صالح البياتي : أرشيف الله

saleh albayatiلم يبق سوى أثر شاحب ، وبحنان أحتضن الماء ،
بقعة الدم المراق على أسفلت الشارع ،
رفعها برفق وأعادها للحياة .
أما الجريمة ، فقد طار خبرها في الهواء ،
في وسائل الإعلام ، و وكالات الأنباء
لكنها لا تزال على الأرض ، تبحث بجنون عن إطار ،
يليق باللوحة المرسومة باللون الأحمر،
لتؤطر وتعلق على جدار الموت ،
أرواح المنتحرين الشريرة ،
يسمع لها الآن خوار مخيف،
يختلط بدوي الإنفجارات ،
وصرخات زبانية الجحيم،
الكروبيون ينتحبون على مقاعدهم النورانية ،
حول عرش الرب ،
تنهمر دموعهم كمرشات ماء الورد ،
على وجوه وأشلاء الضحايا ،
قبلة الأم الصباحية ، لا زالت ندية وغضة ،
مطبوعة على وجنتي الطفلة العائدة من المدرسة ،
رسالة حب كتبتها الأم بشفتيها المرتجفتين ، وهي تودع إبنتها ،
وقرأها الله حزيناً في تلك اللحظة ،
ليست الكلمات المكتوبة بحروف من لغة ،
وحدها التي تعبرعن المعنى ،
الجرح كتاب مقدس في لغة الله ،
مفتوح على المدى ، نحو السماوات العُلى ،
والدموع عنده شموع مضيئة ،
تؤنس القلوب المتصدعة بالفجيعة ،
عين الله اليقضة دائماً ، ترصد كل شئ ،
وكل حركة قبل البدء ، وقبل أن تولد الأشياء
ولكنه يتركها تنتهي لغايتها ، لحكمة إلهية ،
لتكن لوحة الحياة زاخرة بالأحداث المتنوعة ،
الجميلة والمروعة ، المليئة بالألوان ، والذاوية الكئيبة ،
وهكذا يتقاطع خط الضحية مع الجلاد ،
الإثنان يلتقيان عند نقطة التصادم ،
ثم يتجه كل خط لمسار مختلف،
الأول يتسامى خفيفاً كالنسيم ، صاعداً للأعلى ،
بينما الثاني ينحط كحجر ثقيل للحضيض ،
الضحايا هذي الليلة يجتمعون على موائد الرحمن ،
تبلسمت جراحهم فوراً ، والشظايا التي قتلتهم،
توشي ملابسهم ، المزركشة بحلي ونجوم وأقمار ،
ونداوة قبلة الأم على وجنتي الطفلة ، ما زالت تفوح بأريج منعش
أسكر الملائكة المقربين ، حينما دنوا من المكان ،
الهدوء والحبور يغمر نفوسهم ،
فيما الإضطراب والحريق والدخان ،
لا يزال يعم مكان الإنفجار ،
رجال الإطفاء يخمدون النيران ،
وسيارات الإسعاف تزعق بحدة ، وهي تنقل المصابين للمستشفيات ،
المنظفون منهمكون ، يزيلون آثار الجريمة ،
ولكنهم لا يدركون ان أدق التفاصيل ،
باقية بإصرار ، لم تتزحزح من مكانها ،
ولم تعبث بها يد بشرية ،
كل الأشياء محفوظة بعناية ،
كل الأشياء مصنفة ، حسب النوايا الطيبة ،
أو الأحقاد الدفينة ،
في أرشيف الله ، الذي لم يطّلع عليه أحد :
قبلة الأم ، وشرائط الضفيرتين الحمراء ، وحقيبة الظهرالمدرسية ،
وكل الأشياء الصغيرة التي لا تثير الإهتمام ، والتي لا قيمة لها
صورة أشعة أكس النصف محروقة ، بيد مقطوعة ،
وباقة الزهر المرمية على الرصيف المغطاة بالهباب،
لم ينس الله أن يسجل حتى المكالمة الهاتفية بين حبيبين،
صوت أنثوي مرتعش يتموج في أثير المكان ،
نبرة خائفة وسؤال من كلمتين : ( وينك حبيبي ) ،
وقبل أن تسمع الجواب ، دوى الإنفجار في أذن الحبيبة ،
كل هذي الأشياء محفوظة بعناية وبدقة ،
وأشياء آخرى لا يعرفها أحد أبداً ،
محفوظة في أرشيف الله ، مع اللوح المحفوظ .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| شروق حمود : “عن المعاناة” للشاعر: شو جيانغانغ.

المعاناة شاعر يمشي على الطريق الشائك متلفحآ بصليب المعاناة صلاة الشاعر اليومية قبل العشاء شكرآ …

حيدر الحدراوي: الشعوذة والموروث الشعبي

توارثت الشعوب عادات وتقاليد اعتبروها بديهيات مسلم بها ، لا يحق لفرد نقدها او مناقشتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *