالة التقريع واللوم من عاشق لمحبوبته , والتي اكتشف إنها ألعوبة , وان حبها أكذوبة . أما قصيدة ( لأني تغيرت ) تحيلنا إلى حالة التغير التي انتابت المحبوب, حتى انه أحس حبيبته صغيرة, وان مشاعرها واهية, وان استحال العودة إليها, لأنها غادرة هدمت العهود والوعود,
فأخشى أعود
إلى عشنا مثل عود حمام
لأني منذ انتقمت
ثمالة روح
وهيكل قلب
وبقيا انتقام
فعودي ولا تفسدي نشوتي
بإدراج هذا السؤال
أعود إليك ..؟
تريدين مني المحال
لأني تغيرت ياطفلتي
أما قصيدة ( سر فني ) فأنها تقدم في ثيمتها الغناء في قصيدة , ويقدم لنا الشاعر قصيدة (تنويمة) وهي لحن شجي , وصوت هادئ يدخل أعماق الوجد , ومفردات تمطر لحن ناعم شجي , وهو يطلب من الحبيبة إن تنام , ويطوف بالقصيدة من اجل أن يمنحها الوسن والهدوء ,
نامي يا غاليتي نامي
هل تسمع إذنك ( تنويمة ) روحي
أو ترجيع كلامي ..؟
هل نمت ؟
ولكن نمت بلا قبلة
ما أروع في القبل الغفلة
أما قصيدة ( في لحظة ) فأنها لحظة تنقلب فيها المحبوبة إلى حالة من نسيان إلا انه ما فتئ يذكرها , وكذلك قصيدة ( حكاية الشاطئ الحزين ) تقدم لنا حالة حب , وحكاية حزينة , ولكل قصيدة فكرة وثيمة , موضوع , وإيقاع , وحالة متفردة , والقصائد هي ( انتظار ) و ( سمع أهل الدار ) و ( الأشرعة التائهة ) و(تمرد) و ( معراج روح ) و(الأرض والطوفان ) و( عيون حواء المحرمة) و( رحلة إلى الإنسان الراحل ) و ( الواحة المسورة ) و ( أغنية العيون الخضر ) و ( ربيع الليالي الشتائية ) و ( لو تدرين ) و (قتيل الأسى ) و ( الشاعر ) و ( دمعة ) و ( خبايا الحب ) و ( الشعر ) و(ياهوى الأمس ) و ( الصمت الناطق ) و ( وبين صرخة وشهقة ) و ( زهرة الشعر ) و ( طائر الفجر ) و ( قلب في حروف ) و(الصمت ) و ( دمعة الشعر ) و(قصة حلم ) , وهكذا فأن قصائد المجموعة الشعرية (إسرار الحب) للشاعر الكبير د محمد حسين آل ياسين , كل قصيدة كيان شعري قائم بحد ذاته , عالم يقدم لنا صور متلاحقة , قصائد تزهو بوحدة موضوعها وجمال نظمها , وحسن الاختيار للمفردة العميقة التي تعكس واقع حال القصيدة وثيمتها وفكرتها بلغة بليغة واثقة , أن اختيار الشاعر لهذه الإضمامة من القصائد تؤكد أهميتها وتأثيرها في وجدان المتلقي , وقدرتها الساحرة على الهيمنة التامة على حواسه للتفاعل معها وهي تحيله إلى واحة من الشعر النقي الأصيل , كما إنها أي هذه الإضمامة من الشعر لها وقع وتأثير في وجدان الشاعر كونها تجارب ذاتية عميقة عاشها وخاض غمارها في مرحلة الشباب والمراحل اللاحقة من عمره , ووجد أن يضمها في مجموعة كونها لا تخصه وحده بل إنها تعبر عن خلجات نفوسنا وأفكارنا , وأنني وجدت لو تعمقت بتحليل كل قصيدة فيها فأحتاج في ذلك إلى ضمها في كتاب كبير , لذا فأنني اكتفيت باختيار تلك النماذج , وتركت روح الشعر في تلك القصائد إلى المتلقي , الذي سوف يجد متعة وسحر وبلاغة , وصور شعرية تفوق الخيال , أن هذه المجموعة مدرسة شعرية كبيرة , لشاعر كبير يعد شيخ الشعراء في هذا البلد , وآخر العنقود لسلالة كبيرة من شعرائنا الرواد الذين اثروا الحركة الشعرية ونقلوا القصيدة إلى عالم الحداثة والتغيير ,

*عن صحيفة الزمان


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"