جمعة اللامي : أنا .. ومحمّد خضيّر (3/3) (ملف/8)

jumaa allami 8إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر هذا الملف عن المبدع الكبير القاص والروائي المجدّد “جمعة اللامي”، الذي طبع بصمته السردية الفريدة على الخارطة السردية العربية من خلال منجزه السردي الفذّ. تدعو أسرة الموقع الأحبة الكتّاب والقرّاء كافة للمساهمة في هذا الملف، بما يتوفر لديهم من دراسات ومقالات ووثائق وصور وغيرها، بما يُثري الملف ويُغنيه. تحية للمبدع الكبير جمعة اللامي.

النصّ : 
” بقيتْ في حوزتي رسالة طالع واحدة
ولا أعرف متى سأحرر خاتمته”
( الستّون ـ محمد خضير )

يا صاحبي… إنه الربيع . لكنْ الماء قد غِيض . فأيّ مآلاتٍ هذه !
“أنا على الطريق الى المستشفى” . كان محمود عبدالوهاب يتحدث اليّ هاتفياً من البصرة ، مارّاً بالمقهى المقابل لدائرة البريد ، ولم يكن ثمة أحد على التخت الأمامي للمقهى “وساعة الدائرة الكبيرة تشير إلى الساعة الثانية بعد فوات الظهيرة “. إنه الزمن ماضيا يحرث دربه بتلك الآلة المدمرة يا محمد ،” محمد سيوافيني بعد قليل ، وحسين يلازم الفراش” . إرتبك الخط الهاتفي قليلا ثم عاد صوته ” أبا عمار.. ضاقت العبارة ولم تتّسع الرؤية” .
بقيت أنصت اليه كأنني اصيخ السمع الى رثاء يصل اليّ من قبر في جبّانة الحسن البصري ، تدوس عليه مسوخ المجرّات وغيلانها بحوافرها التي تشبه الأكراك السومرية ، ” محمود .. عزيزي ، سوف أتكلم مع أبي مناف وأبي رسال … “.
ومات الخط الهاتفي بين البصرة والشارقة.

لم أتكلم مع محمد خضير بكلمة واحدة بعد رحيل محمود عبدالوهاب وحسين عبداللطيف. ونادراً ما أحضر تشييع جنازة أو مجلس فاتحة . في الأخيرة تلازمني رغبة في الإبتسام مع نفسي . الموت إنتقال من غرفة الى غرفة ، كأنك تزور صديقاً في بيته البعيد أو القريب. هكذا تكلمت في شأن الموت في تأبين حسيب كيّالي سنة 1993 بنادي الشعب الثقافي والرياضي بالشارقة.
وفي زيارتي الى البصرة كنت أريد ان نذهب معاً الى مقبرة الحسن البصري.
” تعذّب.والله تعذّب كثيراً”. كانت أم مناف تتحدث مع زوجتي عن أيامه الأخيرة .
” كان أبوعمار يخطط لنقله الى الشارقة”.
” ياليته كان معكم “.
” لم نرغب في إحراج أحد”.mohammad khdier & jumaa
اصغيتُ متذكراً أيامي مع محمود عبدالوهاب بالشارقة ، يوم زارنا مع محمد خضير في حفل توزيع جائزة العويس الثقافية التي كانت من نصيب صاحبي . كان فرحا ومقبلاً على الحياة ، وبذل جهداً مضاعفاً في التعرف على بيئة جديدة ، وإصطحبته في جولات على مناطق يجهلها كثرون، وعرّفته على أناس الشوارع الخلفية والكتل البشرية المهملة والمهمشة التي لا يرغب بمتابعتها أنصاف المثقفين وكسور الشعراء، على حد تعبير همنجواي في كتابه الرائع : باريس .. عيد متنقل،
” رأيت راحته هناك كأنه في عيد دائم”. قال محمد خضير . ثم أخذ يفصّل في حياة محمود عبدالوهاب ، بعد موت شقيقته “نظيمة” التي كانت له كل شيء في أيامها الأخيرة .” أخذت الوحدة منه مأخذاً”. تفكرت في وجه محمود في غبش أحد صباحات أيامه عندنا ، فرايته مثل مومياء إزيتيكبة.وأخبرت صاحبي ” تماماً كما توقعت أنت نهاية فؤاد التكرلي في اللقاء الأخير بينكما في أربيل”. وكان التكرلي في المناسبات التي يزور دبي فيها ، يدعوني الى حجرته بالفندق ويبدا في إستعادة ذكرياته ” اقول للشباب التوانسة ، هذه هي اليشن ، وهذه هي المملكة السوداء “. وتكمل زوجته التونسية رشيدة التركي ” يقوم فؤاد من كرسيه ، ويخطف جسده الى غرفة المكتبة ويعود بالكتابين”. كان التكرلي صاحبنا المشترك.
” أنا أحس بسعادة وفخر ، حين يتذكركما الكتاب المغاربة”.
” المغاربة عموما ، يعرفون كيف يختارون”.
” سمعت من بعضهم تقييمات معتبرة لمحمد ولك ولجليل القيسي والربيعي وأحمد خلف”.
” تجمعني بالكثير منهم علاقات صحبة وصداقة حقيقية”. قلت للتكرلي
وكان صاحبي يديم نظره الآونة في فراغ أبيض أمامه، مثل ساعي بريد يتفقد حقيبة الرسائل قبل ان يغادر الدهليز الطويل متوجها الى الشوارع والبيوت القريبة والبعيدة في المملكة السوداء، بعد أن قرئت الرسائل لتصل الى أصدقاء ومعارف. وكانت صداقة محمد خضير ومحمود عبدالوهاب ، رسالة متفردة في مشروع لنمطين من الإختيارالشخصي في الحياة والكتابة ، تلازَما للبرهنة على تجاوز ما يمكن أن اسميه نمط الصداقة الشائع القائم على التناظر والتشابه.

“” المقبرة بعيدة ؟” .
“المقابر بعيدة عن المدن”.
” لدينا أزمة لحود في مدننا”.
” مهما يكن ، ارغب في تَرْسِ بصري بالجمّيزة الخالدة هناك” .
ورايت ورقتين خضراوين تسقطان على أرض كستها ألأوراق الصفر، من أحد أغصان تلك الشجرة الخالدة ، حيث جلس تحت أغصانها كل مخلوق قبل أن تسقط ورقته الخضراء نحو ظل الشجرة الخالدة، ويتحول جسده الأرضي الى وليمة للديدان والنتن وعلفا لبكتيريا تُطعم الى عدد كوني من حيوات خرجت من بول الثيران وذروق الذباب وروث الجواميس والفيلة والإبل والخيل والحمير والبغال . ايّ عناصر هذه أيها الهر غوتة ؟ وكان الشاعر الفيلسوف يوهان فولفغانغ فون غوته يجلس الى صديقه الشاعر الثائر فردريش شيلر، في غرفة بصالة المنزل الذي تركه غوتة لصديقه في “فايمار” ، من اجل ان يكتب ويحيا بهدوء وراحة ، بعد أزماته الصحية والمالية التي نزلت به في تلك الأيام الألمانية التي كانت الحكايات الرومانسية أحد أعمدة ثقافتها الوطنية .

” غالبًا ما أفكر بمنحنى تلك الصداقة بين الرجلين”.
” إنها فعلاً حياة جديرة بالتأمل . لقد تكاملا تماماً”.
” هذه هي صداقات المعرفة والعزلة . إنها تولد حياة أخرى نظيفة “.
” العلاقات العابرة مشروع رديء”.

المبدعان الكبيران جمعة اللامي ومحمد خضير وعائلتاهما تحت ظلال السيّاب
المبدعان الكبيران جمعة اللامي ومحمد خضير وعائلتاهما تحت ظلال السيّاب

خطر لي أن اساله عن الباب الذي عنده ترك محمود عبدالوهاب قناعه الأخير عندما كان يرقد بالمستشفى ، لكنني أجّلت هذا الى موعد آخر ، فقد كنا في مْربَع سياحي على الشطّ الذي يشرف عليه السياب ، بين أسرة محمد خضير الصغيرة :المملكة السوداء . كان الليل أليفاً والناس فرحين والمَرْبَع مكتظاً بالعواطف ، وظلال الليل تجمع الساهرين والعابرين في بانوراما أرض ـ سماوية . كنت سعيداً جدا ، وشعرت انني أعود الى الأجواء التي إفتقدتها منذ نصف قرن .

” مَنْ رايت من اصدقائك في بغداد؟”.
” الموتى . عزيز السيد جاسم . علي السيد صحن ، وجليل القيسي”.
” والأحياء ؟”.
” حسب الشيخ جعفر والحزب الشيوعي” .
“سمعت كلمتك عندما تقبلت إكليل ورد الحزب “.
” الآن عاد حكمة الشامي الى الحياة”.
” ليس سهلاً نسيان تواريخنا ”
” ولهذا اقول:غوتة وشيلر عاشا في الذرى”.
” ذات يوم عشنا أنا وحسب الشيخ جعفر كما كان ليرمنتوف مع صاحبه عند تلك الهاوية التي يطلّ عليها الجبل”.
” تلك هي الأيام الخوالي”.
” أيامنا “.

وإلتفتَ اليّ صاحبي ” ما أخبار عبدالرحمن الربيعي؟”. قلت له اننا تكلمنا عبر الهاتف اخيرا وسأل عنك.
” هل زارك احمد خلف؟”.
” في زيارتي الأولى هاتفني ، ولم نلتق الا في زيارتي الثانية”.
” عندما جئتم الى البصرة في ملتقى الجامعة وإتحاد الأدباء حول السرد”.
” بلى.كان لقائي به للمرة الأولى قبل نصف قرن حديثاً شيقاً عن مالرو وفيتزجيرالد”.
” اوووه . غاتسبي العظيم”.
” صداقة الخطر والحياة السَكْرى “.
” نعم ، حياة يصنعها مختاروها بالمكابدة والمسؤولية “.

وفي اليوم الثالث للزيارة الميمونة ، رأيت شبحاً خلف زجاج نافذة المطبخ بجوار تكعيبة الكرمة الفتية . أشار الشبح اليَّ . أنا أُؤمن بأن أرواحنا ما زالت ـ وستبقى ـ هائمة في ملكوت لا يشبهه اي برزخ لطيف في هذا الكون الأرضي، وأنها تنتظر لفتة من الروح النورانية الخالدة ، لتعلن عن وجودها الأكثر لطافة في الكون. توجهت الى بوابة المنزل ، وإجتزت العتبة، وتخطيت الإيوان، وتوقفت عند التكعيبة .
هنا وجدت تمثال شيلر. كأنه لوحة الحرية لديلاركوا.
رفعت هامتي بجواره وتنفست رحيق العناصر كلها ، فمدّ كفه اليمنى في عبّه وناولني قناعاً أبيض ” هذا لك”. ثم مدّ كفه اليمنى للمرة الثانية في عبّه ” وهذا لصاحبك”. وعندما كان القناعان الأبيضان على راحتيّ كفيّ الإثنتين ، شاهدت وَجهَي شيلر وغوتة ، ثم حدث ان تمثال شيلر إنقسم الى نصفين ، فظهر النصف الثاني بسَمْتِ غوتة.

كان نورالروح الخالدة يهبط على منزل صاحبي ، في مهرجان عبّرت عنه الطبيعة بتجليات سريعة ومدهشة . فعند بوابة المنزل أفراس مجنّحة بيض وسود وشقر، يتقدمها حصان أسود برأس إنسان بهي الطلعة وجناحين أبيضين هائلين يقف بجانبي، وعلى سور الحديقة كائنات الغابة والجبل والسهل والماء، وعلى إمتداد الحديقة الصغيرة حتى كوخ الزاوية الشرقية، أوزات سومرية وفيلة هندية بيض ونمور أفريقية بالوان شجر الغابة وأسود لاتينة شقر وحيّات صحراوية ذهبية وزهور لم ترها عين من قبل ولم تلمسها يدٌ بعدُ ، بينما صار الوجود قبّة هائلة إستوى تحتها كائنات البرازخ اللطيفة . كل حركة موسيقا . كل كلمة موسيقا . كل رغبة موسيقا. إن هذا الفجر في بيت صاحبي ، هو إحتفاليَ الأرضي الذي إنتظرته منذ دهوري السحيقة في القدم، وأنا روح هائمة تسقط من العَماء الى الأرض في طبق بعد طبق.jumaa & mohamad khdier

أيقظت موسيقا الروح النورانية الخالدة “الضجة الصامتة” كما يسميها بيتهوفن ، صاحبي بعد نوم ليلة مترعة برؤى العالم المخفي عن أعين العامة ، فغادر سريره وإنضم الينا ووقف قرب صف بوذا وماركيز وغوتة وبورخيس وجبران وكزانتزاكيس. وكان قدومه في مثل هذا الوقت إشارة الى بركة وسيعة فقدمت اليه قناعه ، فبان أمامه وجه غوتة النوراني ، كما إكتمل تماماً في الإحتفال الذي أقيم في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1808 في مدينة إيرفورت عاصمة ولاية تورينغن لمناسبة قبام نابليون بزيارتها . وكان صاحبي مغتبطاً بهذا الإحتفال الفَجْري للطبيعة الرؤوم فلزم مكانه بجوارالبستانيين الذين سبق أن إختارهم في كتابه ” حدائق الوجوه” ، حتى صار خفيفا كما هي العناصر التي كان يبحث في لطفها صاحب قناعه الجديد.

” أحسنت الإختيار والتوقيت “.
” هذا لأنني إقتربت من تلك الروح “.
´لماذا قبلت قناع شيلر؟”.
” لأنه الجمال”.
“الجمال أم الثورة ؟”.
” نعم . الجمال يتضمن (الثورة) والحرية . إنهما وحدة العناصر اللامتناهية”.

والآن ، في هذه اللحظة “حيث أسجد لرؤياي” وأنا ارى روحي في مرايا الأكوان كلها ، رأيت الجميزة المعمرة تنهمر مطراً أخضر وأحمر واصفر وأبيض على تخوت المقهى، والساعة العمومية يشير عقرباها الى الثانية بعد فوات الظهيرة، ومبنى دائرة البريد بالبصرة، بينما إنطلق من جوف ساقها المتين العملاق صوت شيلر بنشيد الفرح في ” السيمفونية التاسعة”:
كفى يا أخواني هذا الأنين
ورافقوا الصوت باللحن السعيد
فشعلة السعادة لاتطفئها السنون
كم هو جد سعيد
من استطاع كسب صديق

رأيت على ظهر الجواد الأسود ، رجلاً كلّي البياض مُعمّماً بعمامة قطنية سوداء أرخى طرفيها على كتفيه كعادته وهو يوقظ عالم الجاهلية الكحولي من رقدته الطويلة. أعرف هذا الرجل في يقظتي كما في أحلامي. وفي حالات كثيرة استمع اليه يقول لي ” مّنْ رآني ـ يا اخي ـ فقد رأني “. ولذلك أخذت بيد محمد خضيراليمنى وتقدمت نحوه. ترجل ” العاقب” عن ظهر البراق فبان على جانبيه صندوقان اسودان مرصعان بمسامير بيض ، مثبتان على بردعة خضراء.
” أنت على اليمين ، وأنا على الشمال”.
وسار بنا البراق قدماً فتبعتنا كائنات الطبيعة الخالدة ، يتقدمهم الأنبياء والرسل ، الشهداء ومظلومو الأكوان، النورانيون والعرفاء، النساء اللواتي ولدن هذه الفيوضات اللطيفة والناعمة، قلقامش وإنكيدو، عشتار وطاغور وكائنات العهن المنفوش. ولم يكن ثمة سوى نور الروح الخالد يدخل الى قلوبنا ، وكنت مع صاحبي على البراق نتجه الى الكوخ الخشبيى في الزاوية الشرقية للحديقة. كان مكانا يكفي لمهد رضيع يطفو على نهر دجلة في طريقه الى نهر العشار الذي يتفرع من شط العرب حيث بيئة المملكة السوداء التي نضجت تماماً في درجة 45 مئوي . توقفنا عند باب الصندوق وقلت له ” هنا خان العالم”.

بانت نزيهة وقد فاجأها الطلق، وبجوارها ماجي العجوز ترفع صليبها في وجهها ، وظهرت زينب ممسكة براية الحسين الحمراء في يدها اليمنى ، وطاسة مملوءة بالماء في يسراها، وهي تهبط من قبة شهيد كربلاء في طريقها الى سبايا العراق.
” تعال يا علي” .
سمعت نزيهة تنادي على فتى “المملكة السوداء” ، ثم أخذت زينب تسحب من بين فخذيها وليداً سقط على قدميه منتصب القامة في عامه الثالث والثلاثين كما كان المسيح عيسى بن مريم، وبسَمتِ رجل تجاوز عامه الستين ، كما يقف أمامي صاحبي الآن.
” أخي محمدا. حانت لحظة الدخول الى خان العالم”.
وتبعتنا الطبيعة الخالدة ، بينما كان صدى صوت يأتي الينا من أعماق العَماء : حكمة الشامي ، زينب ، علي… نزيهة .
وبقي الصدى يتردد ، ويتردد، … ويتردد!.

12 ـ 9 ـ 2014 / الشارقة

شاهد أيضاً

قراءة الروائي المصري الراحل “فؤاد قنديل” لرواية “الحياة لحظة” لسلام إبراهيم (ملف/147)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

محمود الورداني: الرقـص عــلي أنغــام الميلـودرامــــا (ملف/146)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

(خارج نطاق الانتماء)
قراءة سريعة في رواية (سيدي قنصل بابل) للروائي العراقي المقيم في المغرب (نبيل نوري)
عبد السادة البصري (ملف/5)

كم هو صعبٌ ، وثقيل الوطء على روحك ، حين تشعر أنكَ غريبٌ اينما حللت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *