ناظم السعود : لا صحافة أدبية في العراق (12)
77 مطبوعآ وكاتب مهدّد بالمرض والترحيل !

nadum alsod 6إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر الكتاب الجديد للناقد والصحفي والمجاهد الثقافي العراقي الأستاذ “ناظم السعود” “لا صحافة أدبية في العراق” على حلقات. وناظم السعود مدرسة صحفية عراقية أصيلة ، وقلم نقدي بارع ، وسمته المشتركة الأهم في الحقلين هو أنه مبضع لا يهادن، ولكنّه مبضع جرّاح فيه الشفاء للنصوص والنفوس العليلة، فناظم لا ينسى دوره التربوي الخلّاق أبدا. في هذه الحقات دروس عميقة ثرة من تجربة السعود.. فتحية له وهو يبدع وسط لهيب محنته.

المقالة :
ماذا تفعل ، عزيزي القارئ ، لو جاءك كاتب ما وترك عندك كتابه الجديد ثم انسل مبتعدا ؟ طبعا هو يترك كتابه وبرفقته مسؤوليتك ككاتب لك رأي منشور ومتابعة دؤوب لأبرز ما يصلك من نتاجات منشورة او مخطوطة ، فكيف تعمل لو وصلك كاتب آخر ومعه عشرة كتب كاملة ومطبوعة وأودعك هذه الكتب وأوصاك ان تهتم بها نظرا وقراءة ونشرا ؟! وجدت نفسي في هذا الموقف العصيب يوم عادني قبل نحو عام المفكر والروائي السيد عودة البطاط في سكني الريفي باطراف مدينة كربلاء ، يومها تلمست من فوق فراش المرض الكتب العشرة التي خلفها لي صديقي الأديب والكاتب متعدد الاهتمامات عودة البطاط في زيارته القصيرة .
وقد يظن قارئ هذه السطور أنني ارتبط بالبطاط بعلاقة قصيرة وفي هذا الظن خطل كبير اذ تعود علاقتي المباشرة به إلى ثمانية أعوام وقبل ذلك كنت في بغداد اسمع كثيرا عن ” الراهب ” الذي يكتب كثيرا من أعماق ملتهبة مما يجري في حاضره ويمضه ما كان يحصل في ماضيه القريب والبعيد وإذا جمع حاضره مع ماضيه او قارن بينهما هاله الفرق وأسرعت نفسه لان يكتب او يخرج للناس بعض ما ينوء به داخله المعذب وحاضره الموجوع والملتهب!.
وأتساءل عجبا : ما الذي يصل بين الرواية والشعر او كتب التوثيق الإسلامية او النظرات العلمية او النقد الاجتماعي او المذكرات الشخصية او مراجعة العهود الماضية او المشاكسات وكتب التفسيرات المذهبية ؟! أتمنى لو يقول لي احد او حتى يفسر كيف كتب عودة البطاط ما يكمل مكتبة قرائية منوعة قوامها 77 كتابا ما بين مطبوع ومخطوط ؟ من المؤكد انه ستصلني أقوال عديدة وتفاسير شتى حول تنوع النتاجات الأدبية والفكرية والكتابية التي شغف بها البطاط منذ شبابه المبكر ولم يتمسك بلون تعبيري واحد يلزم به نفسه من بداية رحلته وحتى ختامها كما فعل سواه من الكتاب او المغامرين والهواة !.
لقد كتبت عن البطاط كثيرا وتناولته من جوانب عدة حسب كتاباته وهمومه المتشظية التي تصلني – في قديمها او جديدها – ولكني بت ألوم نفسي في تقصيري إزاءه ذلك أنني بحاجة الى كتابات مضاعفة واهتمام أكثر بل افرد له قدراتي الخاصة انسجاما مع هدير الكتابات التي يقذفها عودة البطاط بوجوهنا كلما اخرج كتابا او دخل هو في مجال تعبيري جديد لم يخطر في بالنا انه سيدخله ، وعرفته أكثر يوم التقينا في ” إذاعة كربلاء ” كعاملين متفانين في سبيل رفعتها ، وكان هو مدير إدارتها وكنت أنا معدا للبرامج فيها وقد مكنني هذا اللقاء شبه اليومي من معرفة البطاط كانسان وكاتب متفان وعامل مخلص لما يسمع به او يقراه سراعا وكان حريصا وملبيا لمن استجار به وللمشغولين والمطالبين ممن هم حوله فأحبه الجميع ولكن الإدارة ( سامحها الله ) لم تفهم ظروف وإحساس أديب مرهف كالبطاط أعطاها جهده وإخلاصه وشهرته وطيبته فكان خير تكريم تحيطه به ان أبعدته عن الإذاعة وسلمته الى الشارع !.

غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن
غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن

وأكثر ما شجعني للدنو من عالم البطاط هو الحب الكبير الذي يكتظ به إنسانا وكاتبا وناقدا للحياة التي تنفتح أمامه او تحاصره في مشاعره الفياضة تجاهها حتى ما كان يراه سلبا في هذه الحياة كان يصوغه بطريقة تجعل قارئه يدرك انه أمام معضلة بإمكانه استيعابها او فهم مسبباتها بيسر او من دون تحامل مسبق ! هكذا كنت أشارك حبه الكبير لهذه الحياة فاذهب إليه شاكيا او متذمرا فكان لا يخدعني في مقولاته وإجاباته المباشرة او المكتوبة التي أجدها توضح لي ما غمض علي وتجيبني عما سالت او ما لم اسأل فكان البطاط يمتلك إجابة حتى لو كانت غاضبة منه فاعرف منه مواقفه التي قد تبدو لغيري متناقضة فأدرك عندها سر المحبة !.
اجل لقد زدت اقتناعا ان عودة البطاط هو عاشق كبير لهذه الحياة وانه مفتون بتفاصيلها وجزئياتها وألوان المتع فها حتى وهو ينقدها ويشن الحملات المتتالية ضد الناعقين واللاعبين والمتحكمين فيها ولا يرى اكثر سوءا من الحكام الذين تحكموا فيها وحاكوا لها المخططات وأوصلوا دولهم الى الدرك الأسفل بين الدول والأمم القريبة والبعيدة ، ومن كثرة عشقه للحياة انك تراه في كتاباته وحواراته يذود بحماس عما يراه صالحا ولا يطيق سماعا او دفاعا عن الذين كانوا سببا في ماسيها المتلاحقة ولهذا نجده يقول في حوار طويل أجريته معه ونشرته كثيرا وهنا اقتبس منه العناوين فقط (ليس من المعقول أن ترى الموت وتسكُت !/ إذا اتحّد السلطان ورجل الدين كانت الكارثة العظمى !/ مواجهة لظلم تبدأ بإيجاد مجتمع يحترم الإنسان/ وزارة لعدل أسم على غير مسمّى !/ الإنسان في بلدنا مُهان !)) ومن هذه العناوين المستلة من حوار منشور يمكن للقارئ غير المتبصر ان يخرج بانطباع أولي مؤداه ان البطاط حاد بأحكامه وجهير بآراء يمكن ان تطيح بالبناء كله او تسويته لإعادة تخطيطه من جديد ! ولكن هذا مجرد وهم يقع فيه العجول الذي لا يعي سببا لهذه الثورة الشمولية عند البطاط الى ااا
ولكن الذي يعرفه وخبر تفكيره جيدا يجد ان عناوين غاضبة كهذه إنما تشير الى رغبة دفينة بالإصلاح أكثر مما هي توجب الثورة والنقد !.
ولكن ، أصارحكم ، ما آلمني ودفعني لكتابة هذا العمود هو ان كمية الظلم التي تواجه الكاتب وتكاد تدفعه صوب مأزق ومحن متكالبة من غير ان يجد له نصيرا او ذائدا عنه كانسان او ككاتب: لقد كتب 77 مؤلفا متعددا يجمع بين الأدب والدين والعلم والمناظرات ولكنه اضطر الى طباعتها وتوزيعها بنفسه لعدم توفر المال اللازم أولا ولتخلي الجهات المسؤولةعن النشر والتوزيع عنه ثانيا فبقي لوحده فشمر عن إمكانياته الشحيحة لنصرة ما يكتبه ! وتعرض لآلام مبرحة يوم شعر انه وحيد في معركة خاسرة حتما وخصوصا مع أمراض ظالمة ناشت القلب والعينين ولا سبيل أمامه سوى التوكل على نفسه وعائلته ومعالجة أمراضه المتساندة ان كان في داخل العراق ام خارجه ! والأكثر عجزا انه بلغ عامه السبعين الآن ( هو من مواليد مدينة البصرة عام 1944 ) ولكنه لم يجد أحدا يتذكره او حتى يمر بسبعينه ولو سراعا ويقيم له احتفالية بهذه المناسبة مع كثرة الجهات الثقافية هنا:
اتحاد أدباء وكتاب كربلاء / قصر الثقافة والفنون / نادي الكتاب … الخ وهذا باجمعه مما يزيد من محنه ويضاعف من غربته !!.
وأحس بمدى الغبن والقهر الذي يتغلغل في نفس عودة البطاط وروحه وهو يتصور انه وعائلته مهددون منذ سنوات بالركون الى الطريق الموحش بعد ان أسفر العمر الضنين عن فقدان البيت / الحلم ولا تسال او تتطرق الى فحوى فقدان البيت او البقاء تحت رحمة مؤجر فهذا مما يقض مضجعه ويشركه في أسئلة عبثية لا رجاء منها ! انه منذ سنوات بلا بيت خاص ياويه ويجمع أشتات عائلته ويرحمه من مصير مجهول ليس اقله الترحيل ألقسري الى الشارع وهو يعيش منكسرا ذل سبعينيته !.
ان صديقي المهمش عودة البطاط ( في ترحاله ونضالات الأمس مع هزيع السبعين في حاضره المجدب ) يدفعني الى تحوير عبارة قالها جيمس جويس قبل مائة عام : انظروا الى الكاتب في شيخوخته !!.

شاهد أيضاً

هشام القيسي: أكثر من نهر
(5) حفر كي يبقى

لهبه أوسع مثل نوافذ لا تستفهم الوهم ولا تحتفي سوى بالأفق قد أوقد شعرا علم …

طلال حسن: حكايات للفتيان (حكايات عربية)
(5) سعاد

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري
(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (19)

التقاط الدر من واحة الشعر قراءة نقدية موجزة في ديوان ( في آخر الزمن نجمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *