انطوان القزي* : السماوي «ثوب من الماء لجسد من الجمر»

antwan alkizi*رئيس تحرير “التلغراف”

اورفت أراجيحُ النخيلِ أكماماً للغمام، وأسرج النعاسُ خصلةً من غُرّة الهزيع وطيّبَ المدادُ جراحَ السطور وأوقدتْ جلجامش جمرَ القوافي لتعلنَ مولدَ «ثوبٌ من الماءِ لجسدٍ من الجمر» ليحيى السماوي.

يحيى السماوي شاعرٌ يسكب ندى العطرِ مذبوحاً بجنحِ فراشة، يغرفُ من الينبوعِ نميرَ الأسحار، يرفل الأنداءَ زاداً لعنادلَ تنسجُ قميصاً للنجوم.
الى حديقته ، تفيءُ بناتُ الريح تبني من هديلِ المسافة أعشاشاً لعصافير أحلامه.
هو السماوي، يمتشقُ مجاذيفَ سندباد اراجيحَ للأشرعة، يلفّ الأفقَ بأغنية قبطانٍ تائه، يرسمُ الدواوين ملامحَ أسفارِه الرمضاء.
من يشقُّ مقلتيه أنهاراً للضوء؟
من يولمُ لليل أعراسَ الأسحار؟
مَن يكحلُ النوافذ بأقواس الياسمين؟!
ومن يسترُ الشفاهَ بقبلةٍ غافلها الجنون؟!

إنه يحيى السماوي، من رذاذِ الأقلام يعطّر جفونَ الآس، ومن غلائلِ الورد ينسجُ للخطيئة ثوبَها الأبيض.
شاعرٌ لا يغيب، شمسُه الموسومة على الشعر أبهى من ثغرِ الشروق، وريشتُه المفتونة أغوى من غُنجِ الحواري.
هو الناسكُ في صومعةِ الدفء ، تدلف أمطارُه الى ليلِ العطش الطويل، وتغمضُ عيناه على عراقٍ باتتْ ملامحُه أيقونة المواجد.Yahia_ALSamawy 2[1]
معه ترقصُ المرايا لغزالةٍ ترودُ الماء، معه يضحكُ القلبُ لسهامٍ تبلل نجوى الضلوع، مع السماوي تزهرُ القناديل اشجاراً بلا ظلال. معه يحمل العابرون حصادَهم الى مواقدِ الغجر، يخبزون للنسيانِ قيثارةً دامعة ورغيفاً أدماه الهجير، فراديس السماوي نواعيرُ تطفئ الولوعَ وأسوارُه أمداء الرافدين وكأسه دهشة العودة.
يحيى السماوي في «ثوب من الماء لجسدٍ من الجمر» لم يكتبْ عن لصوص وطنٍ للإيجار، ولا عن البطونِ التي تقتاتُ من أفواه الثكالى ، يحيى السماوي يكفّن الإنتظار بأوتار لا تعزف إلا لحنَ السعادة، يعيدُ الزمنَ الى الأعمارِ الهاربة، ويجعلُ الموجَ سريراً لأطفالِ الوطن الجديد. «هناك يحرثُ بأضلاعِه حقولاً قطوفُها قمح التمنّي».
بوركتْ يداكَ يا صديقي، بوركَ اليراعُ ينزفُ مثقالَ حبّك ريقاً على خدِّ الأقاح.kh yahia 9

شاهد أيضاً

الصراع في رحلة البرزخ
مادونا عسكر/ لبنان

تتوجّه هذه القراءة نحو قصيدة “البرزخ” للشّاعر الفلسطينيّ كميل أبو حنيش، متّخذة من “البرزخ” والبرزخيّة …

د. وليد العرفي: تقنيَّات أسلوبيَّة في الومضة الشَّعريَّة

يُحاول الشاعر: شوقي مسلماني أن يُقدّم الشعر في إطار فلسفي يُوجّه سمت بوصلته إلى العقل …

الحركتان الخارجية والداخلية في قصة “صعلوك” لنازك ضمرة د. أفنان القاسم

التحليل سيقارب نقدي المنقود ليس تبعًا لما تقترحه المعاني التي تمتلئ به، لسبب بسيط ألا …

4 تعليقات

  1. فوزية المرعي

    شاعرنا السمازي ..تجاوز مرجلة الابداع بكثير ..وما زلت أبحث جاهذة عن سمة تليق به كشاعر تجاوز كل شعراء عصره ..وكإنسان تفرد بانسانيته …قرأت له الكثير ..وكنت أتحول من دهشة الى دهشة …هو نهر شعري تكمن في لججه درر القوافي …ـأشعر ـان عمره الف عام حين نتأمل ذخيرته الثقافية والشعرية وحتى السياسية…ماشاءالله قد وهبه المولى ضميرا انسانيا يفوق الوصف …مااروع ان نحظى في هذا الكون على انسان شمولي اكتملت به كل المواصفات الانسانية والابداعية …هو السماوي الذي اتسم بنور البدر وكان مداد ابداعه من حبر النجوم ….لاتكفيني صفحات للحديث عنه ..واختم قولي بالدعاء له بطول العمر ودوام الصحة والعافية …تحياتي

  2. يحيى السماوي

    سيدتي الأخت الجليلة الشاعرة المبدعة فوزية مرعي : أهديك من حديقة قلبي باقة من زهور نبضه ، شاكرا لك تكريمك لي بيواقيت حسن ظنك .

    كل ” سماوة ” وأنا حافظ ودك ..

    وكل ” رقة ” وأنت بخير وإبداع .

    ردّ الله غربتك وأنت على ما تتمنين من الصحة والنعمى والمسرة .

  3. الأستاذ يحيى السماوي يستحق هذا التقديم وأكثر، هذا الشاعر العراقي المبدع الذي يلتقي فيه كبرياء جلجامش الباحث عن الخلود وإنسانيته التي لاحدود لها، تحية من القلب لهذا العملاق (السماوي) الذي يفترش غيوم القوافي ليرسم لنا عوالم مفعمة بالدفء ..

  4. يحيى السماوي

    قصي صبحي القيسي : لك من قلبي محبة الصحراء للمطر ، وامتنان العصفور للبيدر ، شاكراً لك تقليدك لي بوسام رضاك عن حصادي في براري الأبجدية وواحاتها أخي الأديب النبيل ،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *