الشاعر سعد جاسم : قراءة جمالية ومختارات شعرية من أرميكِ كبذرة وأهطل عليكِ
خضير ميري

عن الحضارة للنشر في القاهرة صدرت للشاعر سعد جاسم مجموعته الشعرية الجديدة ( أرميكِ كبذرةٍ وأهطلُ عليكِ ) وقد تكونت المجموعة من اربعة عشر نصاً شعرياً .. نذكر منها :
لاوقت إلا لإبتكارك … إنوثة الندى  … أرميكِ كبذرة واهطلُ عليكِ … أيتها الانثى البلاد المستحيلة … لصبواتك قمر وهديل …احبك عالياً عالياً يافراتي ومولع بغموضك ياخلاصة الحب … مشغولة بحراسة احلامي وأغنية آيروتيكية … عيناك تضيئان عتمة العالم …  وأسميكِ .. وأخاف عليك من البرابرة وغيرها من نصوص البذور  والهطولات …
وهنا قراءة جمالية مصحوبة بمختارات من المجموعة

العرضية والأنزياح الشعري قراءة جمالية في نصوص الحب والجنون للشاعر سعد جاسم

ينفتح النص على استيطانه الشخصي، ويتقرب مثل طائر يهطل من سمائه، حزينا كما لو كان دمعاً من مطر، وله في العودات السرية إنبهارات ومسارات ضوء وحفنات من الاستغراب والاستغراق في “الآني” و”الذهني” و”المترمل” حتى من دلالاته/ الأم، مع إننا نتكلم غالبا عن شعرية ناشطة، عن شعريات متلاحقة في النص الجديد القابض على علوه، وأعني بذلك القبض على “العرضي” وهو الزبد الذي يلفنّا والذي راح “جاك دريدا” يراه اختلافا، بينما هو في الواقع سحري وطائش وغير ملموم به كفاية، العرضي هو الإستشكال البدئي، هو الفحص السريري للكتابة التي تتعرض إلى عرضيتها مرات ومرات، ثم تعرض أعراضها هنا وهناك “كشهقة الله” في البرق “من متن سعد جاسم”، أو كنوع صارم من العرض الذي ينتاب جماع اللغة ويشد على وريد الكلمة وهي أقرب التيه، ثم أن التيه هو العرض الأكبر، والعرض الأكبر لدلالات النصوص جميعا في كونها حقلاً جاداً من الاحتمالات بعضها، وبعضها فقط يتغنّى بإنقراضه ويصر أسنانه عليه، كما لو كان تعمدا وقصدية في اللعب ونقضاً عملياً للإنشاء والإنتشاء الميتافيزيقي للخطاب الشعري السائد أو المتسيد، مع أن شعرية من نوع بهي معروضة هنا، شعرية وسير دلالية متفرقة ومبذورة ومبثوثة مثل أثيل ينتعض بماء. إلا أن المكتوب هنا يتسابق إلى مراسيه حارقا ماخلفه، مامعنى القول بالهطول؟! غير إنه إنسراب ونوع حالم من الوصول أو الحلم الأبديّ.

“النصوص… وتراتيل الجنونْ
أكونُ… ياهذيان أنوثة الأرضِ… فيكِ
في قيامتكِ.. أكونْ
القيامة والهطول والترنم المصبوغ بهاوية هي من جُبلة العمل الفني ومن لحائه وطينه وماء الكلام فيه، سيكون متاحا بعد سلسلة من المعالجات العاطفية السريرية “لسعد جاسم” في قيامات مماثلة وأصوات عابرة ووهم طفولي لذيذ طال إشتياقه، أن ينتبه إلى كمية العبث الضروري لصناعة قصيدة “عرضية”، ماهذا؟ هل يمكن القول بعجينة عدمية أخرى ما بين بندول ضاحك لنيتشه الأعمى عن كل ميتافيزيقيا ونوع الركض الوهمي على حافات أخرى من طيش الكلام؟ لا يبتذل المشغل الشعري إلى الحد الذي لا يمكن له أن يبني له ضريحا من دود أو من كلمات، لا فرق بين البذرة والدودة، والدمعة والقبلة، والفاصلة والنقطة المقذوفة على سطر الكلام، في هذا النص “كل شىء مباح” إنه يسترد ما تبقى من رؤية الشعر في مسيرته الذاتية. واعوجاجه الموضوعي، بالطبع إن البساطة هنا تختلف عن الكلام الدقيق، والدقة بساطة بلاغية كما أرى.

مُنذُكِ
أصبحتُ أَتمنى لو أَنَّ العالمَ
بلا ليلٍ
لأَنَّ الليلَ طويلٌ
طوييييييلْ
مثلَ تابوتٍ أَسود
يُذَكِّرُنا بالمنافي والرحيلْ

لا شىء يوازي نوع الصورة في تفجير الممكن أو الممكن نفسه، متصورا وممهورا بالشعري حد الهذيان، وهو من طين الآلهة، لأن متوازيات الكلام وإزدواج المرئى هو العبور نحو عرضي هنا ماثل وقابل للصيد بافتتان خاص، اللغة شباك للعرضي أو شباك “صيد له” وإشتباك عريض معه، أن العالم بلا ليل بلا نوع سميك من النسيان، “بلا نسيان للهشاشة” تلك التي يعدها “بول ريكور” صفة جوهرية لهذا العالم المريض بالجوهر المفترض والعمق المريب سيكون مجرد أمنية، أم لعلها أمنية حلمية، أن يكون العالم مضمونا بإتساعه وقريباً بعمقه الموهوم الفارغ، لعل هناك في الخطاب الشعري اليوم وفي سعاره اللفظي المشوش ضربات متفرقة تضع العالم نصب عينيه في كونه “هشاشة” و”عرضية” و”نوعاً استباقياً للزوال المبدئي لكل كائن”، مع أن تجارب الهطول لدى “سعد جاسم” تؤدي إلى غنى من نوع ما للشعري على حساب فقر العالم وتكرار أسبابه، وأن تبذيرا في البذرة لابد حاصل، لا أعني برؤية الشعر في موازاة بلاغة تجترحه وتتجرأ عليه فحسب، كما كان دأب بعض قصائد السبعينيين في العراق، ترغب بتقديم حجومات كمية لثقل اللغة على الورق، أو في القليل إعتبار الشعر هو عقل شعري حسب “خزعل الماجدي”، أو هو عبوة الفلسفي الميتافيزيقي في نصوص آخرين، لم تكن لهم من الشعرية الهم الكثير، إن الشعري هو تأسيس يدفع بنفسه إلى الفتح والتفتح لا إلى النكوص الجمالي المحبب للصناعة المشعرنة أو الشعرية المصنوعة، وتلك ما أسهلها يتمثل خطاب النص كما يراه فوكو مثلا بقوله “هذا الفراغ المفاجئ للموت في لغة الدائم كما وأيضا وفي الحال، ولادة النجوم، هي مايحدد مساحة الشعر “هكذا كانت خطته في استدراج “كون الكتابة “في “أقوال وخطابات من أعمال (1961- 1966)1.
وهي الفكرة التي ترغب بتمرآى خاص للشعر، مع “سعد جاسم” أيضا لا يجدي نفعا أن يكون الشعر مكتفا بالجمل الممتلئة التي لا تتيح للشعر غموضا أو غنجا من نوع ما، وهو الغنج الدال على شحنات وجدانية وخطوط سير متقاطعة مع الذاكرة المفروشة على حافات رؤية حيفية ثأرية قليلا، تريد للهطولات أن تشحذ همتها بالكلمات الشافيات، كان الأحرى بنا أن نتكلم عن نص واحد متعدد أو هو الواحدي الإزدواجي حسب دريدا هذه المرة.
ولكن لماذا لايكون ذلك هدرا؟ لماذا لا يكون تنصلا وإنسحابا تدريجيا من ذروة النص ومن إستباقه الإيروسي؟
هل يكفي أن نتحدث عن كتابة شعرية أو مطولات قصيدة ليكون ذلك الشعري كيانا أو يكون هو الكيان؟ هل يمكن إخفاء عيوب إستباقية في أي نص مؤتلف أو موالف لا سيما عندما يزرع النص نوعه باتجاه “الغياب”؟ مع “سعد جاسم” يأتي الإنشغال بالغياب إنتشالا له من قبضة الإسترداد الذاكري أو الردة الماضوية التي تزرع نوعا خفيفا من التعدد الخفي سواء بالأصوات أو بالإحالات الذاكرية القصوى، بعض منها يأخذ بريقا خاصا معطوفا على التشتت الرعوي لمسارات قصيدة، ربما مازالت تنفتح على طيفها بتفتح “بذري” إذا ما استعنا بمفهوم البذرة، أو الإنسفاح الخاص بالنص لدى “جاك دريدا” الذي يروم إختلافه اليوم وهو ما يشعر المتلقي ببعد ساحق من الإقصاء النصي التدريجي الذي تحتم في نص القصيدة/ المشروع وراح يكتبها على هيئة “كتابة “، بالمعنى الذي نقوله عن الإعتراف بخط اليد أو التوقيع على فاتورة أو إثبات عقد قضائي بين دائن ومدين، ولعل الطرف الأول في هذا العقد هو النسيان، أو الغياب أو التهاتف عن بعد، كما نلمس ذلك في المقطع التالي:
تتوارينَ عميقاً
عميقاً……
في بيتكِ – النهر
والنهرُ فراتٌ
وقدْ إصطفاكِ
حوريةً لهُ
ليزدادَ عذوبةً
وطفولةً وغواية
ويتخلصَ من عزلتهِ
ووحشتهِ الفادحةِ
ويتمهِ القديم
مجتزأ من نص “أرميك كبذرة وأهطل عليك ص”

لا يبدو النص قابلاً للتوكيد النهائي أو اليقين المطمئن، وهو المعنى الذي لايركن إليه نصٌ من نصوص “سعد جاسم” طوال عمره الشعري الطويل وسيكون مناسبا القول بأن نص “أسميك بذرة وأهطل عليك” هو المنعطف الجديد لمسيرة شعرية تأملية، لا على مستوى القول الشعري أو مشكاة الدلالة الخاصة ببذخها تارة وحنينها الإيروسي تارة أخرى فحسب، بل في تقديم درس افتتاحي للكتابة الذاتية لشعرية التجديد الضدي اليوم لاسيما وأن الهاجس الشعري في مداه الغرائبي صار بحاجة إلى حفريات داخلية أكبر، وكمية لا بأس بها من الإستفزازات المطلوبة لتقليب البذرة وإقلاق التربة، وأنا أرى بأن هذا النص امتحان طويل للقول الشعري بشقيه: البناء والتهديم، الوعي والهذيان، الحلم وحلمه، وهكذا….
إن ما يتهافت هنا ويهطل إنما يتأسس وينتشي بالعبارة التي هي “أنثى بإصرار ذكوري” وتماهٍ لا يخلو من رومانسية منتظرة، لا أحد ينكر بأن “سعد جاسم” هو اللاعب الماهر في مسرحها الغامض اليوم ولنصغِ قليلا إلى ما يأتي:

لينابيعِِ روحكِ العاليةِ
ولغاباتكِ المتوهجة ِ بالغامضِ والأخضرِ
وللحريقِ العشقيِّ المتعالي فيكِ وفيَّ
ولهذا اللهبِ المشعشعِ حباً كما الأسطورة
للوعةِ أسيانة… وللتوقِ المتماوجِ
للإنتظارِ وقلقهِ المربكِ
لهيامي في جنوناتكِ
لولعي الصادحِ في براريكِ
لعواصفِ أنفاسكِ تشعلني وتحلّقُ بي إلى أعاليك الكوكبية
لما يعشوشبُ منكِ في خلاياي الصاهلة
لحضوركِ في أبعادي
ومجاهيلِ منفاي
لعسلكِ يدافُ كحناءٍ كي يشفي حنيني
…لدمكِ النافرِ كحليبِ الضوء
للعطرِ يصهلُ في روابيك ويلفُّني بغلالات لذتهِ
وسكرتهِ التي تحيلني طائراً يخفقُ ندى وقبلاً وتراتيلْ
لصبواتك قمرٌ وهديلْ
ولصوتك حنينٌ لاينام
ويُرتّلُ:
هو الحبُّ أَبداً
لا نهاية لكِ
لا بدايةَ ليّ.. حتى القيامة
وبعدها بقليلْ
مجتزأ من نص “لصبواتك قمر وهديل ص”

ولا يتردد المعنى في إغناء ذاته لا لأكثر من مرة، سواء في حافات النص ولعبه على أعصاب الوردة والقمر والهديل، وهي إستعارات متعارف عليها في نسق المخيال الشعري، والمفارقة في “العسل الذي يداف كحناء كي يشفي حنيني”، ولا يتسع لنا المقام هنا لجلب كل تداعيات الإستعارة في هذا النص بالرغم من مساحة الإبتكار الدلالي، كان ينشدها “سعد جاسم” ويشدنا إليها حتى في المقاطع الصغيرة، التي هي بدورها شذرات دالات على المتن الأصلي.

*  كينونة *

أَنتِ كينونتي وكياني
وبكِ… أتأله

أو
* شجرة *

أَشتهيكِ نهراً من الخمرِ

وروحي شجرةٌ عطشى

وهنا يصبح النص مزموريا أو هو نوعا من التوكيد على هاجس أنطولوجي، “أليس الشعري هو تخالقي؟ أليس هو تأسيس على “ما تبقى” من نتف العالم ومن قطعان واقعيته الهشة “هيدجر ومن قبل هولدرلين على سبيل التذكير”؟، وبالتالي فإن مزاولة شعرية هذا النص هو الإعتماد على التسارع والإبطاء، على القطع والتواصل الخفي، وهو آلية ملتاثة قليلا لا تخلو من سردية نافعة ونافلة لابد منها، ولابد من الإصغاء لما يلي قليلا:

* أُسَمّيكِ… وأَخافُ عليكِ من البرابرة *

أُسَمّيكِ:
وردةَ الروحِ
أَو
نخلةَ البوحِ
وأَستظلُّ بفىء أَهدابكِ
وضفائركِ الليلكياتِ
المشرئباتِ… الحانياتِ
المُحناةْ
بنورِ الفوانيسِ
ودمعِ القراطيسِ
ودمِ الحماماتْ

وكان الأجدى بنا التودد إلى لعب من نوع آخر، وإلى اشتراع لما هو كيفي بإسراف تخالقي، وكذلك بانزياحات متعالية ومتفارقة على المعنى الضمني، أو ما يمكن الإصطلاح عليه بالمعنى المحازي فلا معنى ضمني ولا معنى خارجي، بل تلاقيات دلالية وإنزياحات أخرى ويبقى السؤال القائم في الهطول وقبله وبعده:

ترى ما الذي يفعله الطفل بغيمة لا يكف عن اللهو بها بجدية تعجز السماء عن تقيمها؟! ولكن من وجهة نظر “نيتشة” لا يوجد أكثر جدية من الطفل في لعبه، وهذا لعب آخر “لطفل الكلام” لا يخلو من خطورة لاهية وجنون مضاعف باللون والنبر والعبارة، فكان ذلك هطولا وكان ذلك شعراً، وسيكون.

(1)    فوكو: أقوال وخطابات – أعمال (1961- 1966).

المختارات : البذور والهطولات

لاوقت إلا لإبتكارك

لا وقتَ عندي إلا لأبتكركِ
حيثُ أُهئُ لكِ طينَ الكينونةِ من ينابيعِ الليلِ
وأستجيرُ بروحِ الصبحِ وعصافيرهِ وملائكتهِ
ليشاركوني كرنفالَ تكوينكِ وتدوينكِ
ثمَّ أُطلقكِ فرساً عاشقةً في براريي
التي كلمّا خببتِ فيها
تشتعلُ بالنورِ
الأنوثةِ
الخضرةِ المستحيلةِ
وكرنفالاتِ الماءِ
والماءُ إلهُ.

لا وقتَ عندي إلا لأتنفسكِ
حيثُ تتفتحُ خلايا روحي
لانبثاقاتِ نرجسكِ وبنفسجكِ وحبقكِ
الذي يتقـطـّرُ نبيذاً رافدينياً
ويتكوكبُ غيماً يركضُ بخفةِ العاشقِ
إلى سماواتي الرهيفةِ
ليمطرني بما تيّسرَ من آياتِ جسدكِ
ونصوصِ توقكِ واشتعالاتكِ بي
أَنا فراتُ روحكِ
وعاشقُكِ الموغلُ في أَقاصيكِ الرؤيةِ واليقين

لا وقتَ عندي إلا لأتأملكِ
يالسوراتِ توقكِ… ومزامير حنينكِ
حيثُ تشتعلينَ وتنفجرينَ عاصفةً
لاحتضانِ أعشابِ طيني
أو خزامى كتفي
وجلنار شفتيَّ اللتين يورقُ على ساحليهما
هذا النشيدُ (أُحبكَ يا أنتَ) حدَّ النشيج
وتتهدجُ أصابعُ الأغنية – التي هيَ أُمنية
(ياريت… إنت وأنا في البيت
شي بيت… أبعد بيت)*
وتفتحينَ سواقيَ دمعك نافوراتِ فقدٍ
أو هواجس غيابٍ
رغم أننا لانعرفُ المسافاتِ
والأزمنةُ قد تلاشتْ بيننا
في التوحّدِ والتجاسدِ
والماءُ أولُنا
والشهقةُ برقُ الله.

لا وقتَ عندي إلا لقراءتكِ
يالصحائف هديلكِ وهديركِ
وصهيلُكِ يصعدُ في دمي
ونصوصُكِ لها مزاجُ البحر
ونداءاتُ
وصيحاتُ
ومسراتُ
وأسرارُ الجسد
حيثُ كوَّنتُهُ في احتفالاتِ المروجِ
والصنوجِ والقرنفلِ والبخورِ
النصوص…. ك
هي آياتُ ينابيعي
وأرغفتي
وكاساتُ نبيذي
أتعالى… أتجلى
في فراديسِ نداها
وصداها.
النصوصُ… ك وتراتيلُ الجنونْ
أكونُ… يا هذيان إنوثةِ الأرضِ… فيكِ
في قيامتكِ… أكونْ

لا وقتَ عندي إلا
لأُحبُكِ وأُحبُكِ وأُحبّكِ
وبكِ… فيكِ
تولدُ… تنفجرُ
وتفنى ثُمَّ تحيا… روحهُ الماءُ الكلامُ
واللغاتُ والكتابةُ والمرايا
هيَ روحي
وأنا روحكِ
وأنتِ الابديةْ

* أغنية لفيروز.

أنـوثة النـدى

قبلَكِ…
كنتُ أكرهُ الصباحَ
الصباحُ: الذي ينبغي أَن أَذهبَ فيهِ
– بلا رغبةٍ – إلى العملِ
العملُ الذي يقضمُ تفاحةَ قلبي
بجدواهُ الخادعةِ
الصباحُ: الضجيجُ
الصباحُ: النفاقُ والثرثراتُ
الصباحُ: المطاليبُ
التي تتناسلُ مثل ذئابِ أَيامنا
– بابا… أُريدُ بيضةً بحجمِ الكرةِ الارضيةِ
خُذْ… اشترِ البيضةَ
وأَنسَ الكرةَ الأَرضيةَ
لأنّها أَصبحتْ فاسدةً ومخيفة
– التلفزيونُ عاطلٌ
أَصلحْهُ لنتابعَ اخبارَ الكارثةِ
* نعم… سأُصلحهُ
لتَريْ حروبَكِ ياآلهةَ الكوارثِ
– لقدْ نفدَ راتبي
والبلادُ شحيحةٌ
ماذا لو تسلفُني ألفَ دولار؟
* خُذْ هذهِ القصيدةَ
إنّها طازَجَةٌ… بعْها حتى ولو بسيجارةٍ
لعلكَ تنسى محنةَ البحثِ
عن الدنانير.
وتنسى محنةَ البلادِ
– أَدواتُ المكياجِ أَصبحتْ قديمةً
أُريدُ عطراً وكحلاً وروجاً
لأَطردَ عشبَ الشيخوخةِ
وأَتجمّلَ… كي أُرضيكَ
أَيها الفحلُ الكسول
* تعالي… لأُرضيكِ
– ها… لا داعي للمكياجِ… إذنْ
– بابا.. أُريدُ زوجًا لا يخونْ
* يا إلهى… الصباحُ صباحُ الجنونْ
***
رُبَّما أَسرفتُ في السردِّ
رُبَّما أسرفتُ في السرِّ
لايَهُم…
قلتُ: قبلكِ
كنتُ أكرهُ الصباحَ
وقبلكِ
كنتُ صديقاً لليلِ
والنجومُ تقاسمُني يواقيتَ عزلتي
وتتعطرُ بقرنفلاتِ أَسايَ
وتقرأُ معي قصائدَ “لوركا”
صديقي القتيل القديم
وتغني معي أُغنياتِ الوحشةِ
والمنفى الخادعِ
***
وعرفتُكِ
لا أَذكرُ كيفَ
أتذْكرينَ؟
مَنْ الذي عرف الاخرَ؟
لا يَهُم…ْ
***
مُنذُكِ…
أَصبحَ للصباحِ طعمٌ آخرٌ
هو طعمُ روحكِ
التي تفيضُ بنورِ اللذةِ
وبفراتِ الغزلِ المكشوفِ
وأصبحَ للصباحِ
لونٌ آخرٌ
هو لونُ النهرِ
الذي غادرَ عزلتهُ
وجاءَ وحيداً ليغفو في عينيكِ
وفي غابتكِ السوداء
لعلَّهُ ينسى رائحةَ الجثثِ
ويتطّهرُ من ذنوبهِ القديمة
وأَصبحَ للصباحِ
إسمٌ آخرٌ
هو إسمُـكِ الذي لهُ
إنوثةُ الندى
وغوايةُ الذهبْ
***
مُنذُكِ
أصبحتُ أَتمنى لو أَنَّ العالمَ
بلا ليلٍ
لأَنَّ الليلَ طويلٌ
طوييييييلْ
مثلَ تابوتٍ أَسود
يُذَكِّرُنا بالمنافي والرحيلْ
***
مُنذكِ
أصبحتُ أتمنى
لو أّنَّ العالمَ
كلُّهُ صباح

أرميكِ كبذرةٍ… وأهطلُ عليكِ

إنَّهُ الغيابُ
يقرأُ علينا ماتيسَّرَ
من سورةِ الماءِ
فأَحلمُ بكِ
ولفرطِ توقي
وكثرةِ طيوفي
أَصبحتُ طائراً
من الأحلام
أُرفرفُ ملتاعاً
في أُفقكِ المستحيلِ
وأحلّقُ
أُحلّقُ
ولا أَصلُ
لأنكِ
تتوارينَ عميقاً
عميقاً ………
في بيتكِ – النهر
والنهرُ فراتٌ
وقدْ إصطفاكِ
حوريةً لهُ
ليزدادَ عذوبةً
وطفولةً وغواية
ويتخلصَ من عزلتهِ
ووحشتهِ الفادحةِ
ويتمهِ القديم
***
لا أدري…….
هل أخافُ عليكِ
من الفراتِ
أَمْ أَخافُ منكِ
عليهْ؟
لأنكِ نافرةٌ
وعاصفةٌ
وشاسعةً وطيّبةٌ
كما أُمّكِ الأرض
ويمكنـُكِ أن تعشقيهْ
أو يمكنـُكِ أن تُغرقيهْ
هناكَ.. أبعدُ من مدى أصابعي
***

يا… أنتِ
أنا لا أَعرفُ غيرَ أَن أَشتاقَكِ
ولا أعرفُ غيرَ أَن أَحلمَكِ
ولا أعرفُ غيرَ أن أرميكِ كبذرةٍ
وأهطلَ عليكِ

أَيتُّها الأنثى – البلاد المستحيلة

لستُ معنياً
بأسمائكِ المُستعارةِ
والمُعارةِ
المُلغَّزةِ… الغامضة:
كأقنعةِ الظلامِ
غرفِ الجنرالاتِ
وقلبِ البحرِ
لستُ معنياً بكلِّ هذا
ولكنني معنيٌّ
بروحكِ النافرةِ
الساحرةِ
والبريةِ
مثلَ نمرةٍ… أَو غزالةٍ
تضيقُ بجموحها البراري
والغاباتُ والينابيعُ
ولذا تهيمُ روحُها
كما حمامةِ ضوءٍ
أو كما برقٍ مُكتضٍّ بالرغباتْ
وأمطارِ الغوايةِ
وعسلِ اللذاتْ
ومعنيٌّ أنا
بقلبكِ العذبِ… الطفلِ
المجنونِ… الحكيم…العاشقِ
المشاكسِ… المقهورِ…
والمهضومِ على البلاد
البلاد – الأُمهاتْ
البلاد – الأَراملْ
البلاد – الخساراتْ
البلاد – الذكرياتْ
البلاد – القاتلة – القتيلةْ
البلاد – أُمُنا الجليلةْ
البلاد – المستحيلةْ
***
وأنا معنيٌّ
بدمكِ الإقحوانيِّ… الحارِّ
والمحروقِ من فرطِ العناءِ
والغباءِ والهراءِ والوباءِ
والحماقاتِ والشكوكِ والظنونِ
***

معنيٌّ أنا
بجلدكِ… يتلألأُ كطينٍ فراتيٍّ
أو إيوانٍ كربلائيٍّ
أو كحقلٍ يخضوضرُ عشقاً
كُلَّما نثَّ عليهِ
مطرُ العافيةِ
أو كُلَّما إنثالتْ عليهِ بروقُ الشهوةِ
وشلالاتُ الحليبِ
سواقي الأُمومةِ
والحنينُ الطهورْ
أنتِ آيةُ النورْ
أنتِ البذرةُ الأُولى
وكانَ اللهُ مشغولا
بتكوينكْ
وتدوينكْ
وتأويلكْ
وتنزيلكْ
ليكملَ معجزَ الخلقِ
وكنتِ لآدمَ المهجور
جنّتَهُ ومحنتهُ
وكنتِ لأنكيدو
حضارتَهُ وفرحتَه
وكنتِ للعراقي – الأبْ
هيبتَهُ وزينتَهُ
وكنتِ ملاذَهُ المعمورْ
سلاماً
يَتُها الأُنثى
سلاماً يابلاد النورْ
***

معنيٌّ أنا
بإشراقاتكِ الكوكبيةِ
وتجلياتكِ… أَحلامكِ
جنوناتكِ… ورغباتكِ المستحيلةِ
معنيٌّ بكِ
كُلَّما دهَمـَـكِ
الشبقُ السريُّ
تستحضرينني
فحلاً مشبوباً
بالرغبةِ
لأَغورَ عميقاً
في نهركِ..
وأَهوي كلّي
في واديكْ
وأَستحضُركِ
نخلةَ عشقٍ
أَتفيأُُكِ
أو أحضنُكِ
أو أَبكيكْ
منكِ عليكْ
***
وأنا معنيٌّ
بأساوركِ السومرياتْ
وبأقراطكِ البابلياتْ
وعطوركِ وحناءكِ
وخواتمكِ الجنوبياتْ
ومعنيٌّ بقمصانكِ
التي خاطتْها أو حاكتْها
حشودُ ملكاتِ القزِّ
وأميرات الوزِّ
والأَيائلُ والبناتْ
البناتُ اللواتي تعلّمْنَ منكِ
آياتِ العشقِ
عشقُ الفتيانِ – الفقراء
الفتيان- الحالمينْ
الفتيان – الرافضينْ
الفتيان – الباذلينْ
عرقَ جباههم
ودمَ حياتهم
ويرتّلونَ بكرةً وعشيةً:
– “بلادي وإنْ جارتْ عليَّ”
***

و… معنيٌّ أنا
بسرِّكِ وسُرَّتكِ
وسريركِ – مملكةِ رغائبكِ
وفحيحكِ وعسلكِ المندلق
حتى الينابيع
ومعنيٌّ بشراشفكِ القزحيةِ
التي تينعُ أزهاراً
وفراشاتٍ وريشَ حمام
ومعنيٌّ بوسائدكِ التي تشعشعُ
بهالاتِ احلامنا… وبأقمارِ قبلاتنا
المُتناثرةِ كالكواكبِ
والنيازكِ في آفاقنا السرمديةِ
ومعنيٌّ أنا… تماماً
بكينونتكِ
وكيانكِ
وكونكِ…
أنتِ – أنا
كائنانِ
جاءا هذا الكونَ
كطيرينِ عاشقينِ
وسيغادرانهُ
كطيرينِ ضوئيينِ
نحوَ الأَبديةْ

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| زياد جيوسي : الضياع والبقاء في “ظل منحن على مقعد الشمس” .

   حين حط في بريدي كتابين للكاتبة والشاعرة الأستاذة الدكتورة والباحثة جليلة الخليع من المغرب العربي، …

| هاتف بشبوش : لؤي عمران ، صوتانِ ، في السياسةِ ، وآخرٌ في الوجدان ..جزء ثانٍ .

  القرار الأخير ( القرارالصعب ) : القاص لؤي كان ذكيا في وصف التضحية والفداء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *