تابعنا على فيسبوك وتويتر

nadum alsod 6إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر الكتاب الجديد للناقد والصحفي والمجاهد الثقافي العراقي الأستاذ “ناظم السعود” “لا صحافة أدبية في العراق” على حلقات. وناظم السعود مدرسة صحفية عراقية أصيلة ، وقلم نقدي بارع ، وسمته المشتركة الأهم في الحقلين هو أنه مبضع لا يهادن، ولكنّه مبضع جرّاح فيه الشفاء للنصوص والنفوس العليلة، فناظم لا ينسى دوره التربوي الخلّاق أبدا. في هذه الحقات دروس عميقة ثرة من تجربة السعود.. فتحية له وهو يبدع وسط لهيب محنته.

المقالة :
حاولت في الجزء الأول من هذا العمود ( انظر عدد الثلاثاء الماضي ) ان أقدم تمهيدا دالا عن الروائي ” عامر حمزة ” والظرف الزمني الذي جمعني به في تسعينات القرن الماضي حتى وصول روايته الأولى إلي بعنوانها الغريب ولكنه شديد الالتصاق بماهية الرواية وما تسعى للتعبير عنه وقد أملت القراء في أنني سأفصل القول في هذه الرواية الجديدة في عدد اليوم وها أنا افعل ،في البدء أقول ان هذا الكاتب قد امتلك موضوعة جيدة لأنه عاشها ميدانيا بنفسه في ظرف “زمكاني ” خاص وهبه – عنوة أو بارادتته – مادة ملتهبة بل مهيأة للتدوين قوامها حياة ثرية ومتشعبة لا ينقصها سوى جمعها وفق صيغة ما : رواية / ديوان شعر / مجموعة قصص / مذكرات .. الخ والأكثر أهمية هنا ان يقدم ماهية او مقتطفات من الحياة التي عاشها او سمعها في ( حي ألثوريين ) ببغداد وهي حياة تقرب من الفنتازيا سواء في حيثياتها ام في مصيرها وفواجعها المتتالية ، أنا افهم أي حيرة مربكة وجد عامر نفسه منغمرا فيها ‘ فهو من ناحية قد امتلك المادة الخام التي ينبغي طرحها على الناس ، ومن ناحية أخرى شعر بهزة قوية تطالبه ككاتب ان يدلي بشهادة حتى لو جاءت موجزة ( خادشة او دموية ) حول هذا الذي عاشه وسمعه وهو ليس بالقليل – او المشرّف – قطعا.
ولئن حسم كاتبنا أمره وقرر ان بجمع فصولا من الحياة التي تغصص بها في شكل ” روائي ” مقترح فانه اضطر لهذا الاختيار لسبب وجيه وهو انه فضل انتهاج المخيّلة ( ربما لعظم وفداحة ما رأى ) على إدراج الحقيقة التي عاشها وأحسها عيانيا والتي تلائم السيرة والمذكرات أكثر من الرواية والتدوين الروائي ، وأظن إن الناقد العراقي جميل الشبيبي قد أدرك ( بحسه النقدي الصميم ) عند قراءته لرواية مقبرة الانكليز بعمق مشكلة عامر حمزة الذي وقف حائرا بين الرواية و ” التسجيلية ” بسبب ان الحياة العراقية كما يرى ((تبدو سلسلة من العجائب والغرائب أمام الذي يشاهد أحداثها ))، وسال عامر يومها نفسه: هل سيطرح الذي شاهده على شكل ( رواية تسجيلية ) تكون الغلبة فيها للوثيقة التاريخية المعيشة وللعين الباصرة أم ان مشاهداته وسماعياته وأحاسيسه لا بد ان يهضمها روائيا وسيصبها عندها في أهاب روائي لتكون المخيلة هي الناظمة بل القائدة لكل ما وعاه في ذلك الحي حتى ما دخل منها في باب اللامعقول والفنتتازيا ؟!.kh amer hamza
ولا غرابة هناك ان يطرح سؤال إشكالي كهذا لمن اجبر على ان يكون على مقربة من ” حالة انقراض ” ويتمرأى على أجزائها وسوءاتها العصيبة ، فهو يعيش في حي بغدادي يتناقص إفراده يوما بعد اخر نتيجة ظروف شتى : سكانية ودينية وسياسية وحربية وزمنية ومزاجية .. الخ حتى ان الراوي يخشى ان الحياة قد تسلب منهم بسبب احد أمرين : الحرب والهجرة والمشكلة التي يحسها الراوي ان لا خلاص من السببين أعلاه أبدا فهما لكثرة تواجدهما وتبدل صورتيهما كأنهما يتوالدان ويتشبثان وهناك من يستنسخهما على هذه الأرض جالبين معهما الخراب الأزلي ! وقد أحسن الروائي صنعا حين اختار شريحة سكانية مهمة ( هي ألآثوريين ) وأطرها بالبحث وسعى بالتقصي خلف أسباب التناقص الفضيع لأفراد هذه الشريحة من المجتمع العراقي وسرعان ما تهل الحقيقة الغائبة فإذا ما تكشفت أدركنا جميعا ان المجتمع كله – لا شريحة منه – أصبح مهددا !.
وأصارحكم جميعا أنني مع رواية (سابرجيون ) قرأت – ربما لأول مرة – أثرا روائيا يخصص بكامله لشريحة ” الاثوريين ” ويبحث عن أسباب ابتعادها ( أو إبعادها لا فرق للأسف ) عن الحياة العراقية وكأننا أمام مرثاة حزينة لهذه الشريحة العزيزة من العراقيين ولعل تميز الروائي الشاب عامر حمزة يأتي هنا : من صور مجتزأة لحياة يكاد يغيب أفرادها بين بطون الأرض او اضطرار بعض أفرادها – وهي إدانة لنا جميعا – الى النزوح والهجرة إلى بلدان قريبة وبعيدة بحثا عن الخلاص ! ويكاد يحصر الروائي عمله بأقل من أربعين عاما فهو يبدأ من ستينات القرن الماضي ويكاد ينهي مأساة ( الحي ) بالألفية الجديدة ” الثالثة ” وبعض مما جرى فيها وبين التاريخين نكون إزاء جري الحياة وصور سكانها : أفراحهم وأعيادهم وطقوسهم وأيامهم وأحزانهم حتى ان القارئ سيصطدم بمعلومات وأخبار وطقوس قد يصادفها ويسمع بها لأول مرة في حياته ولكنه سيتفاعل معها لان الروائي يمررها طواعية وهذا نجاح آخر له !.
وامام حياة مكتنزة كالتي عاشها المؤلف كان لابد من الإيجاز وتكثيف الأحداث حتى تقتصر الرواية على ( 128 ) صفحة فقط ولكنه لو شاء لمط طول الأحداث حتى يبلغ الآلاف الا أن المؤلف أدرك ان ضخ المادة الثرية من خلال الأسلوب البرقي هو أيسر الطرق للبقاء في أذهان القراء، وقد أشاع أسلوبا آخر وهو إحداث الصدمة عند المتابع :مثلا ان عامر حمزة يهدي روايته هكذا ((إلى كل من كان هناك … الى نثيث الماء وندى الشموع وشمس النذر .. ألينا هنا وهناك )) فإذا استرجعنا قولنا من ان الإهداء هو من الموجهات الخارجية لأية قراءة أدركنا ان المؤلف انما يرثي ويحذر نفسه والمحيطين به بل وقراءه جميعا من مصير حزين كالذي انتهت إليه الرواية، وتصبح الصدمة اسلوبا تعبيريا ومعتادا بيد المؤلف ، فهو ينقل رغبته القديمة الى مستوى تحقيق الجديد في الفن ، بان استخدم الكاتب طريقة في التعبير قد لا ينتهجها احد سواه من السرديين العراقيين بل هي مما يسجل باسمه حين جاء بضمير المتكلمين الجمعي ( نا ) ليكون هو الضمير الوحيد الذي يسرد الوقائع وينقل الأحبار ويشيع المصائر وقد استتبع ذلك بان اعتمد أيضا على ( السرد في التدوير ) وتكرار ما يقول، بمعنى أننا لأول مرة في الرواية العراقية نقرا امرأ كهذا،

غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن

غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن

فالروائي حقق ما يريد من الوصول الى الجديد في سرده او اخباره المكرر والمستعاد فالذي يقرا متن الرواية يجده قصيرا ومحدودا في شخوصه وأحداثه ووقائعه لكن الروائي انقذ روايته الشاحبة بأسلوبه السردي الجديد الذي ينهج فيه ب ( السرد المدور ) فالحادثة او حتى الشخصية تصبح معروفة بل متوهجة سرديا من خلال تمرير السرد الدائري على أفعالها وصفاتها وواقعها وتدوير ذلك لمرات فكان السارد ينقذها بأسلوبه المبتكر من مصير التجاهل والنسيان الى السطوع وإبقائها في الذاكرة ، و مثالنا على السرد المكرر ( وهو تكرار المعاني والكلمات والسياقات اللغوية التي يكررها السارد فيحفرها في الذاكرة ) مثلا في ص 72 : (( هناك في الأراضي التي لم نعرفها يوما .. الأراضي المحتشدة بالفقراء .. الفقراء الذين سيدفعون حياتهم من اجل الآخرين .. آخرين توارثوا جنون العظمة .. الجنون الذي اتاح لهم ان يتصرفوا بمصائر الناس .. المصائر التي ستبقى مجهولة الى تاريخ بعيد .. تاريخ اخر سرق تقاويم أعمارهم ..أعمارهم المبتلاة بالحروب المفتعلة .. الحروب التي أدارها سماسرة الأسلحة هناك في العواصم الغربية ويديرها هنا من أراد ان يدخل التاريخ باي ثمن .. تاريخ جديد يصر بكل قوة على ان يفقدهم روح تاريخ أول .. تاريخ )) وهذا مجرد مثال منتخب من عدد اكبر لنرى كاتبنا وهو يختار السرد الدائري ناظما ومكررا لما يقول او يشير لمعاني بذاتها تكتسب أهميتها وبقائها ومعانيها من اهمية هذا الشكل السردي وفرادته .
ثمة خصيصة أخرى يمررها الروائي بحذق بين مسارب روايته وتتضح بأن تتحول كتابته الموجعة الى ” ذاكرة زمنية ” لهذا الجيل وللأجيال القادمة لفضح هول ما جرى ، وارى في هذا معنى الرواية وسبب كتابتها فقد سعى الكاتب لإبقاء ذلك الزمن أسير الذاكرة وتحت رحمة التذكر واستعادة تفاصيله الواخزة للطفولة ولباقي العمر .. انها رواية استعادة لذاكرة مستباحة او كما قال كاتبها( زمن آخر سيعلمنا حتما ان نفتح أعيننا على مشاهد أكثر قسوة وبؤسا وظلاما … زمن لا يعرف غير ان يسحق فينا تلك الجذوة التي تدفع بنا للتشبث بحلاوة الحياة التي منحت لنا ) ص20 .
لقد لجا الراوي ، في مسعاه الحثبث لإثبات ذاته في الرواية الى تقنية الاستقدام أي استذكار ما سيجري في الزمن القادم وهو بعكس مفهوم الاسترجاع أي الأخذ من زمن مضى وكان الاستقدام مبكرا في ص17 من الرواية حين ادرك الراوي معنى تنظيم “حي الكردي”ن خلال مشاهدة المسلسلات الفرنسية فيما بعد وقد تحولوا الى أبطال كبار حقيقيين، ثم نراه يكرر هذه التقنية مرة أخرى حين تحاصره الفواجع وهو لم يزل طفلا قلا يملك الا أن يستقدم مبكرا ما سيجري في قادم الأيام … حيث فقدوا الأعزة واحدا واحدا والاحبة كذلك وكان الأيام تنذرهم بأحزان العمر القادمات ، كما نرى هذه التقنية مستخدمة في منهج المؤلف حين يدفع السارد على القادم الزمني لما سيأتي : أنهم سيلبسون البيريات و يتوزعون على جبهات القتال ” منتظرين ان يقف النزيف يوما ” ثم أنهم سيتزوجون من نساء سياتين بالاطفال الذين سيحملون أسماءنا من بعد .. الأطفال الذين سيولدون بلا اباء ..” ص 73.
ولن اختم ملاحظاتي هذه قبل ان اظهر تعريفا غير مخل حول اسم الرواية ودلالة الإتيان به في مدونة روائية كهذه : سابرجيون تعني
العابرين او المنتقلين عنوة من مكان لاخر كما انها تعني القوم الرحل او الجوالين وغير المستقرين وهذا المعنى ينسجم مع روح الرواية وقد غنى هذه الأغنية” بيبا”وهو أشهر المطربين الاثوريين ويكنى بملك الغناء الاثوري هذه الأغنية تنبأت بخسارتنا هنا وهناك !! وأكاد هنا اسأل :
أكانت هذه عبارة وردت في الرواية أم تراها نبوءة للواقع القادم ؟!


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"