عصام القدسي : الانتظار

esam alkudsiانه عم أبي ، أو ابن عم أبيه ـ لم افهم بالضبط ـ ، انقطعت إخباره عنه منذ زمن بعيد وحين أعددت عدتي للسفر الى المدينة بحثا عن عمل طلب مني أن اقصده لمعرفة إخباره كما انه توسم فيه أن يساعدني في إيجاد العمل المناسب ..ولم أكن رأيته من قبل إلا أنني كنت اسمعه يتحدث عنه حكايات تدعو الى الفخر والمباهاة لنبل خلقه وسعة كرمه وعلاقاته الاجتماعية المتشعبة،التي اكتسبها من خلال مركزه الوظيفي الكبير الذي يشغله،وحين وصولي الى المدينة لم يكن من الصعب الاستدلال على بيته بعدما وصف لي أبي العنوان أكثر من مرة وبالتفصيل الممل . في صالة الضيوف ،التقيت به: عجوزا هرما،هزيل البدن،يمعن طويلا من خلال زجاج نظارته السميك،قبل أن يتبين الأشياء،وحين رآني استقبلني،ببرود ومد يده، وصافحني بتراخ،عرّفته بنفسي فأشار إلي بالجلوس ،كنا نجلس على مقعدين متقابلين.كان يغوص بمقعده ،صامتا تفصلني عنه منضدة مستطيلة ،عليها منفضة سجائر كبيرة، افترشها بكيس أنيق من التبغ الجيد وولاعة قديمة فاخرة،وانشغل عني ينظف غليونه المطعم بالمينا،كان يسلكه بسلك معدني،ببطء شديد وبعدما انتهى شرع يحشوه بالتبغ .نظر إلي من خلال نظارته،وقال بصوت متحشرج:

ـ قلت لي ،من أنت .!!

ـ أنا بعث بي أبي للسؤال عنك.

هز رأسه بلامبالاة ،وعاد ينشغل عني شارد البال ،كنت أراقب ارتعاشه يده،وهو يمسك بالغليون ،وادقق النظر بتجاعيد وجهه وهيئته ،ورأيته يفيق من شروده.انتبه إلي،ورمقني بنظرة ذابلة،وكاد يتكلم ولكنه ظل صامتا،ومرت الدقائق والصمت يرين على جلستنا،فرحت أجول ببصري في الصالة،كان الوقت عصرا، وقد خيم جو قاتم على المكان ،بسبب ستائر النوافذ المغلقة ،فبدت واجمة: المقاعد، والمناضد الصغيرة،وآنية الزهر البلورية، بأزهارها،والساعة البندولية الكبيرة،على الجدار واللوحات القديمة والصور الشخصية المؤطرة،،كنت اسمع زقزقات العصافير تأتيني،من صوب الحديقة خلف النافذة،خافتة. ودخلت امرأة كبيرة السن ـ هي كما علمت فيما بعد ـ قريبته تهتم به بعدما ماتت زوجته ـ واتجهت،الى الستائر تزيحها،وانصرفت وما أن اندلق الضوء في المكان،حتى شاعت حالة من البهجة،في داخلي،بعدما بدأت اسأم الجلوس راكدا، واعتدل العجوز بجلسته،ونظر الى وجهي وهو يشعل عود ثقاب ويدنيه،من فوهة الغليون،حتى يلامس التبغ ثم يلتقط أنفاسا متقطعة من الدخان وعاد يسألني من جديد :

ـ أنت وابني في نفس(الوحدة )..أليس كذلك؟

ـ أنا فلان جئت من..

فقاطعني قائلا: ـ اجل..اجل..

وسحب نفسا طويلا من غليونه وواصل،متحيرا:

ـ متى ستنتهي هذه الحرب اللعينة.؟

وكدت اسأله عما يرمى إليه وعن الحرب التي يذكرها.؟ وترددت قليلا،وأنا أفكر أن أقول شيئا ،ولكنه راح يحدثني عن ابنه، بجمل بطيئة متقطعة . ومرقت من أمامنا المرأة قادمة من المطبخ فاستوقفها،بحركة من يده،وجعل يسألها:

ـ أعددت الطعام الذي يحبه.؟

والتفت إلي قبل أن يسمع ردها ،وعاد يخاطبني:

ـ انه قادم اليوم .فاليوم موعد إجازته،سيدخل علينا فجأة،ربما هذه اللحظة.

وتوقف يسألني عن الوقت،نظرت بساعتي :

ـ إنها السادسة .

ربما لم يصدقني،فهب من مجلسه واقترب من الساعة على الجدار،وراح يطيل النظر إليها:

ـ تأخر عن موعده ،ربما تأخرت به السيارة،فالطريق طويل.ولكنه سيأتي على كل حال .

ووضع ساقا على ساق ،فتكور وغاص أكثر بمقعده وهو يسترسل بالحديث عنه ،وسمعت زقزقات العصافير تحتدم في الحديقة،ودخلت الصالة قطة ،سوداء مرت ،بمحاذاة شباك الغرفة ،توقفت لحظة وأخذت تتأملني،كما لو إنها متعجبة من وجودي،وتحركت مقتربة مني وجعلت تمسح ظهرها بساقي وهي تتثاءب ثم لم تلبث إن تابعت سيرها الى الداخل ، ولاحظت الإعياء في وجه مضيفي،:

ـ سيأتي الآن،أو بعد ساعة بالكثير. ابق حتى تراه..

ـ دون أدنى شك..

ومرت الدقائق ثقيلة وانهمك الرجل، يدخن بقلق ،وهو ينقل بصره بيني وبين النافذة،ثم يعود يثبته على الساعة البندولية،ويده الأخرى تستند على ذراع مقعده،يهزها بين الحين والآخر،وبدأ المساء يزحف ،وتسللت الظلمة تحتل المكان،وانطفأ الغليون ،وتراخت يده عنه وهي تضمه،وتهدل رأس العجوز وتوقفت يده عن الاهتزاز،نهضت بهدوء،وانسللت من مكاني بخطى بطيئة وانصرفت ..

وأنا في طريقي الى الخارج لحقت بي المرأة العجوز وهمست في أذني قائلة:

ـ لا يريد التصديق أن الحرب انتهت منذ زمن بعيد وان ابنه غيبته معها.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. ميسون حنا : مسرحية “الحلم”.

مسرحية من أربع لوحات سأنشرها تباعا ، مثلت هذه المسرحية ضمن فعاليات مسرح الهواة عام …

| كفاح الزهاوي : عندما يذوب الصمت .

    استيقظت من النوم ولا زلت اشعر بالنعاس. قفزت من الفراش بتنهيدة وتثاؤب بصوت مرتفع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *