عدنان أبو أندلس : بوح العشق القاتل لأصغر شاعر عربي؛ الشاعر المصري منير رمزي في قصيدة “الحب ُ في معبدي”

adnan abu andalus“ما أنا لاشيء ،مخلوق تتجاذبهُ الأحزان ، وترتبط على صخرة قلبهِ ”
منير رمزي

يتدّرج الميل للآخر، بدءاً من نظرة إعجاب مكلَّلة بتجاوب ضمني ، وصولاً إلى إنشراح اللحظة ، والتي تدعى بـ القاتلة – الفورية ، ويأتي بعدهاً كماً هائلاً من مواعيد فرح ووجد وسخط مروراً بهوس عشقي ملموس ، هذا المنحى الإحصائي المتدرج بقوة عاطفة تسيرهُ ، وهذا التشابك العيني ينمُ عن تصدّع \توهج في فترة مراهقة أولى باذخة في الهذيان من حيث السهر \ الأرق \ الكتابة بالدمع والميوعة والعاطفة وتراتيل خافتة في معبد الحب.
أن الدفع النشط من قِبل قوة روحية مكمنة بأعماق العاشق ،هذه القوى تبث لواعجها بفترات حال النضوج بالجذب ،فالإستحواذ يشكل هاجساً يقظاً في ذاكرتهما معاً – العاشق والمعشوق – حيث يودّان لو أن يدّاهما تطال قبة السماء لإلتقطاها سوية وأودعاها في سويداء القلب، فتراهما يسرحان في خيالها المرير والذي يتحول تدريجياً إلى عاشق – بائس – يائس – متألم – متأمل ، أنها حياتهِ طواعية وهو لم يكمل العشرين من عمرهِ ، ذلك البوح الفطري أُملي عليهِ هذه الصفات القهرية اللذيذة ،فنرى تجربتهُ قاسية ونفسيته حادّة تلازمهُ كل حين ،معبراً عنها بخطاب سردي – سطحي – معلن – يلاقيه حس الآخر ، وما قصيدتهُ – الحب في معبدي – هي على هذه الشاكلة من العلن وعتاب ووصايا ولائمة مرسلة :
لِمَ لا تحُثينَ خُطاكِ إلى معبدي
وتتنفسين الهوى في جو صومعتي
أتخافين أضواء الشموع
أم قد ملأت رئتيكِ
بأنسام من الوادي !
أتحسس في هذا المقطع وبالذات مستهلهُ – إكتئاب شفيف ولوم بتدّلل والذي مردهُ إلى فترة غياب قصدّي ربما حصل نتيجة جفاء آني – فحث الخُطى – هو الإسراع في السير بقصدية الرؤية من الإشتياق للقاء مرتقب ومعين بموعد مرتب لهُ – خلوة – مقابلة وغيرها من مكملات التعاشق الروحي – معبد الحب – هو مكان التلاقي المعهود – اللقيا المكمل للتنفيس والهوى في جو بهيج يخلو من أعين الرقباء – فالتنفيس الآني زفرات الإحتباس واللوعة .هناك لائمة قبل التلاقي وهي الإقتراب من الكشف العلني للإضاءة الروحية أو البقاء في أجواء رطبة – حبيسة – قهرية من منغصات اللقاء كونها قيد حالت دون ذلك :
سترمقين لون الحب في معبدي
وتحسين الحب ملء فؤادك
حُثي خُطاك إلى معبدي
وإرتشفي الحب حيث لا نسمات من الوادي
وانظري إلي بالعيون التي
تملأها الأكاذيب المنغمة monir ramzi
كما ورد في بوحهِ الفطري من خيارات اللقاء وتبدل مظاهر الحياة بعد حالة إنتشاء – – دغدغة مشاعر مكبوته ومن جماليات التقابل البصري .
يلاحظ أنه إستخدم في خطابهِ النثري المسجوع في ترصيع قوافيه وهذا ما إعتاد عليه شعراء جيل الأربعينيات من القرن الفارط – فالقصيدة كتبت في أنذاك حيث لم يبلغ شاعرها السابعة عشر،لذا أعتبر أصغر شاعر عربي في حينهِ ولا يزال ، فلغتهِ البسيطة المسطحة والمكثفة بنثرية توحد وضياع وتشابه تعابير إنشائية مطروقة وكأنها جاهزة لإملاءات العشاق ومذكراتهم في رومانسية معتادة : :
فما زلت أعبدها
ثم إهتفي في صمت صومعتي
ياحبيبي الحب ملء جفوني
كم هي جميلة
تلك الأنغام ؟!
يلاحظ أنه متوحد ذاتياً – هارب من مجتمع فتراهُ شريداً بهذه البقعة – بائساً وهو القائل : “أنا ما أنا لا شيء ، مخلوق تتجاذبهُ الأحزان وتربطه على صخرة قلبهِ ”
نعم هناك قوة هائلة يتحسسها ، تتماوج أمام رؤاه حتى عبر عنها ببوح لايراوغ به عن تورية أو إستعارة أو برمز بل جاء على سجيتهِ الفطرية وكشف عن مدلولات لسانهِ وما يمور بداخلهِ من نوائب عبر هذا النسيج الملون من التسطح اللغوي المبان ببثهِ وفق خلجات مكررة ومتشنجة بلائمة وعتب ، هو الذي حفر مذكرات عشقهِ على جدارية حرم الجامعة وتلقفتها اعين الصحب في مسارات معلومة حتى هذه اللحظة .
هو الشاعر العاشق الأصغر سناً في ذاكرة الأدب العربي منذ نشاتهِ وحتى الأن ،فهو الشاعر المنتحر عشقاً وشعراً والمعبر عنهُ بـ العشق القاتل – هذا ماوصفهُ النقاد الثقاة ومن معاصرية – إدوارد خرّاط و….لذا إستعنتُ بهما عن الكتابة عن الشاعر القتيل بالحب – بقصة حب فاجعة حيث أنهى حياتهِ الملتاعة بإطلاق رصاصة النهاية على راسهِ المثقل بداء الحب لنهار معتم في 25- آيار -1945 منهياً عذاباتهِ من عمره القصير بـ 20 سنة إلا أشهراً مأسوفاُ عليهاِ من شعرية نثرية مسجوعة أُعتبرت من بواكير قصيدة النثر الحالية .

كركوك 12-آذار -2015 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| سعد الساعدي : التاريخ الذي تكتبه القصيدة.. الكواز مؤرِّخاً .

إنَّ الناقد اليوم بحاجة لشيء جديد وطريقة اشتغالية جديدة، كمنهج يتماشى مع ما يجده أمامه، …

| الكبير الداديسي : بين التجريب وتبئير المشروع في روايات شعيب حليفي من “زمن الشاوية” حتى “لا تنس ما تقول” 1 .

بقدر سعادتنا بمثل هذه الملتقيات التي نجدد فيها الوصل بأصدقاء نعزهم ونحمل لهم في قلوبنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *