عصام القدسي : طائر الليل

esam alkudsiذات مساء خريفي موحش، ألقى بها في باحة دارنا ،طائر الظلام العملاق وهو يطبق بجناحيه الهائلين على المساكن الوادعة، التي تعصف بها الريح الكئيبة.وما ان خرجنا إلى الباحة لنتبين الامر ، حتى رأينا كتلة آدمية كبيرة ملفوفة بقماش أسود . وعندما اقتربنا منها اكتشفنا أنها امرأة بملابس سود تتكور على نفسها وهي ترتجف ، وتئن أنينا موجعا. حملها أبي وأمي إلى الداخل . بينما تبعناهما أنا وأختي التي هي في الرابعة من العمر والتي تصغرني بسنتين . ثم وقفنا أمامها يملأنا الفضول ، ونحن نرى والديّ يهتمان بها . وكدنا نعرف سرها ، لولا إلتفاتة من ابي الينا ، وأيماءة منه تأمرنا بالأنصراف. في اليوم التالي كانت المرأة تقف مع أمي في المطبخ ، تساعدها حينا وتحدثها حينا آخر ،وهي في أحسن حال . ولم أزل أتساءل : من أين جاءت هذه المرأة الغريبة .؟ وما هو سرها .؟ وكيف أقنعت أمي وأبي بالبقاء بيننا . ؟ قالت أسمي (قدرية ) . ولا أنكر السعادة التـي أضفتها على حياتنا ، رغم الغموض الذي يكتنف حياتها السابقة . أما أنا ، فقد كنت ولازلت لحد هذه اللحظة ، وقد بلغت الآن الثالثة والعشرين ، كلما تأملتها أجد فيها أمرأة غامضة. كانت طويلة القامة بشكل تفوق قامة اطول الرجال .وهيئة لن اصادف مثلها ماحييت. ضخمة البناء ببشرة رقيقة كالشمع وتقاطيع قاسية كالعناد . اذا ما تحدثت ، اشارت الى ما تتحدث عنه بكفين كبيرتين تمتد ، اصابعهما كالرماح ، وارتسمت على وجهها البيضوي حاد القسمات ملامح غامضة ، وشع من عينيها بريق مخيف . وحينما تقرأ الدهشة في عيوننا تبتسم بفم ذي شفتين غليظتين سمراوين . حينما كنت طفلا كنت اتخيل انها ستبتلعني ، كلما راحت تقبلني.هي دائما متسربلة بالسواد ، من قمة رأسها حتى أخمص قدميها . مما كان يزيدني خوفا منها. اما سنها فلم أستطع حل لغزه . فهي تبدو أحيانا عجوزا شمطاء ، حينما تكون مهمومة مفعمة بالحزن. وأمرأة حكيمة وهي مشغولة باعمال البيت . وشابة مشرقة الطلعة ، وهي في حالة المرح والسرور ، او ساعة خروجها من الحمام ، اذ تجلس في ركنها المفضل لديها في حجرتها ، تسرح شعرها الأسود الفاحم كالليل بمشطها الخشبي .ثم تعكف على ضفره جدائل طويلة ، تعقدها حول رأسها ، تخفيها بشالها ألأسود. نعم كنت أحس دائما بحضورها ، بقلق لا أجد له تفسيراً . ولم أكن لأبوح به لأحد من أهلي ، أرضاء لأمي التي كانت مسرورة بوجودها بيننا ، وأحتراما لرغبة أبي الذي أمر ببقائها معنا ، وحبا باختي الصغيرة التي كانت تجد فيها مربية ، تهتم بها وترعاها على اكمل وجه . كما كانت ذكية وماهرة في أعمال الطبخ وترتيب المنزل ، والاهتمام بطلبات الجميع. حتى أستيقظنا ذات صباح ، لنكتشف أمرا أفجعنا . فقد أختفت أختي . ورغم بحثنا عنها في كل مكان ، ولأيام متواصلة ، لم نعثر لها على أثر . نعم أختفت وبشكل غامض. وترك الحادث في نفوسنا جرحا غائرا، لايندمل وتهامس ابي وأمي أذا ما كان لقدرية يد في الحادث . لكنهما عادا ينفيان ذلك نفيا قاطعا ، لما يرونه من تعلق بعضهما ببعض . وأبى القدر أن يمر الحادث دون أن يزرع بذرة مصيبة أخرى . فقد كانت أمي تذوي شيئا فشيئا على مر الأيام . أذ راح حزنها على اختي ينخر قلبها ، ولسانها لايكف عن ذكرها . وقدرية تتظاهر بالحزن لحزنها . وأخذ أبي يتهرب من البيت ضجرا وحزنا . أما أنا ، فقد أصبحت منطويا على نفسي. حيث زال عني مرحي ورغبتي باللعب ، وأحسست بعدها بالوحدة . وذات ظهيرة ماتت امي فقد سقطت فجأة ، دون ان تشتكي من ألم .ولم يكن ابي حاضرا. ولم نكن نعرف أين نجده ، بعدما سألنا عنه في محل عمله الذي نعرفه .وعاد ابي آخر النهار ، ليجن جنونه وهو يتفاجأ بالامر . وبدت قدرية منهارة ، تعاني حالة من الهستيريا .فلم تحضر مراسم الدفن . وأزداد الأمر سوءا ، حينما أكتشفنا أختفاء مصوغات أمي الذهبية الثمينة التي كانت مولعة بشرائها ، والأحتفاظ بها في صندوق قديم ورثته عن أمها .وتخفي الصندوق عن اقرب الناس اليها خشية الحسد ، على حد قولها . وكادت الشكوك تدور حول قدرية ، التي ربما علمت ذات يوم بأمر المصوغات من أمي أو عن طريق المصادفة .ولكنا عدنا نستبعد ذلك لما عهدناه فيها من امانة ، طيلة وجودها معنا ، ولوجود بعض معارفنا معها في البيت ، ساعة الدفن .وما ان هدأ غبار الحادث الاخير حتى تكشف وقعه ، بما رافقه من اختفاء المصوغات ، على قدرة ابي على التحمل ، والصبر على المكاره . فلم تمض فترة وجيزة، حتى بدا أبي نافد الصبر ، عصبي المزاج على غير عادته . ثم أخذ يتغيب عن البيت أياما دون أن يعلمنا ، او يوضح السبب..ذات يوم عاد ابي ، مبكرا . دخل غرفته وأعد حقيبة ملابسه ، وقبل ان يغادرنا توقف متأملا ما حوله . غمغم بكلمات غير مفهومة وهو يكلم قدرية . وتطلع الي بنظرة حزينة دون ان يقول شيئا ورحل . وجاءنا بعد مدة من رحيله ، من يخبرنا ، ان أبي في احدى المدن القريبة منا ، وانه ذهب لقضاء بعض الأعمال .ولم ينس ان يرسل لنا بعض المال . ثم جاءنا بعدها باشهر من يخبرنا بسوء احواله ومرضه .لتنقطع ، بعد ذلك ، اخباره عنا تماما والى الابد . ربما مات ، او نسينا تماما .. احيانا كنت اناديها ( يا امي) ، فتبتسم ابتسامة غامضة ، تؤرقني وتلهب رأسي بمخاوف كثيرة .ولكن اهتمامها بي يبعد عني تلك المخاوف في اغلب الاحيان . وانا الذي كلما كبرت سنة ازداد اهتمامي بما حصل من احداث مفجعة لأهلى.واخشى التفكير في ان ما حصل ، له علاقة بهذه المرأة التى احتلت بيتنا بعدما خلا من اهله .كانت تعد لي الطعام ، وتهتم بملابسي ، وترعى شؤوني مهما تضاءلت ، وتتفقدني حتى أثناء نومي . فكم من ليلة أفتح عيني ، فأجدها تجلس قرب سريري تتأملني بصمت وحذر . وعندما أستيقظ واسألها تبتسم ابتسامتها الغامضة ، ثم تهب واقفة وتنصرف . ذات ليلة كانت تحدثني عن الدنيا والمال والنساء . وحينما مر ذكر النساء لم تكن تحول عينيها عن وجهي الذي ارتسمت عليه علامات الحبور . ثم سالتني : عرفت احداهن ؟أومأت بالايجاب وانا اداري خجلي . ثم عدنا نتحدث بامور اخرى حتى ساعة متاخرة من الليل . بعدها ذهبت هي الى النوم. وعدت انا الى حجرتي افكر بما تحدثنا به . كان الظلام موحشا ، وانا اتطلع من خلال نافذة حجرتي . ورايت شبحا يظهر في الحديقة . ثم فجأة هبط طائر عملاق شديد السواد انتشل ذلك الشبح وحلق به بعيدا في الاعالي .تراجعت مذهولا ، وارتميت في فراشي ، وانا اظنني في حلم غريب . حينما استيقظت في الصباح لم اجدها في حجرتها. وفي المطبخ كان مكانها قرب الموقد خاليا ، سوى اناء الشاي الصباحي ، الذي كان يغلي بجنون.

شاهد أيضاً

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

د.عاطف الدرابسة: أعيدي الطَّريقَ إليَّ ..‎

قلتُ لها : لن أُصغيَ إلى دمعكِ بعدَ اليوم فنصفي صارَ في الماء .. لن …

شذرات
حمزة الشافعي
تودغة/المغرب

(1) ظل سحابة، استراحة نملة، إرهاق. (2) جدار أحجار، ألعاب ثقيلة، هروب طفلة. (3) ورقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *