فائز جواد : نصف قرن على رحيل شاعر النخيل ومجدد الشعر العربي بدر شاكر السياب (ملف/6)

faez jawadإشارة : رحل شاعر العرب العظيم ومؤسّس الحداثة الشعرية العربية “بدر شاكر السيّاب” في يوم 24 كانون الأول من عام 1964 ،وكان يوماً ممطراً لم يعثر فيه الشاعر “علي السبتي” على بيت السياب في الموانىء بالبصرة فقد أفرغته الدولة من عائلته لعدم دفعها الإيجار، فسلّم التابوت لأقرب مسجد. وعلى الرغم من مئات المقالات والدراسات والكتب والأطروحات الجامعية التي كُتبت عن منجزه الشعري فمايزال هذا المنجز الفذّ مكتظاً بل مختنقاً بالرؤى الباهرة التي تنتظر من يكتشفها. تهيب اسرة موقع الناقد العراقي بالكتاب والقرّاء الكرام إلى إغناء هذا الملف عن الراحل العظيم.

المقالة :

في هذه الايام تمر علينا الذكرى الخمسين على وفاة الشاعر الكبير بدر شاكر السياب الذي تلقت الاوساط الثقافية نبأ وفاته في صبيحة 24 من كانون الاول من العام 1964 عندما اعلمنت ادارة مستشفى الاميري في الكويت خبر وفاته بعد معاناة طويلة مع المرض ليرحل مسلولا ومعه دواوينه الشعرية وتاريخه الشعري الكبير والذي مازال يكتب ويقرأ ويغنى ، نعم قبل نصف قرن رحل السياب مسلولا يعاني الوحدة والمرض اللعين الذي قضى على حياته تاركا لنا ارثا كبيرا من الشعر العربي بعدما عد السياب من اوائل الشعراء العرب الذين جددوا في الشعر العربي ، وفي هذه الذكرى ومع محاولات هنا وهناك لاستذكار نصف قرن على رحيله جميعها فقيرة وخجولة اقيمت في العاصمة بغداد ومدينته البصرة تمنينا ان يقام له اسبوعا شعريا ثقافيا وتسخر له الامكانات المادية والمعنوية مثلما تتجند له وسائل الاعلام المرئية والمقروءة والمسموعة لشاعر كبير يستحق اسمه ان ينقش بحروف من الذهب .
نعم في يوم 24 من الشهر الحالي كانون الاول يمر نصف قرن على رحيل الشاعر الكبير بدر شاكر السياب الذي رحل بعد رحلة حياة مريرة اتسمت بالكفاح والعطاء الادبي ووضعته في طليعة رواد حركة الشعر العربي الحر، حيث يعد السياب كما اسلفنا من أوائل الشعراء العرب الذين جددوا في الشعر العربي وأغنوا القصيدة العربية الحديثة ، مع نازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدر وآخرين، وقد مثلت حياته الغنية بالالم والعوز والغربة والفراق قمة المعانات أو المأساة الدرامية، وقد كانت قصائده كلها تؤخذ كمأساة درامية متكاملة تنمو وتتصاعد نحو ذروه من ذرى التجربة الانسانية الرامزة إلى الحياة البشرية في ربع قرن من الزمان مفعم بالاحداث والآلام.
ولد الشاعر بدر شاكر السياب عام 1926 في قرية جيكور على الفرات، قرب مدينة البصرة جنوب العراق. تنقّل بين جيكور وأبي الخصيب والبصرة ثم بغداد لاستكمال تعليمه وتحصيله الدراسي ليتخرج من دار المعلمين في بغداد في منتصف الأربعينات، حيث كانت بغداد تعيش كباقي العواصم العربية انعكاسات الصراعات العالمية أثناء الحرب الثانية. دخل السياب معترك الحياة السياسية وعانى منها الكثير فقد دخل السجن مرات وطرد من الوظيفة ونفي خارج البلاد.
صدرت مجموعته الأولى (أزهار ذابلة) عام 1947 في القاهرة وكان كتب في منفاه أجمل قصائده ومناجاته الشعرية غريب على الخليج وصهرت هذه المرحلة شعره ليتبلور فيها صوته وتكتمل أداته ويكتب ذروة نصه الشعري الذي صار يتميز به بعد رحيله. زار بيروت عام 1960 لطبع ديوان له، وقد ساهم في هذه الفترة في الحركة الشعرية والثقافية المتمثلة بصدور مجلة شعر وحوار والآداب.badr 7
وفي هذه الفترة بالذات تدهورت صحته وصار يتنقل بين بيروت وباريس ولندن وراء العلاج وكان جمسه يهزل أكثر وأكثر حتى انكسر عظم ساقه لهشاشته. شكلت هذه السنوات الأخيرة بين 1960 – 1964 مأساة السياب الصحية والاجتماعية حيث عانى من الموت يحمله بين ضلوعه في المنافي وليس لديه إلاّ صوته ومناجاته الشعرية ممزوجة بدم الرئة المصابة، حتى مات مسلولا في يوم 24/12/1964 في المستشفى الأميري في الكويت.
وجدير بالذكر أن ترتيبات خاصة قد اتخذت قبل ذلك لمعالجة السياب في الكويت وذلك أن شاعرنا الكبير علي السبتي حيث كان قد نشر نداء موجها لوزير الصحة الكويتي – آنذاك – عبداللطيف محمد الثنيان يناشده فيه معالجة بدر في الكويت على حساب الحكومة الكويتية فرحب وزير الصحة بذلك وكان معجبا بشعر بدر فاتخذت الترتيبات لأن يجئ بدر إلى الكويت بالطائرة ليعالج في المستشفى الأميري. وفي 6 يوليو طار بدر شاكر السياب إلى الكويت على إحدى طائرات الخطوط الجوية العراقية وكان وحده. فاستقبله في المطار الكويتي صديقه علي السبتي مع أصدقاء آخرين. وادخل المستشفى الأميري في الحال ووضع في غرفة خاصة و أحيط بكل عناية واهتمام. غير أن لا عناية ولا اهتمام مهما حسنا كان بإمكانهما أن يعيدا الصحة لبدر، فقد كانت صحته في تأخر وانحدار متزايدين، وكان التصلّب يسوء صعدا في نخاعه الشوكي ويزيد في إفساد وظائف جهازه العصبي، وساءت حالة قرحته السريرية بفقدان الإحساس في جذعه الأسفل وعدم قدرته على السيطرة على البراز والبول وكانت رجلاه الضامرتان بلا قوة، وقد أدى عدم استعمالهما إلى بداية فساد في العظام نفسها ولكنه كان متمالكا لجميع قواه العقلية، ولم يكن في حاجة لأن يقول له أحد أن أيامه كانت معدودة. لماذا إذن اذلال الجسد، ولماذا آلام الروح؟ ليأت الموت سريع، وليأت فجأة.
وعلى الرغم من ان حياته لم تمتد طويلاً الا انه ترك وراءه ثروة شعرية أحدثت انعطافاً كبيراً في مسار القصيدة العربية وتمثلت في الدواوين والاثار الادبية الآتية….
kh badr 1kh badr 2أزهار ذابلة، أساطير، أنشودة المطر، المعبد الغريق، شناشيل بنت الجلبي، منزل الأقنان، إقبال، قيثرة الروح، أعاصير البواكير.
لقد لقي أدب السياب اهتماماً كبيراً من لدن النقاد في الوطن العربي والعالم وترجمت قصائده الى مختلف اللغات الاجنبية، وقدمت على الدراسات النقدية الكثيرة وادرجت قصائده في المناهج التعليمية ونال عدد من الباحثين شهادات عليا لرسائل كتبت عن حياته وقصائده.
يمثل بدر شاكر السياب، على أية حال، مشروعاً يظل منفتحاً على إمكانات ضخمة للشعر العربي الحديث؛ فقد كان هذا الشاعر إشارة عريضة وأخّاذة إلى أفق كان لا يزال بعيداً. لقد استطاع، في أحيان كثيرة، أن يلمس حدوداً جديدة، وأن يشير إلى حدود أخــــــرى لم يمــــــــهله عمره القصير للــــــوصول إليها.
يشار الى ان معرض الكتاب العربي الثامن والخمسين في لبنان كان قد احتفى هذا العام بقامات كبيرة مرت في تاريخ الادب والفكر العربيين ودور كانت سباقة في النشر منذ 150 عاما وخصص الاحتفال ايضا لمناسبة الذكرى الخمسين لرحيل الشاعر الكبير بدر شاكر السياب بمشاركة المركز الثقافي العراقي واتحاد الكتاب العراقيين ووزارة الثقافة العـــــراقية
بدر شاكر السياب رجل الحـــــرمان
كان بدر شاكر السياب ضئيلاً، ناحل الجسم، قصير القامة. ذو الملابس الفضفاضة وصفه إحسان عباس بقوله….
بدر شاكر السياب غلام ضاوٍ نحيل كأنه قصبة، رُكب رأسه المستدير، كأنه حبة الحنظل، على عنقٍ دقيقة تميل إلى الطول، وعلى جانبي الرأس أُذنان كبيرتان، وتحت الجبهة المستعرضة التي تنزل في تحدّب متدرّج أنف كبير يصرفك عن تأمله أو تأمل العينين الصغيرتين العاديتين على جانبيه فم واسع، تبرز الضبة العليا منه ومن فوقها الشفة بروزاً يجعل انطباق الشفتين فوق صفَّي الأسنان كأنه عمل اقتساري وتنظر مرة أخرى إلى هذا الوجه الحنطي، فتدرك أن هناك اضطراباً في التناسب بين الفك السفلي الذي يقف عند الذقن كأنه بقيّة علامة استفهام مبتورة وبين الوجنتين الناتئتين وكأنهما بدايتان لعلامتي استفهام أُخرَيَيْن قد انزلقتا من موضعيهما الطبيعيَّيْن.
هذا من الناحية الخَلقيّة. أما من الناحية الخُلقيّة فبدر شاكر السيّاب رجل الحرمان الذي أراد الانتقام لحرمانه من الناس والزمان، فانضوى إلى الشيوعية لا عن عقيدة فلسفية بل عن نقمة اجتماعية، وراح يطلب فيها ما لم يجد في بيئته من طمأنينة حياتية، كما مال إلى الشرب والمجون يطلب فيهما الهرب من مرارة الحياة والذهول عن متاعبها؛ وكان إلى ذلك مفرط الحساسية يشعر بالغربة ولا يجد له في المجتمع مُستَقَراً، وينظر إلى الوجود من خلال غربته النفسيّة ومن خلال فرديّته التي كانت تحول دون اندماجه في المجتمعات التي عاش فيها؛ وقد حاول أن يجد في المرأة ما يزيل من نفسه شبح الغربة فخاب أمله ونقم على المرأة ورأى أنها تقود الرجل إلى الهاوية؛ وكان من أشدّ الناس طموحاً، ومن أشدّهم ميلاً إلى الثورة السياسية والاجتماعية، ولكن تقلُّبات الأحوال والأيّام وصراعات الشعوب والحكّام ملأت نفسه اشمئزازاً، أعانه على ذلك ميل في أعماقه إلى التشاؤم، وعُقد نفسية وأمراض ونكبات زادته نقمةً وحدّةً وهياجاً.badr 11
عُرف عن السيّاب حبه الشديد للمطالعة والبحث، وقراءة كل ما يقع بيده من كتب وأبحاث على اختلاف مواضيعها، وقد أشار إلى ذلك صديقه الأستاذ فيصل الياسري حيث يقول: +وكان السياب قارئاً مثابراً فقد قرأ الكثير في الأدب العالمي والثقافة العالميّة، كما أنه قرأ لكبار الشعراء المعاصرين قراءة أصيلة عن طريق اللغة الإنكليزية التي كان يجيدها . وكان يقرأ الكتب الدينية كما يقرأ الكتب اليسارية ويستمر الياسري في وصفه للسياب ليكشف لنا بعضاً من صفاته التي لا يعرفها إلا القليل وكذلك السيّاب على ما أذكر لم يكن كثير الكلام، ولكنه كان يفتخر أنه من البصرة؛ المدينة التي أنجبت الأخفش وبشار بن برد والجاحظ وسيبويه والفرزدق وابن المقفع. ..والفراهيدي واضع عروض الشعر.

*عن صحيفة الزمان

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.