عندما يكون بطل القصة القصيرة طفلا.. فرج ياسين نموذجا

الناقد د.ثائر العذاري

يمكن أن يلحظ قارئ فرج ياسين بسهولة ظاهرة ما فتئت تغلب على أدبه, التركيز على ثيم الطفولة عبر أبعاد متنوعة وتقنيات متعددة، غير أن الشخصية الرئيسة في القصة القصيرة عندما تكون طفلا فإنها تطرح إشكالات فنية يمكن أن تكون واحدا من مصادر المتعة الجمالية في هذا الفن الذي يتسع لمديات غير محدودة من الإبداع.
فمما لا شك فيه أن القصة تهدف بالمرتبة الأولى إلى أن ترينا العالم كما يراه راويها الذي قد يكون البطل أو غيره، عبر ما يعرف بزاوية النظر أو وجهة النظر (Point of view). غير أن تصوير العالم بمفاهيم طفل قد  لا يكون بالأمر اليسير. وفي قصص فرج ياسين تنويعات كثيرة اشتغل عليها في مجال زاوية النظر لبطل القصة الطفل.
ولعل أبرز تلك التنويعات أن يكون الراوي هو البطل (الطفل) نفسه، كما في قصة (حافات السنين المدببة) في مجموعته الأخيرة (رماد الأقاويل)، فالشخصية الرئيسة (علي) الصبي الذي يحب التهرب من المدرسة يعرض عالمه على القارئ برؤية الطفولة التي يمتزج فيها المتخيل بالواقعي والصادق بالمختلق، ولذلك يرى القارئ عالمه غرائبيا وربما سحريا. وفي الجزء الأخير من القصة يمكننا أن نلاحظ كيف فسر شعوره بأول تجربة شبقية يمر بها:
((كان ثمة لفحة من هواء مداث بصدأ الظهيرة ، انسلت من مساحة الفراغ التي خلفها الباب الموارب ، مع بقعة من نور الشمس ، حطت في وسط اللوح ، مثل كف منزوعة الأصابع مكبرة عشرين مرة ، جعلت ترتفع وئيداً حتى غشي اثنان من أصابعها عيني وأطفأهما . لكنني سمعت لهاث العجوز ، ورفعني عطرها إلى أزقة الروح ، مستتيماً إلى وخزات أعضائها في أماكن مختلفة من جسدي ذّرت في القلب حرقة غامضة كالحلم ، بعدها أخذ جسدها يتقبض في مثل زفرات طفل مقرور ، صرخت لا، لا. ثم فاح لعاب دبق وملأ بأبخرته فضاء المكان)).
ولأن القصة تروى هنا من زاوية نظر الطفل يمكننا ملاحظة البراءة والسذاجة في تفسير الظواهر.
غير أن واحدة من مشكلات البطل الطفل تحدث حين يكون الراوي أحد البالغين كالأم أو الأب، ويبدو من الصعب عليه فهم رؤية ذلك البطل، كما في قصة (ثوب بنفسجي قصير الأكمام)، وهي واحدة من روائع قصص الحرب، إذ تصور مأساة إنسانية مؤثرة، أم في ريعان الشباب قتل زوجها في الحرب التي حين وضعت أوزارها كان ابنها الوحيد قد بلغ الثامنة من العمر، وبينما كان الناس يحتفلون بوقف الحرب شعرت هي بمرارة الفقد وحرجها أمام ابنها الذي كانت تعده بعودة أبيه محملا بالهدايا. تظهر الأم وهي تصلح ثوبا بنفسجيا زاهيا لتوهم الصبي أنها تستعد لاستقبال والده، غير أن ما يغيب عنها قوة الحدس الذي يتمتع به الأطفال إن من الصعب أن لا يشعر طفل في الثامنة بوفاة والده، لكنه مع ذلك يقنع نفسه بوعد أمه، وهكذا نرى صورة الطفل من زاوية نظر أمه وهو يقوم بحركات غير مفهومة، إذ لا يبدو سعيدا بذلك الثوب الزاهي ولا بالوعد المغري خاصة حين تصيب إبرة الخياطة سهوا أحد أصابعها:
((…….ثم كشف عن وجهه، ورأت الى عينيه وهما تعلقان في الفراغ مطوفتين حول صورة أبيه المعلقة على الجدار المقابل.))
لم تكن نظرته تشي بسعادة المنتظر عودة أبيه الوشيكة. بل كانت نظرة غير مفهومة (في الفراغ)، وكان رد فعله على وخزة الإبرة لافتا هو الآخر:
((رفس الغطاء ثم استوى قاعدا في الفراش، واقترب حتى أصبح الإصبع الدامي بين عينيه، فاتسعت حدقتاه ورتق الذعر صفحة وجهه المدور العميق السمرة، كانت قد أمسكت بإصبعها المصاب واعتصرته، فنفرت قطرة واحدة من الدم، وتكورت مترقرقة تحت ضوء المصباح.))
لم يكن جرحا بل محض وخزة ابرة بسيطة، ومع ذلك هزت كيان الطفل وملأته ذعرا، وهذا السلوك كشف معرفته بمقتل أبيه التي يريد عدم تصديقها بالانصات مرارا الى وعد أمه. والمهم في مثل هذا النوع من القصص ملاحظة عدم قدرة الراوي البالغ على تفسير سلوك البطل الطفل وفهم حقيقته.
وثمة حالة أخرى يفيد منها فرج ياسين في تكوين مبنى جمالي مستمد من شخصية البطل الطفل، حين يسترجع الراوي البالغ أحداث حكاية حدثت له في طفولته، وربما كانت قصة (رماد الأقاويل) أفضل نموذج لهذه الحالة حيث يحاول الراوي العجوز تفسير واحدة من حكايات الطفولة:
((    قبل أن يظهر لنا هذه المرة ، في الحوار ، كنا قد استدعيناه من حرائق طفولتنا ، لكن السنين العجفاء جعلتنا نغص بهباء الاكتشاف . نعم ، كان رجلاً! وفي محاولة أخرى لطواف الفكرة حول نفسها ، وكان يظهر عارياً على شاطئ حصوي تحف به أجمات الغرب الصغيرة . وفي محاولة أخرى حصلت في المستقبل الذي انقضى منذ زمن طويل: وكان ذلك في الصباح يطل من شاهق على أحلامنا الناعمة . أكان ذلك في كل صباح ؟.))
هنا يلعب القاص لعبة  التعارض بين مفاهيم الطفل ومفاهيم البالغ، فالرجل العجوز يتحدث عن شخصية شعبية كان ينظر اليها على أنها شخصية أسطورية  أو فنطازية سحرية عندما كان طفلا، غير أنه لا يستطيع تفسير ذلك الفهم الآن وهو في عمر الشيخوخة، في الوقت نفسه الذي يصعب عليه فيه نبذ تلك التفسيرات الطفولية والتخلي عنها، وبعد سرد مفصل لتلك المفاهيم والتفسيرات البريئة يقرر في النهاية الاستسلام لها:
((    لشد ما تراءت صورته في ذاكرتي ، مرة يسوح في الأقاويل ، ومرات كثيرة ينتصب فرداً أمام عيني غلام مرنقتين بضباب غبش شتائي ، يخرج عارياً من خلف خرائب القلعة ، فوق عش اللقلق ، يحمل صحيفة مملوءة ماء ويولي وجهه شطر أفق يقف على رؤوس أصابعه ، منتظراً خيوط الشروق الأولى ، بيد أنني انتظرت أعواماً أخرى ريثما تهدا الضجة ويكتمل نصاب الأقران . لكن الجلسة التي ظلت قائمة منذ ثلاثين عاماً لم تتسع الآن ألا  لعكازاتنا المتصالبة تحت الأرائك النخرة .))
فرؤية البطل الطفل عصية على الفهم من قبل البالغين، حتى لو كان ذلك البالغ هو الطفل نفسه بعد بلوغه مبلغ الكبار.
وفي قصة لافتة أخرى يقدم فرج ياسين طفلا غريبا. طفل في الخمسين من العمر، في قصة (الصرة)  المنشورة في مجموعته (حوار آخر). فبطلها (عباس) وحيد أمه، أوقف نفسه لخدمة تلك الأم استجابة لتعلقها به، ومرت أعوامه الخمسون من غير أن يكتسب أية تجربة معرفية اجتماعية إذ لم يختلط بأحد من الناس وبقي متمسكا بالتفسيرات الطفولية للحياة. ويبدو أن الأم كانت هي الأخرى راغبة في ذلك:
((- حسنا لقد كانت له أم وكانت تحتفظ به بشدة، لقد كانت تسميه (الطفل)، وهو في الخمسين. إنها تجلس بعد مغيب الشمس من كل يوم عند عتبة البيت، فيداعبها الكبار والصغار قائلين: ما الذي تنتظرين يا أم عباس فتقول: إنني أنتظر الطفل …….))
واللافت في القصة أن القاص يصور سلوك بطلها كأنه لا يملك وسيلة للاتصال بالعالم سوى السمع فهو لا يستفيد أبدا من عينيه، وهذه إشارة واضحة الى أنه كما لو كان ما يزال في الطور الجنيني من حياته، وحين تموت أمه يغرق في متاهة الحياة التي لم يتعلم كيف يسلك طرقها:
((… وهو الآن لا يناقش ما يستمع إليه،إنه يتلقاه فقط. وقد تخجله حرية الآخرين، ليس لأنها تخرج عن الحدود أحيانا فهو يعرف أن لا حدود بل لأنه لا يستطيع أن يتصور الحرية بدون أم.))
إنه (طفل) يتلقى العالم بانطباعات فورية ومن غير محاولة للتفسير، ولا حدود عنده لأي شيء، والحرية عنده هي الحياة في كنف أم راعية يتصرف أمامها كيف شاء من غير خوف ولا وجل لأنها هي من يوفر له الحماية.
وبعد مراجعات مع النفس يقرر عباس تلك الليلة أن لا يبيت في بيته الذي خلا من أمه ويعود إلى محلج القطن الذي يعمل فيه ليجده مقفلا، حين ذاك:
((…. قرفص الى جانب الباب وشبك يديه فوق ركبتيهثم أغمض جفنه الخدر…. لكنه ظل متزملا بمعطفه الأخضر الثقيل وبالكوفية راح الآن ينشرها ويلفها حول رأسه ووجهه، وبعد قليل أسند كتفيه الى الحائط، وجعل ظهره متجها للريح….))
من الواضح أن (عباسا) يتخذ هيأة الجنين ويصنع من ملابسه ما يشبه رحما يعزله عن العالم فهو يرفض أن يولد. أما (الصرة) فهي اللغز الذي حيره فقد ورثها فيما ورث من أغراض في صندوق أمه صرة صغيرة من القماش الأسود لم يجرؤ على حل عقدتها واكتشاف ما بها واكتفى بمحاولة الحدس. لكنه في آخر أسطر القصة بعد أن اتخذ تلك الجلسة:
((…. لكن أصابعه لامست الصرة في جيبه فاستوى جالسا وأخرج الخرقة السوداء، وبخفة متناهية أعمل أصابعه في حل عقدتها، لكن الذي هاله أنه لم يجد شيئا في داخلها. لقد كانت قطعة القماش الخشنة تلتف على نفسها عدة مرات ليس إلا.))
يبني القاص هنا مفارقة لغوية فالصرة في اللهجة العراقية تشير أيضا الى (السرة) مكان ارتباط الحبل السري الذي يغذي الجنين. وهكذا كان انحلال عقدة تلك الصرة الولادة الإجبارية للبطل بعد موت أمه رغما عنه وعلى الرغم من رفضه تلك الولادة.
وهكذا يمكننا ملاحظة كم من الجمال الفني يمكن تتضمن قصة قصيرة تتخذ طفلا شخصية رئيسة فيها. خاصة عندما يأخذ القاص وجهة نظر ذلك الطفل بنظر الاعتبار.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *