ناظم السعود : لا صحافة أدبية في العراق (13) روائي جديد اسمه عامر حمزة (2/1)

nadum alsod 6إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر الكتاب الجديد للناقد والصحفي والمجاهد الثقافي العراقي الأستاذ “ناظم السعود” “لا صحافة أدبية في العراق” على حلقات. وناظم السعود مدرسة صحفية عراقية أصيلة ، وقلم نقدي بارع ، وسمته المشتركة الأهم في الحقلين هو أنه مبضع لا يهادن، ولكنّه مبضع جرّاح فيه الشفاء للنصوص والنفوس العليلة، فناظم لا ينسى دوره التربوي الخلّاق أبدا. في هذه الحقات دروس عميقة ثرة من تجربة السعود.. فتحية له وهو يبدع وسط لهيب محنته.

المقالة :
حال أن أكملت القراءة الثانية لرواية ” سابرجيون ” حتى قلت لنفسي : إنها رواية ممتعة وروائي جديد علي ان أتابع مدوناته واحتفي به ! ولم اقل هذا اعتباطا او بلا حيثيات تسنده بل ان لدي ما يدعم هذه النتيجة ويزيد عليها ، ولكن قبل ذلك لا بد من السؤال : هل ان اسم الكاتب ( الروائي هنا ) جديد علي وهل انه يكتب في الأدب لأول مرة ؟! وقبل ان تأخذ القارئ ظنونه بعيدا أسارع بالقول إنني قد عرفت ” عامر حمزة ” في مستهل عقد تسعينات القرن الماضي في بغداد أثناء سكني فيها وكان هو ، إضافة لمجموعة من الأدباء او الساعين في دروب الأدب ، ممن تعرفت عليهم وحاولت ان أمدهم بنصائحي وملاحظاتي المسبقة لكي يتجنبوا ( مخاطر الاختيار ) فيما لو استمروا في دربهم الوعر هذا ،لكنني – أقولها لكم بصراحة – قد ميزت فيهم عدة وجوه تمتاز بالجرأة والطموح والرغبة بالاستزادة من الفن الذي اختارته من بين فنون التعبير المحيطة بهم او ما سمعوه وقرأوه عن البارزين فيه وعندهم الرغبة والموهبة بالوصول الى قامات المعروفين والمشهورين بل تجاوزهم إن أمكن ، وكان من بين هذه الوجوه التي ميزتها واهتممت بها شخصيا: حوارا ونشرا ومتابعة هو .. عامر حمزة !.
ومع ان ذاكرتي الان عليلة وضعيفة ومنتهكة بفعل الأمراض إلا ان هذه الأسباب لا تمنعها من استذكار ذلك الشاب وحيوته البارزة في التقصي وكثرة السؤال عن الفن السردي وظلاله ومناحيه وكيفية البروز فيه والتعمق في أساليبه حتى
يصبح من المعروفين فيه ومن أصحاب الأساليب الجديدة فيه ، ووجدت إضافة لطموحه الكبير موهبة أصيلة في السرد القصصي قوامها البحث وكثرة السؤال والقراءة ، ولا اعلم اليوم ان كنت قد نشرت له أثره الأول المميز بعنوانه ومضمونه وقد ظهر تحت مسمى لافت هو( الفلكة ) ام أنني قد نوهت به وبمميزاته العديدة في الصحف والمجلات التي كنت أحررها واشرف عليها يومها ، وأدركت في ذلك الزمن المبكر أنني أمام موهبة سردية لا بد ان تنث علينا أثارا وعناوين ، والذي يقرا ( الفلكة ) جيدا كما فعلت ويتأمل فيها بجد تلك الإمارات التي تميز صاحبها وتكبر الظن في ان عامر حمزة سيعثر على طريقه المميز يوما ما وسيحقق الجدة فيه .
وبعد أكثر من عشرين عاما على تلك المعرفة ( تخللتها حروب وأمراض و مآسي الترحال ) وصلني اتصال هاتفي مفاجئ وقال صاحبه ( أنا عامر حمزة وستصدر لي بعد أيام رواية من بيروت ) وقد عرفت الاسم منذ الوهلة الأولى رغم جور السنين والبعاد لكنني تساءلت مع نفسي : لماذا يكتب عامر الرواية وأين أصبحت القصة القصيرة التي بدا معها في التسعينات وماذا حقق فيها ؟؟ كنت آمل أن أجد جوابا على أسئلتي اللجوج ولكني شعرت ذاتيا ان ” عامر حمزة ” قد ترك عالم القصة واقبل الى كتابة الرواية بنفس اكبر وهمة عالية وطموح غير محدود بإيصال هذا الفن الجديد الى مرحلة التمني وتحقيق ما يبحث عنه طوال عمره من جدة ومعرفة وشهرة !.kh amer hamza
وبسبب المرض وتداعياته أجد صعوبة في قراءة الكتب الورقية ولهذا طلبت منه ان يرسل الي نسخة رقمية من الرواية المذكورة إلى عنواني البريدي حتى اقرأها واتملاها جيدا ، وهكذا بعد مرور يومين وصلت إلي نسخة رقمية وأخذت أطالعها ببطء حتى أكملتها ثم جرتني القراءة مرة أخرى حتى اكتب ملاحظاتي عنها وافحص ما تغلغل في نسيجها من تقنيات وأساليب الكتابة بغية ان اعرف الجديد فيها واستيعاب العالم الذي سعت الى تأصيله في ذاكرة من يقراها ، ولكم أن تتصورا مدى فرحي بهذه الرواية وعنوانها المنحوت ببراعة ( سابرجيون ) ليدل على التماه المقصود بين العنوان ومضمون الرواية وكيف ان السارد قد اجتهد ليدمج العنوان والتفاصيل في أهاب سردي واحد بحيث يدل الجزء على الكل ويمكن استقطار التفاصيل والأجزاء المضمرة من ” كل ” الرواية وهذا ما سنأتي بالتحليل اليه .
لست الوحيد الذي يحسب ان ” موجهات القراءة الخارجية ” هي خير من يأخذ بيد القارئ –ايا كان – ليدخله عالم النص ويفتتح أمامه سبل القراءة بعد ان يعي مغاليق وشفرات وغائية النص ان كانت غائبة او ميسرة للفحص والاستنتاج ، هذه الموجهات الخارجية قد لا يعيها الكاتب او حتى لا يعطيها أهمية تذكر فيترك القارئ عندها وحيدا ولا يمكنه ( ان كانت إمكاناته محدودة ) ان يكشف مغاليق النص او يتفاعل معه بلا اسنادات تذكر من الكاتب بمعنى ان عليه ان يجهد نفسه ويستخلص من المكتوب ( وهو بمثابة الموجه الداخلي للنص ) ما فيه من مضامين ورموز وشفرات وهذا أمر صعب بل من المستحيل اليوم ان يفك القارئ او المطالع طبقات النص وحده من دون موجهات خارجية ومساعدات المؤلف: ونجد هذه الموجهات في اكثر من شكل وصيغة ويمرر الكاتب معانيه المضمرة من خلالها مثل :

غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن
غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن

الغلاف الخارجي الأول ( بما يضمه من صورة وعنوان ودار النشر ) إضافة الى الإهداء ، ثم هناك رقم الطبعة وتاريخ انجاز الكتاب وطبعه ولا ننسى ان كلمة التقديم ( ان جاءت بقلم المؤلف نفسه او تولاها احد سواه) هي إحدى الموجهات الخارجية لأية قراءة فمن خلالها يمكن للقارئ معرفة ما غمض عليه او الكشف عما استغلق بوجهه وإمكاناته القرائية ، وقد عددت الموجهات الخارجية ويمكن لها ( ان وعاها الكاتب ووفرها مسبقا لقارئه) ان تصير عونا للقارئ ونافذة مشرعة للاطلاع والاستدلال على فحوى النص ودلالاته ، ولكن قارئا مثلي ( يعتمد على نسخة رقمية في جهازه ) عليه ان يتصابر لو تضاءلت هذه الموجهات الخارجية او حتى انمحت لأنه يعتمد ألان على قراءة النص فقط من دون بقية الموجهات او لعدم وجودها بسبب طارئ صحي ، ولهذا فان عليه ان يشحذ إمكاناته القرائية واللغوية للوصول الى معاني النص واستنطاقه حسب ما هو متوفر أمامه .. وهذا ما سأقوم به في العدد القدم .
( يتبع )

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *