عدنان حسين عبد الله : أَسفــــــــــارٌ .. في ذاكِرةِ الجمرْ

adnan hussein abdullah  2سِفْرُ التكوين ( I) :
يتوسّطُ الأرضَ
وعليه تستندُ السماءْ
هو أبعدُ اللحظاتِ في روحِ الوجود ، إلى أقصى رفيفِ الكائناتْ
هو قلبُ هذي الأرضْ ، .. حلقةٌ للوصل ِ بينَ رسائلِ النجمِ البعيدْ
ومنازلِ الضوءِ بقاموسِ الحياة ْ.
هو نقطةُ التكويّنِ في جذرِ المعاني .. نقطةُ الإلهامِ من وحي الإلهْ
.. تاريخُ كلِّ البرقِ في صُحفِ الغمام .
يمتدُّ من أقصى تفاصيلِ الترابِ إلى أقاصي ذرّةٍ في عمقِ فردوسِ البداية
.. درجٌ يُؤدي نحوَ شرفاتِ الوجودْ .
في شمالِ الملحِ والصحراء .. يعلو على قوسِ السماءِ ، كمثلِ إكليلٍ موشّىً بالكواكبِ والنخيلِ الغامقِ المخضرْ … في زرقةٍ تمتدُّ نحوَ اللاانتهاء .
هو هكذا من عمقِهِ يعلو الحمامْ ؛ ليطيرَ منتشياً إلى سقفِ الغيوم
هو هكذا من بِدءِ بادِئةِ الوجودْ
في سرّهِ حطَّ الإلهْ
كلَّ أسرارِ الحياه .
مِن عندهِ ابتدأ الشجرْ
في رحلةِ القدّاسِ بعدَ نهايةِ الطوفان
ليكوّنَ الغاباتِ في قِفرِ الترابْ ، ويمدَّ أنهاراً على أخدودِ أقصى الأرضْ
لتبتدئَ الحياةُ بعصرِها الصافي الجديدْ
ويكونُ نيشتينُ النبي – في أرضِ دلمونَ البتول –
يبعثُ الأزواجَ ، كي تعمَرَ الأرضَ الوليدةْ
ما بين دجلةَ والفراتْ .
هو هكذا من أوّلِ التكوينِ بادئةُ الحياة
لكنّهُ دوماً ضحيةُ طامعٍ أو عابثٍ فيهِ يسير.
هو هكذا من حولِ خُصْرِه
كلُّ الغزاةِ الجائعينَ لرشفةٍ من نبضِ سرِّه
أو نفحةٍ تهب الحياةَ ربيعها من سرِّ نخلِه .
سِفرُ الرؤيا II)) :

يمتدُّ جرحُ الروحِ في أرضِ النبوءة
ويظلُّ ينهمرُ النزيفُ على أناشيدِ المعابدْ ، من بِدءِ تَعمِيدِ الترابِ بماءِ أروركَ الوحيدة …
عندَ المسلّاتِ تنامى صوتُ مرودك البهي ، لن يُوقِفَ الليلَ المُلَبّدَ بالفجيعةِ والخرابْ ، غيرُ الذهابِ على مسيرِ النبعِ كي تجدوا رسولَ السرِّ في مَسرَاهُ ينبلجُ الجوابْ ، هو هدهدٌ لكنّهُ من عندِ مأربَ يحملُ الخبرَ اليقين .

– يا هدهدَ الرؤيا بِنا حَلّقْ بعيداً نحوَ أعماقِ المعاني كي نجدْ ، في حوّمةِ الإبهامِ معنىً للخلاص … نوقظُّ النورَ على رغمِ العدمْ .

– يا هدهدَ الميزانِ فتّشْ عن بقايا عشبةِ الفجرِ بأعماقِ الأزلْ ، وأتنا منها بنورٍ من يقين ، اسألْ بإيوان الغيومْ ، زيتونةَ الأبدِ العلية … عن حفنةٍ من نورِ أجنحةِ الملاك ، من نورِهِ يُشفَى الوطن …
– يا هدهدَ الرؤيا العظيمةْ … الق تعاويذَ الشِفاءْ ، فإلى متى في دورةِ الأشياءْ ، أرضنا البكرُ غنيمة ، أو قسمةٌ بين الغزاه ، عندَ إعلانِ الهزيمة …
– يا هدهدَ الأسرارِ خذْ ومضةً من روحِ كلِّ الكائناتْ ، والقِ نثيرَ الروحْ،
عندَ هاتيكَ السديمْ ، فلعلّ أنوارَ الحقيقة في ثقوبِ الليلِ تبدأ من جديدْ ، ويخفُّ وطءُ المجزرة ، فوقَ ثرى الأرضِ الذبيحة ، فكلُّ مدينةٍ في عمقِ هذا الليلِ صارتْ مقبرة .. صُبَّ زيتَ النورِ في أعماقِ هذا النخلِ من أجلِ النبوءة ، علّها تنشقُ ضوءاً كي نرى آياتِ بدءِ المعجزة .

من خرمِ أستارِ الظلامِ البربري ، سوفَ نستلُّ النهارْ .
وارمِ لنا من نجمِ جدرانِ الأبدْ ، ترياقَ سرٍّ نحتمي فيه من الداءِ الأشدْ .
– يا هدهدَ النورِ العلِي … لم يعدْ فينا مكانٌ للنبي في عصرِ تلمودِ الخطيئة … لم يعدْ فينا زمانٌ بابلي .. لم يعدْ فينا مكانٌ للمسلاتِ القديمة … نحنُ فينا اليومَ ظلٌّ يسحبُ الروحَ إلى أقصى الهزيمة .

سِفرُ الخلاص III)) :
( أبناءُ يَهْوَه الغائرون بحقدِ آلافِ السنينْ
خذلوا الإلهَ وعادوا في حائطِ المبكى على مرِّ السنين ، يبكون ماضيهم بما عاثتْ بهِ أيدي العبثْ
قتلوا الكثيرَ من النبوءة … )
– أبريلُ يا شهرَ الولادة
كسّرْ صخورَ الحاضرِ الهمجي كي يدنو كلامُ اللهِ من أرضِ اليبابْ ، وتبدأ الأزهارُ في كسوِ الصخور .. ينثالُ من نبعِ السماءِ نثيرُ ذرّاتِ الربيعْ ، يعلو جناحُ غمامةٍ بيضاءَ نحوَ منازلِ الفقراءِ في وادي الفراتْ .
أبريلُ جدّدْ نبضَ آلهة الورودْ ، لتعودَ من خلفِ الفراتْ ، بنتُ السماءِ وأختُ ربّاتِ الحمام … في خطوِها يخضرُّ عشبُ الأرضِ في فصلِ الجفاف … ستعودُ من بيداءِ أقصى الملحِ في نبضِ الجراحِ ( سمير أميس)
لتمتلئ السلالُ وتمتلئَ العرائشُ بالكروم .. ويعودُ دوريُّ العنبْ ، فوق أغصانِ الكروم ، يتلو نشيدَ اللهِ في فصلِ الولادة ، ستسيرُ في كلِّ الحقولِ (سميرأميس) ، وتهبُّ أمواجُ النسيم على السنابلِ وسطَ قدّاسِ الشعير ، تخطو فتتبعها الجداولْ .. ويحيطها سربُ الأيائل ، في العشبِ يرتجفُ الندى لمّا تمرُّ كنسمةِ الصبحِ النقية … في شَعْرِهَا المنسابِ مثلِ تماوجِ الغدرانِ في مسرى الصخورْ .. تتفجّرُ الغاباتُ في أوجِ الحياة ..
وتعودُ آشورُ على أبوابِها ” شيدو ” يقوم ، يحرسُ الأرضَ من الداعينَ للموتِ الزؤام .. لتعلوَ نينوى الخضراء فجراً في سماواتِ الأبد …

– إبريلُ يا شهرَ الولادة
ساعدْ بابلَ الخضراءَ في فصلِ اليباب … أنثرْ على وجهِ الظلامِ بذورَ إيقادِ الضياء ، في أرضِ أوروكَ الأسيرة … فجّرْ ينابيعَ الخزام ، حتّى يُغطي الأرجوانُ بفيضِهِ ثوبَ الرمالِ الباهتة … فوقَ التلالِ المتعبات ، ينسابُ فجرُ العشبِ في إيقاعهِ حتّى يعانِقُه الفرات .

– إبريلُ يا فصلَ البداية
في أرضِ سومرَ سيَّدتْ (تيماتُ ) فيها كلَّ أصنافِ الوحوشِ الكاسرة …
نَشرتْ على أصقاعِها ليلَ الوَباء ، أخفتْ بظلمةِ ليلِها نورَ الإله … فمتى يلوحُ خلاصُنا ، ومتى نرى (مردوكَ) يلقي فوقَ (تيماتَ ) الشِبَاك … ( تيماتُ ) فينا أَوقَدتْ جمرَ الوباء .. أحرقتْ كلَّ الحقول ، أركعتْ كلَّ النخيل ، صادرتْ صوتَ العصافير النقي ، غيّرتْ مجرى الجداولِ والسواقي في أراضينا البتول …

(مردوك ) فلتلقِ الشباكْ … مسعورةٌ (تيماتُ) تتبعُها الضباع ، لم تُبقِ للدوريِّ فجراً كي يطير ، قتلتْ جميع الوردِ في عشقِ الفراش … حرمتْ جميعَ العشب من لُقيا الندى ، صرخَ الصدى ( مردوك ) هيّا
لا تقفْ……………… ألقِ الشباكْ
……………………….
– إبريلُ يا شهرَ البدايةِ في النهاية
أنفثْ على أعشابِ قلبي نفحةَ العبقِ المشبّع بالأريج ، ربّتْ على أعشابِ أرضي واعطِنا سرَّ الهدوءِ الكامنِ المُنسابِ في أبعادِ زهرِ الأقحوان ، ليبدأ النبضُ المقدّسُ بالهديل ، ساعدْ الوطنَ المعنّى بالحريق ، اِبعث به سيلَ الرحيق ، حتّى إذا ما جاءَ من خلفِ التلال ، غيمٌ على أعتابِ بابلَ من جديدْ ، يخضرّ إكليلُ النخيل ، في رعشةِ الوطنِ العليل ، ليعودَ صوتُ الروحِ في وهجِ النشيد …
سِفرُ المزامِير (IV) :

المزمورُ الأوّل :

في ظلِّ أبعادِ اللغة ، فيما وراءَ معاجمِ الروحِ القديمة ، أقصى امتدادِ مسافةِ المعنى في ظلِّ ما رسمتْ أناشيدُ الملاحمِ من حياةٍ في تفاصيلِ الأساطيرِ العتيقة …
– يا شجرةَ التوتِ العظيمة ، مُذْ كنتِ شاهدةً على وقعِ الجريمة ، مُذْ صارَ بيرامُ النقي ، قربانَ عشقٍ للهزيمة ، من قبلِ طوفانِ الإله ، الحربُ في أوروكَ ما زالتْ مقيمة …
يا شجرةَ التوتِ العظيمة ، آتونُ هذي الحربِ دوماً لم يكنْ يوماً رمادْ ،
لم يُطفِئِ النهرانِ نهرَ النار في جسدِ الوهادْ ، لم يُوقِفْ النخلُ الحشودْ ،
حينَ استباحَ القادمونْ ، أرضَ أوروكَ الطهورْ …
يا شجرةَ التوتِ العظيمة ، مُذْ كنتِ شاهدةً على وقعِ الجريمة ، خُوَذُ الجنودِ على الحدودْ ، أعشاشُ دوريٍّ وبيتٌ للحجلْ ، وعلى ركامِ حديدِ أسلحةِ الدمار ، تتسلّقُ الأدغالُ أشلاءَ الجنود … والعوسجُ البريُّ يحتضنُ الركامْ ، وفصيلُ نملٍ مسرعٍ بينَ الجماجمِ والعظامْ ، فوقَ أقفاصِ الصدورِ بلامبالاةٍ تسيرُ في مهلٍ عناكب ، والطيونُ زهرُ العزلةِ الأبدي ينمو فوقَ أقحافِ الجماجم …

يا شجرة التوتِ العظيمة
فمتى نغادرُ سالمين ، ليلَ الهواجسِ والأنين ؟ ! … ومتى نرى في الروح ، فسحةً للناي يروي ظمْأة التوليبِ في همسٍ سماويِّ الرنين ؟! … ومتى نرى أسماكَ دجلةَ لاتخاف .. ممّا طفى فوقَ الضفاف …. !!!

المزمور الثاني :

[في مرايا الصحوِ تنثالُ الرؤى وهجاً يسيلُ على شقوقِ الروح في ليلِ غابات الحجر … لا شيءَ يأتي من شمال الجرحِ لمّا أجدبتْ هذي السماءُ من الغيوم … الملحُ يعلو في زوايا الروح ، فيخضرَ الألمْ ، ويسيل هاجسُ رؤيةٍ فوق الكلام … لتحلَّ فوق تفجّر الصوتِ نبوءاتُ المرايا … ] – يا أثينا ساعدينا وابتدي فينا ، فصلَ تحويلِ الحجارةِ في ترانيمِ الحياة ، امنحينا سرّ مرآةِ الإلهِ الصافية … ( فميدوسا) تجلّتْ في الخطايا مثلَ ثعبانٍ بعتمِ الليلِ ينفثُ سمّهُ في عمق أرواحِ الضحايا … حوّلتْ كلَّ النخيلِ إلى حجر ، جمّدتْ صوتَ العصافيرِ النبية ، جفّفَتْ ضوءَ القمر ، في إثرها يجتاحُ ثعبانُ الهلاكِ دروبنا . فوقَ دمائِنا تأتي الثعابينُ بليلٍ من أرقْ ، تغرورقُ الروحُ بدمعِ جراحِها لمّا يؤرّقُها الظلام ، وتسيلُ في أخدودِ صمتِ الروحْ… (أصداءُ الرثاء) :
ليلٌ على وطني
من عتمةِ الوثنِيّ
موتٌ على أرضي
صمتٌ غشى مدني
خوفٌ على النخلة
من نفثةِ الأفعى ..
قلبي يؤرّقني
كالوردةِ العطشى
قلبي يناديني :
قلبي على وطني….
– يا أثينا
لا ينتهي فينا الظلامُ فساعدينا واحرقي فينا شجيراتِ التعبْ ، على مرِّ الجراحِ تجرُّ ( ميدوسا ) على وادي القصبْ ، أستارَ ليلِ الأوبئة ، خلصي أرضي من اللعنة ، والبسي درعَ الذهب ، امنحي (برسيوس) سيفَ النورِ والترسَ الموشّى بالمرايا … لينقضَّ كنَسرٍ من لهبْ .. ويقطعَ الرأسَ القبيح ، وتدوّي الآفاقَ أصواتُ النشيد :
ستعلو دوماً الغيمة
فوق مفاوزِ العتمة
وتبقى تمنحُ النجمة
زيتَ النورِ والحكمة
ليعيدَ بعثَ الروحِ في الكِلْمَة
الكِلمَة الحرّة ، الكلمة الغيمة ، الكلمة النجمة
ستنبتُ في ضميرِ الأرضِ كالبذرة
البذرة الشجرة
ستعطي زيتَ حكمتِها
للدوريِّ والزهرة
وتحملُ قبّراتُ النورِ وسطَ قلوبها البذرة
البذرةُ الذرّة
ستنمو في عروقِ قلوبِنا ثورة
لتزهرَ من تفجّرها
كواكبُ أرضنا الحرّة
المزمور الثالث ( نشيدُ الاعتراف بالخطايا )

أتعبنَاكَ يا وطني
أتعبناكَ أتعبناكْ…
جرّدناكَ مِن معناكْ
عذبناكَ حينَ تجذّرَتْ أشواكُ خطأتِنا على مسراكْ
فامتلأتْ زوايا قلبِكَ الدامي بالطعناتِ والأشواكْ .
أورثناكَ تِرْكَتَنا من الأهواءِ والطغيان ، وبعضاً من حديدِ الحربْ
نقتلُ بعضنا فيها لكي يبقى الغرابُ على شمالِ الجرحِ في رؤياكْ .
أتعبناكَ في مسراكْ
دققنا ألفَ مسمارٍ على معراجِ خطواتِكْ … وكبلناكْ
فوقَ صليبِ زهوتنا وأغرقناكَ في بحرٍ من الآلامِ والخيباتْ .
وكمّمنا سماءَكَ من حرائقنا
فما عادتْ نجومٌ تملأ الآفاقْ
ولا غيمٌ يناجي النخلَ في الأفلاكْ .
أسلمناكَ للظلماءِ تنهشُ في جنونِ الشهوةِ العمياءِ لحمك …
أدميناكَ أدميناكْ … تسيلُ دماؤك الحرّى على الأفلاك .
بكى النهرانْ
لما تلامسَ موجُها فيما تبقى من دماكْ .
أتعبناكَ يا وطني .. أتعبناك

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| محمد الناصر شيخاوي : حديث الغدير .

جَفَّ الغديرُ وما جَفَّتْ مآقينا يا علي لَنْ نَكُفَّ عن البكاء ما حيينا فأعذر حُبَّنا …

| د. ميسون حنا : مسرحية “الحلم”.

مسرحية من أربع لوحات سأنشرها تباعا ، مثلت هذه المسرحية ضمن فعاليات مسرح الهواة عام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *