الرئيسية » نصوص » شعر » عدنان عبد الله حسين : كولاجٌ قاتِم .. لمدائِن المُومياء

عدنان عبد الله حسين : كولاجٌ قاتِم .. لمدائِن المُومياء

adnan hussein abdullah  2شوكٌ وأنقاضُ بيوتٍ خاوية …
وجذعُ نخلةَ يحتضرْ
وعناكبُ العدمِ المريعةِ تنتظرْ
من أيِّ ثقبٍ سوفَ تلتهمُ المدينة .
أشجارُ سروٍ مزّقتْ أجسادَها فوضى الشظايا
مبتورةُ الأغصانِ تنزفُ دمعها القاني وفيها ينهمرْ
مجازُ الموتِ في وضحِ الخراب ْ.
أطلالُ أطفالٍ تدلُّ بلا غموضْ
هاهنا كانتْ تربّى الأمنياتْ
ها هنا كانتْ بأوجِ بهائها روحُ الطبيعة .
شواهدٌ تترى تبوحُ لمن رأى
كانتْ هنا فيما مضى
أشياءُ تنبضُ في ثناياها الحياة.
كلُّ الزوايا في الدروبِ الموحلة
قد مسّها عطبُ الدمار
فيها عقاربُ هذه الأكذوبة الكبرى [ ر.بـ. يـ. ع ]
تسيرُ في زهوٍ على كلِّ الطلولِ
لا شيءَ يرعبُها على وضحِ النهار …
يعلو غبارٌ عابثٌ .. فوقَ أشلاءِ الطريقِ إلى المدينة
لا شيءَ في هذي المدينةْ / .. الخاوية
سوى شواهدَ من حروبٍ ذابلة
.. أثوابُ أطفالٍ تداعبُها الرياحُ المثقلة
بما تبقى من حريق .
وهناك ينبعثُ الدخانْ
من جثّة الأنقاضِ في اللاشكل
يمشي الهوينى مثلَ حوذيٍ فقير
نحو أقواسِ السماءِ فيصبغَ الغيمَ الوحيدِ بلونِ أحزانِ الرماد
يلقي على الآتينَ قيءَ حريقه.
ورقٌ على أطرافِهِ ندبُ الحريق
وعليه أبياتٌ من الشعرِ القديم
يعلو على بعضِ قوافيها
غبشُ الرماد …
أشلاءُ قرطاسٍ على سطحِ سطوره
ملامحٌ أولى لخطوِ الأبجديةِ في مسيرتها على أفقِ اللغة
وكتابُ تلميذٍ صغيرٍ .. قصةُ الأرضِ ، وأمجادُ المدينةِ في شوارعها تغني القبرّاتُ ويلعبُ الأطفالُ من دونِ اكتراثٍ للحروبِ الماضيات …
لكنّهُ كانَ كتاباً مسَّهُ عطبُ الحريق …

ها هنا بصماتُ أيدٍ صارخة
تركتْ حكاياها على جدرانِ تاريخِ المكانْ .
كفٌّ على صدرِ جدارٍ مُنهدم
تركتْ لمن يأتي إلى هذا الجحيم
بصمةً حمراءَ تروي قصّةَ المعراجِ في وضحِ العذابِ
بقربها كُتِبَتْ حروفٌ مائلاتٌ لا يُرى في عمقها إلّا مجازاتُ العدم …
وهناك ظلٌّ من بعيدٍ قد تكوّرَ عندَ أعتابِ الجدار المتكئ…
ربّما قد عافَه ، ألمالكُ الشرعيُّ له
هل يرشدُ الظلُّ الوحيدُ القاتلين .. إلى خطى من عافه وسطَ الهباء ؟!!

لا شيءَ في هذي المدينةِ صامدٌ
سوى أشجارِ نارنجِ البيوتِ المقفلة .
بعضُ النخيلِ بقى على قيدِ الأسى
شاهدٌ فيما تجلّى من فصولِ المجزرة .

وهناكَ في طرفِ الشوارعِ تنتشرْ
بركُ المياهِ الآسنة
خضراءُ تعلوها طحالبُ قاتمة
وتدورُ أطواقُ الصدى لمّا يلامسُ سطحها صوتُ الضفادع …
لا شيءَ في هذي المدينةِ غيرَ أصداءِ الخراب
وشواهدٍ تروي حكاياتِ الغياب
كالوشمِ في كفِّ فتاةٍ سومرية
– في مشحوفها نامتْ أغاني الأمسْ
في أحضانِ أكوامِ القصب –
لاشيءَ فيها ماثلٌ غيرَ ذاكرةِ الغراب .
في أرجائِها أشباحُ ماضينا البعيدْ
بعضٌ من قوافي عصرها الذهبي
/ حينما كانتْ تبادُلها الجناسَ الأندلسْ /
منثورةٌ فوقَ المآذنِ
فوقَ أجراسِ الكنائسْ
وعندَ أقواسِ الطريقِ إلى الشـ…آم .
لكنّ حاضرها القريبُ / الغريبُ / المريعُ / الفظيعُ / الحزينُ / السجينُ / العليلُ / الذليلُ …
فوقه تطفو مداراتُ الحروبْ .
خفقتْ على جدرانِ شارعِها العتيقْ
أصواتُ شعرِ العاشقينَ الحالمين
في زمن القرنفلِ والأغاني وارتقاءِ الحبِّ في شعرِ الرمل
(( جادَك الغيثُ إذا الغيثُ همى … يا زمانَ الوصلِ في الأندلسِ ))

شارعٌ كان يسمّى … في ذلك الأمسِ البعيدْ
شريانَ الحياةِ كهمزةٍ للوصلِ من بغدادَ حتّى قرطبة
لم يبقَ فيه اليومَ من إثرِ البلاغةِ غيرُ بعضٍ من كناية
فالاستعارةُ لا تريد .. أنْ تقيسَ الموتَ بالميلادِ في عمقِ الخرابْ
أو تجدَ الأواصرَ والروابطَ بين نبضِ القمحِ في نَوحِ الحمامِ وبينَ عصفورٍ يوازي في ترنَمه هديلَ الأقحوان …
لكنّ ما تركَ المدينةَ غامضاً تجريدُها في اللامكانِ الواضحِ التفصيلِ
والعدم المحيطِ بكلِّ تفصيلٍ لها حتماً يكونُ بلا منازعْ ( وحش ُ الكناية )
في تفاصيلِ مجازِ الموت …
– نقولُ : الأرضُ صارتْ ذابلة ( كنايةُ عن موتها )
– .. هذي مدائِنَ عشقنا … كُنّا هنا لكنّها اليومَ حطاماً آفلة ( كنايةٌ عن موتنا)
– فهنا يقالْ :
قد مرَّ في هذي المدينةِ ما يسمّى
جناساً ناقصاً من أيِّ معنى
بـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (( الـ ربـ يـ عِ ر بـ ي ))

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *