يوسف علوان : «زهايمر».. تعدّدية السرد في بناء الرواية

yusef alwanتجاوزت الرواية الحديثة متعددة الأصوات، الرواية التقليدية التي تركز على وظيفة التعليم والنصح، بينما عملت الرواية الحديثة على تجسيد الرؤية الفنية لها؛ اي العمل على التفسير الفني للعالم، والكشف للعلاقات الخفية، وولادة المتعة والتشويق بأطر جديدة.
القارئ لرواية “زهايمر” للكاتب عبدالزهرة علي، سيلاحظ تعدد الشخصيات الساردة فيها، واختلاف وجهات النظر التي تطرحها هذه الشخصيات، بحيث تحررت من سلطة الراوي المطلق، وعرضت وجهات نظرها التي اعتبرتها هي الحقيقة – من وجهة نظرها على الأقل – بعد ان تخلصت من أحادية المنظور التي تميز الرواية الكلاسيكية أو الرواية الفنية ذات البناء التقليدي.
بحسب باختين “ان العلاقات الحوارية تنشا، بين كل العناصر البنائية للرواية؛ وجهات النظر، مستويات السرد، وعي الشخصيات. التي تلتقي في ما بينها وتتضاد مثلما يحدث عند سماع أو كتابة الجمل الموسيقية، حيث تتداخل المكونات المتنافرة لتشكل في النهاية قطعة منسجمة وليست بالضرورة متماثلة”. فكل شخصية تسرد الحدث الروائي بطريقتها الخاصة، ومن خلال منظورها الشخصي؛ من زاوية نظرها الفردية، وبأسلوبها الفردي الخاص. وكذلك بنائها المركب، الذي يقترن بظاهرة الأجناس التعبيرية المتخللة، ويعني هذا أن الرواية قد تخللتها أجناس أدبية صغرى أو كبرى، كاستحضار شخصية من الماضي، للمقارنة بين ايامها التي عاشت فيها سابقا والحاضر الدامي الذي يعيشه الناس، بسبب صراع المصالح الذي طغى على سطح العلاقات الانسانية، حتى وصل الحال الى مشاهد القتل اليومي! وقد استعان في ذلك كاتب الرواية بشخصية معروف الرصافي، الشاعر الذي عرف بتمرده، وتصديه في قصائده وكتاباته في الصحف، للتخلف والأفكار الرجعية في ذلك الزمان. وهذه التفاتة ساخرة للكاتب عن تردي الوضع الاجتماعي الحاضر، للاستعانة بافكار شاعر عاش قبل اكثر من سبعة عقود، وقد عمل على تطور المجتمع البغدادي، وبالاخص المطالبة بحرية المرأة. وتضم الرواية ثلاثة من سرادها من النساء اللواتي عشن في العهد السابق، وما الحقه ذلك العهد بهن من اضطهاد، وما حمل العهد الجديد لهن من معاناة عديدة، بسبب افكار التخلف التي جلبتها مرحلة العهد الجديد، ونظرة المتأسلمين الذين يقودون البلد، إلى هذه المرأة التي لا تختلف عن نظرة الماضي الذي عاش فيه الرصافي، ودعا إلى تحريرها من قيود مجتمعها المتخلف آنذاك! وكذلك استخدم الروائي عبدالزهرة علي في روايته اسلوب التقطيع السينمائي وقد أجاده بشكل كبير. ومع تعدد هذه التقنيات العديدة إلا ان الرواية امتازت بسلاسة وجمال صورها السردية، ووضوح معالمها.
* * *
من قراءة الاستهلال الذي ابتدأ به السارد الرئيس في الرواية “فاهم”، يتضح للقارئ ان زمن الرواية هو بعد احداث التغيير التي حصلت في العراق عام 2003، مصوراً لنا ما شهده العراقيون في الأعوام التي أعقبت سقوط النظام، من تصفيات، وقتل على الهوية، او بدافع السرقة، ولو بسبب مبلغ بسيط كان يحمله الشخص المقصود، في أحد أهم شوارع مدينة بغداد “شارع الرشيد”، الذي يرمز لمدينة بغداد وحضارة هذه المدينة التي قطعتها الكتل الكونكريتية، وأصبحت شوارعها خاوية، إلا من سيطرات لرجال شرطة لا تحمي المواطن، ولا تستطيع أن تحمي افرادها من عبث العصابات، التي تمارس اعمالها في وضح النهار. العاصمة التي فاضت شوارعها بمياه الامطار وتراكمت الاوساخ فيها، وامتلأت بصور السياسيين وتماثيلهم، في اغلب الشوارع، يتحلقون حولها مريدوهم وهم يهتفون ويصفقون! صورة غريبة عن هذه المدينة،
* * *abdulzahra ali 2
الشخوص الذين يسردون الرواية هم ثمانية ساردين؛ ثلاث من النسوة وخمسة رجال، يتحدث كل منهم عن جزء من ثيمة الرواية، من وجهة نظره الخاصة، ومعايشته الأحداث التي مرت بالبلد: (فاهم) هو الشخصية الرئيسة في الرواية، وهو المثقف الذي يبحث عن جواب لكل تساؤلاته عن مظاهر انحطاط المجتمع والتردي الذي ساد بعد 2003، وصراع السياسيين الاسلاميين على مواقع التسلط والمال والسقوط في أوحال الرذيلة. بينما يقف مذهولا عن عجز الناس، وأنكساراتهم وغياب ذواتهم، التي كانوا يمتلكونها ويدافعون عنها! لذلك يهرب من هذا الحاضر الى الماضي، الذي يرى فيه خلاص بلده وشخصه من هذا الواقع المؤلم، فيلجأ الى استحضار الشاعر الرصافي، ليحدثه عن مآسي ومشاهد الحاضر المؤلم، ويبحر في اجواء بغداد قبل اكثر من سبعة عقود، عندما كان الرصافي متصدياً لحالة المجتمع البغدادي، الذي كان يغرق في الجهل والأمية، وكان الشاعر مع باقي مثقفي الأمة وروادها يعملون على دفع الناس إلى المطالبة بحقوقهم، وأهمها حرية التعبير وحرية التعلم وحرية العمل السياسي: “جئتك سيدي كي تشاركني حكايتي.. تلك الحكاية التي انبثقت في تفكيري عند مشاهدتي ذلك الجسد المسجى على الرصيف”.
“جميل”، السارد الثاني، المتمرد الذي يرفض وصية ولده له في طريقة مخاطبة أسياده ومرؤوسيه “لا أسياد عليّ.. انا سيد نفسي..”، وهو ايضا شاعر يهيم في الطرقات، ينام حيث يجد مكانا، ويأكل ما يتوفر له من الطعام. في قصائده التي يحلم فيها بحياة ملؤها الحرية:”كانت تمر أيام عديدة شحيحة وأخرى مترعة بالأنس والشراب، تعلمت أن اعيش الحياة بكل متناقضاتها، وارغم نفسي على ان لا اترك الاحلام التي جئت من اجلها..”.
“وديعة”، حبيبة فاهم، يشاهدها فرهود في الكوستر مع فاهم في المقعد الأخير يتهامسان ويبتسمان لبعضهما، فيأخذ فرهود بمراقبتها، و إسماعها كلمات سخيفة، استوقفها ذات يوم في السوق ليخبرها أنه يحبها، غير انها ترده. فيهددها انها ستندم لان مكانته في المنظمة الحزبية تسمح له بإيذاء فاهم. ثم تتعرض للاغتصاب من قبله، بسبب رفض وديعة له و كراهيته (فاهما) ، لأنه ناجح في دراسته وحب وديعة له، وبسبب كون فرهود حزبياً لا تستطيع ام وديعة ان تقاضيه ولذلك تنتقل عائلة وديعة الى مكان آخر.kh abdulzahra ali 2
فرهود، بسبب اعدام عمه من قبل النظام السابق، ينضم مجبرا إلى حزب البعث، ويذيق الناس الويل، بسبب شعوره بالنقص، لعدم استطاعته اكمال دراسته، وعدم قبول وديعة به، ولكراهيته للناس، يصبح حزبياً ومسؤولا في منطقته، ويشي بالكثير من الشباب الهاربين من محرقة الحرب.. ويوقع بالعديد ممن كانوا زملاءه في الدراسة! لكنه بعد التغيير ينقلب مع الوضع الجديد، ويتبوأ مكانةً بسبب اعدام عمه، ويبدأ بالتقرب الى المسؤولين من خلال جلب موظفات صغيرات لهم!
عواد، ابو هيفاء، يبيع المأكولات البسيطة، أمام المؤسسة التي يديرها فرهود، وهي عبارة عن صريفة مقاعدها التي كانت عبارة عن صفائح دهن مقلوبة على افواهها، تساعده ابنته الشابة هيفاء، يراها احد أزلام فرهود فيقنعون أباها بتوظيفها في المؤسسة، ليقدمها بعد ذلك فرهود الى اسياده كطعم ليحصل منهم على مبتغاه في التقرب منهم.
العمة، ابنة عواد الكبيرة، التي لا تستسيغ فكرة كونها امرأة، حيث تسللت لها الرجولة منذ طفولتها. فقد كانت العائلة تنتظر ذكرا غير أنها جاءت أنثى، وبسبب تعامل ابيها معها كأنها ذكر، في ملبسها وملعبها. كانت ترتدي زي الأولاد حليقة الرأس، وكان عواد يضحك عندما يشاهدها كانت تراود اختها هناء عندما تختلي بها في غرفة نومها، وتحاول ان تطفئ النار التي كانت تثيرها مشاهدة اختها التي بدت عليها علامات الانوثة، فكانت تحاول تقبيل نهديها، وعندما كانت اختها تمانع في ذلك تنقض عليها برغبة مجنونة. بعد التغيير اخذت تبحث عن سبيل يعوضها عن حالتها الغريبة تلك: “اهتديت الى تغيير مظهري.. لبست حجاباً و”بوشية”.. وثيابا بيضا فضفاضة.. متوشحة برباط اخضر.. واخذت امثل دور المرأة المؤمنة التقية”.
“هيفاء”، الضحية التي يسعى فرهود الى الزواج منها بطريقة غير رسمية، بعد ان عينها في مؤسسته، ليستغل جمالها وصغر سنها ليقدمها هدية الى مرؤوسيه، ليحصل من خلال ذلك على ما يتمناه، وهو الترشيح في الانتخابات المقبلة، كما يخبره “الحاج”، ورغم انها كانت ضحية، إلا انها تتمادى في هذه اللعبة، وتعمل على الاستفادة من تقربها لفرهود في المؤسسة التي يرأسها بنقل احدى الموظفات مقابل الحصول على هدية من تلك الموظفة، إلا ان خبر وفاته اثر تفجير ارهابي يضيع عليها الفرصة ويضعها في موقف محرج:”لم يكن الحزن الذي لفني سببه موت فرهود، بقدر ما كنت افكر كيف اقنع الآخرين بأن فرهود لم يستطع النيل مني، وانا التي كنت اقرب اليه من ظله”.
بسبب تعدد السراد، اعتمد الروائي على تقطيع النسق الزمني التقليدي، بدلا من الانسيابية التتابعية. لكنه استطاع ربط المقاطع مع بعضها، من خلال تعالق الأحداث فيما بينها، لتكتمل اجزاء الصورة التي اراد لها ان تظهر بكامل ثيمتها وبساطة لغتها!

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: محمد تركي النصار…. هوية الشعر.

*هو الاكثر صخباً، وجرأة، أيام كانت رسائل الحبيبات تصل الى المقابر، بحثاً عن عاشق حملته …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري (نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (9)

 الذات الشاعرة والإنشغال بالزمن كتاباً مفتوحاً   شاكر مجيد سيفو ما يشبه تصدير القراءة.. تثير …

فاروق مصطفى: الدكتورة (سلوى جرجيس) و رحلتها في (الف ليلة و ليلة)

كتاب (الف ليلة و ليلة) المثير في حكاياته الملأى بالغرائب و العجائب الذي يلدها مخيال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *