فاضل حاتم : أسفار في ذاكــــــرة الجمـــــر .. الكتابة الشعرية الواعية وقصدية الارتباط بالمتلقي

fadel hatamالكتابة الشعريّة عند عدنان حسين ، تجمعُ إلى مقومات الشعر ، من العاطفة والأحاسيس والخيال ، عنصراً آخرَ , ألا وهو الوعي في الكتابة والقصديّة بالارتباط بالمتلقي ..فإنْ كانت الكتابة : ((نتيجة لأقوال ناتجة عن ألف بؤرة من بؤر الثقافة)) فإنّها تلتقي أخيراً في مكان :(( ولكنّ ثمّة مكان تجتمع فيه هذه التعدديّة ، وهذا المكان ليس الكاتبُ كما قيل إلى الوقت الحاضر ، إنّه القارئ )) كما جاء في الإضاءة المعرفية التي وضعها الشاعر في بداية مجموعته الشعرية استشهاداً منه بكلام رولان بارت في كتابه المهم (هسهسة اللغة).
أسفار في ذاكرة الجمر… العنوان الرئيسي للمجموعة ، وهو إحدى ثلاثة عناوين داخل المجموعة :
1- أسفار في ذاكرة الجمر..وتضمُّ خمس قصائد
2- تناسخ الظلال…وتضمُّ أربع قصائد
3- غيمتان من جمر البداية..وتضم قصيدتين
وهناك قصيدتان في بداية الكتاب .. غرانيق الفجيعة وهرمونطيقيا .
يستمد الشاعر أسفار قصائده من الماضي من ذاكرة الجمر… الحروب ..الحصار ..الخوف .. الأصدقاء ..
الحريّة في الكتابة ، في بناء البيت الشعري ، عند عدنان حسين ، تتسعُ حدَّ الإحاطة برسم الصورة الشعرية ، فنراه يمتدُّ مرّة كمدِّ البحر ويختصر تارةً كالجزر ، وهو يرفع أشرعة القصيدة في بحار التجلي مع استرجاع المواقف ، والخوض في استعمال الرموز ، وتوظيفها عبر مداخلات في غاية الاتقان ، والتمكّن من توظيفها مثل الرموز الأسطورية ( أوزيريس)(شمس نيشتين)(مردوخ)(ميدوسا) وغيرها من الرموز التي شكّلت ،إحدى موضوعات الشعر العربي الحديث ، ونمت بحضورها الفاعل على يد الشاعر العظيم (بدر شاكر السياب).
– ففي المقطع الشعري (رؤيا غير متوقعة ) ضمن قصيدة ” شرانق الصلصال ” :
((يا شمس نشتين المعطر بالنبوءة والجلال:
أوقد بتنور الحقيقة جمرة الطوفان والفلك الأخير ..)) ص 66
– أو في قصيدة ( سفر المزامير ) :
(( على مر الجراح تجر ميدوسا على وادي القصب ، استار ليل الاوبئة)) ص 33
– وكذلك في قصيدة ( سفر الخلاص ) :
(( مردوك فلتلق الشباك…
حرمت جميع العشب من لقيا الندى ، صرخ الصدى
مردوك هيّا)) ص 29 adnan hussein abdullah  2
وكما أشرنا فيما سبق لقد شكّلت ذاكرة الجمر ،المنبع الثر لقصائد الشاعر عدنان حسين ، فقصيدته الأولى (غرانيق الفجيعة) لوحة بانورما ، رسم عليها الشاعر ما مرّ في البلاد من محن وحروب ، وضياع وقهر ، وحصار ، واستلاب وسط معمعمة الفوضى والتشظي :
(( صلبان مملكة الزوال تلوح في درب العروج إلى المشانق
عند أبراج الدخان))44 ص.
فالموت ، ذلك الشبح الرهيب ، حين يأتينا قبل أوانه (( لاشيء يوقف أذرع الموت الطويلة)) ، وهو ينشر شظاياه كأنّها بعوض يطن ، في سماء أيامنا ، ليخترق علينا أمننا ويهدّد وجودنا .
((للفجر كنّا نحشد الصلوات
حتى لا تبيض الطائرات على شقوق نهارنا عثّ القنابل
أو تقيء على ذبالة عمرنا نتف الشظايا
كنّا نخاف على بقايا خبز أحلام الطفولة أن يغطيها العفن.
كنّا ننام على مرايا صحونا كي لا تفاجئنا المنايا))

عدنان حسين وإن ابتعد عن القافية ، وقد جاء بها حسب حضورها الشعري أو الجمالي ، إلا إنّه اقترب من موسيقى تفعيلة الشعر الحر ، والتزم بها :
أتعبنَاكَ يا وطني
أتعبناكَ أتعبناكْ…
جرّدناكَ مِن معناكْ
عذبناكَ حينَ تجذّرَتْ أشواكُ خطأتِنا على مسراكْ
فامتلأتْ زوايا قلبِكَ الدامي بالطعناتِ والأشواكْ .
أورثناكَ تِرْكَتَنا من الأهواءِ والطغيان ، وبعضاً من حديدِ الحربْ
نقتلُ بعضنا فيها لكي يبقى الغرابُ على شمالِ الجرحِ في رؤياكْ .
أتعبناكَ في مسراكْ
دققنا ألفَ مسمارٍ على معراجِ خطواتِكْ … وكبلناكْ
فوقَ صليبِ زهوتنا وأغرقناكَ في بحرٍ من الآلامِ والخيباتْ . ص35kh adnan hussein 2
تتنوع المواضيع التي تتطرق إليها الشاعر عدنان حسين ، عبر مجموعته الشعرية (أسفار .. في ذاكرة الجمر)، وهو يشكّل حضوراً شعرياً بارزاً في ميدان الشعر العربي ، اليوم ،إذ من الصعوبة أن تعثر على شاعر ، يكاد لا تخنقه كثرة الأصوات التي تدّعي الشعر ، بعد غياب نجوم الشعر ، فقصائد عدنان حسين ،تقرأها وتعيد قراءتها ، وفي كلّ مرّة تتجلّى أمامك إمكانية هذا الشاعر ،الذي نحت قصائده في ذاكرة الشعر العراقي والعربي .
وختاماً لا أدعي إنّي وقفت على كلّ ما أبدع به الشاعر عدنان حسين ، ولكنّ هذه إشارة إجمالية للوقوف عند مبدع ، كان لابدّ منها ، وأنا أقرأ مجموعته الشعرية ،التي أهدانيها الجمعة الماضية في شارع المتنبي …

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| سعد الساعدي : التاريخ الذي تكتبه القصيدة.. الكواز مؤرِّخاً .

إنَّ الناقد اليوم بحاجة لشيء جديد وطريقة اشتغالية جديدة، كمنهج يتماشى مع ما يجده أمامه، …

| الكبير الداديسي : بين التجريب وتبئير المشروع في روايات شعيب حليفي من “زمن الشاوية” حتى “لا تنس ما تقول” 1 .

بقدر سعادتنا بمثل هذه الملتقيات التي نجدد فيها الوصل بأصدقاء نعزهم ونحمل لهم في قلوبنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *