الرئيسية » نقد » ادب » أ. د. نادية هناوي سعدون : تجليات الرومانسية الأنثوية في نصوص(أنا وحشود من اللا احد) للشاعرة حياة الشمري

أ. د. نادية هناوي سعدون : تجليات الرومانسية الأنثوية في نصوص(أنا وحشود من اللا احد) للشاعرة حياة الشمري

nadia hanawi 2*ناقدة وأكاديمية من العراق

اذا كانت قصيدة النثر قد أسست حضورها منذ ستينيات القرن الماضي فإنها مع بداية القرن الحادي والعشرين قد تسيدت على سائر الاشكال الشعرية منعطفة انعطافة حادة في المشهد الشعري العربي بسبب ما امتازت به من التكثيف والايجاز والتوهج وسعة الافق.
وليس في غياب الوزن والقافية مثلبة لان ما استعاضته عنهما قد لا يمكن للقصيدة الموزونة ان تملكه او تصل اليه لاسيما ما يتعلق بقضية التدويم بالإيقاعات الداخلية ومسالة الاستعانة بالسردية والمفارقة والتغريب والرمزية وتوظيف الابعاد التشكيلية وغير ذلك مما يحقق انسياحات للوعي الوجداني وفضاءات من التحليق الحر في مديات من الاحلام والفانتازيا .
وتمثل قصيدة النثر في مجموعة ( أنا وحشود من اللا احد) للشاعرة حياة الشمري الانا ككينونة حاضرة بتفردها ومواجهة الاخر بتوقها وهيامها ضمن سيرورة ابداعية تستلهم من تجارب الواقع المعيش تلويناتها الشعرية الخاصة رغبة منها لبلوغ الابداع.
ومثلما اعتادت الشاعرة حياة الشمري في مجاميعها الشعرية السابقة ان تتجه وجهة رومانسية منتهجة خط الشاعرة نازك الملائكة في ولعها بالطبيعة واغراءاتها وهيامها بالتغني بواحدية الصوت الانثوي وخصائص قوته الاثيرية وحركيته غير الاعتيادية؛ فإنها في مجموعتها الشعرية هذه ارادت ان تعلن مطمح الأنا /الانثى في رفض الصمت واعلان البوح برومانسية الأسئلة التي تستحضر فيها الآخر احتضارا او هجرا او فجيعة او هياما او التحاما لتحتدم معه في بوتقة الخوف والوحشة ليغدو الاخر مفتاحا للإبداع وبابا للولوج الى عالم من الرؤى اللامنتهية ..
وبذلك تترابط تزامنية الوعي الجمالي للتجربة الروحية بالظاهر الملموس عبر الاستعارات والصور والكلمات وهو ما تجلى في اسئلة الذات التي تبوح بها في عنوانات بعض النصوص كما في قصيدة(الى اين ؟) او قصيدة( ماذا ارى؟ ) او ( لمن قلبي؟) ونص (تسألني) .. وقد ترد بهيأة تساؤلات داخل المتن الشعري موجهة نحو المخاطب/ الاخر الحبيب الذي لديه الحل والعقد وبيده التشظي والتمام.
وفي نص) زوايا الصهيل( نجد الاسئلة تتكرر في متن النص في إشارة الى ايمان الذات ان لا جواب لأسئلتها الا لدى الاخر الذي هو متمم هويتها ورادم فراغات روحها:
لمَ تتقلب
لمَ تسكن الحانات
لمَ تهمس سرا
أ تجهل لغتي
أ نسيت؟ ص11ـ12
وتبقى نزعة البوح الرومانسي اهم ملمح اسلوبي في النصوص وهو ما يجعلها تتخذ صورة عشق روحي تتبدى فيه الانا امرأة تحمل شحنات من البوح وطاقات من الولع الذي يتجلى متزامنا في ثلاث صور:hayat alshemari
اولها/ رومانسية الضوء التي بها تصبح المرأة حاضرة بقوة ومتواجدة باستمرار لتصارع جدلية الظلام/ الضوء راسمة لوحة الالتماع والوهج السرمدي في حضرة الاخر الغائب. ففي نص (الى اين) تتكرر دلالة الضوء بمفردات( الضوء والنجم والشموس) :
في عينيك المتعبتين / يساقط ضوء ص7
ويكون اللمعان في نص( رفيقي) ثيمة ضوئية جلية متواترا مع الشمس والبرق والنهار وترسم جدلية الضوء/الظل لوحة شعرية عنوانها (هو انت) وفيها يتناغم الليل والنهار والمصابيح والقمر:
ارغمت ليلي / ان يلد مصابيحي/ تلف جسدك القمري ص80
وتتعالى في نص (القادم ضوء) الاضواء لترسم للانا طريقا يوصلها الى الحلم فينزاح الليل وتستيقظ الرغبات وتتحقق الرؤى ص122
ثانيا/ رومانسية الصوت والصورة: وفيها تستحضر انا القصيدة الاخر صادحة منادية بثنائية البوح / الصمت وتصبح الذات برومانسيتها قادرة على أن تكون فاعلا محوريا ناطقا وصوتا طاغيا يهيمن على سائر عناصر البناء الشعري فهي الكينونة الانثوية المهيمنة التي لا ترى وجودها الا بحضور الاخر الذي يعاضدها ليتوحدا في تعادلية ابداعية لا ثالث لها .
وتحتم هذه التعادلية الابداعية التي طرفاها امرأة / رجل التعادل والتشارك والتساوي على مستوى الأصوات لا المعاني بدلالة توظيف الجناسات كتجانس صوت السين مع الشين في قصيدة( مناجاة) ليكون العنوان عتبة صالحة للولوج الى النص لان المناجاة عادة هي حديث النفس وصوت السين والشين انما يحققان ما تريده القصيدة وهو الهمس..
ويعلو صوت الانا في نص( لمن قلبي) حاملا صوت الاخر في خفاء :
ما زلت اهدي قلبي/ ومعابدي نائمة/ ما زال نبضي / يلتصق بعظمي/ وانت/ انت تتخفى) ص23
لكن هذا الصوت في نص( ليلة رأس السنة) لا يكاد يعلو الا لكي يتشظى الى مرايا تتناسل وتتكسر امام الاخر المجهول ( هاهي ذي ثيابي مرايا) ص26
ثم يغفو صوت الذات ليمنح الاخر امكانية البوح كما في نص( وحشة الصمت) ( فبين الهمس والبوح / شفاه ندية/ تنتظر /انكسار الصمت) 31
وهو ما سيتكرر ايضا في نص(وهم وجودك) فالآخر متقدم بصوته( صوت عشق / وهمس ضوء/ لا يعرف الانكسار ) ص37 على الذات التي تتراجع بضجة أنوثتها مخلفة صورة شعرية مبتدعة (عيوني /تفاحة مصلوبة/ على شجر منخور)
ويعود صوتا الانا والاخر ليتعادلا موضوعيا في نص لا جواب ونص صرخة فالكل يصرخ ويتعالى ضمير المتكلمين بالنون المتصلة بالفعل المضارع ( نبلط، نحفر، نعمد، نقاد)kh hayat alshimari 3
من النصوص التي تعالت فيها رومانسية الصوت نص( زوايا الصهيل) بدءا من العنوان ومرورا بالأسطر الشعرية( أ تجهل لغتي / لغة التوهج) ص11 كما تحتل ثيمة الصوت/ اللغة مساحة مهمة في نص( الجرح محطات) :
حين يمر صوتك / في دمي / ينتشلني ص 83
ومن ثم تتشابك مع الصوت محورية الماء بمفردات( شطان/ ندى سيول/ يغسل) ويتخذ نص (زوايا الصهيل ) من صيغة الطلب بالفعل الامري بعدا رمزيا يعبر عن توق الذات إلى اللقاء صوتا لا رؤية استبصارا لا بصرا ( وفي زوايا الصهيل / اقحم فصولك)
وعلى مستوى رومانسية الصورة فان الذات قد لا تملك ان تضمن سيرورة وجودها ولا تتوكد من عدم انفراط عقدها مع الاخر الا بعد ان تدرك تشظيها لتجد في ما يجمع شتاتها ويلمها مجموعة لا مفردة لا لشيء الا لانه القسيم والرفيق والحبيب والقريب والبعيد وبذلك يكون بوحها بمثابة الوسيلة اما نداؤها فهو رغبة اكيدة في الاستحضار والتماهي.
وهو ما يوكده عنوان المجموعة ففي الاستحضار نلمس تواريا كون الانا هي مفردة اما حشود التي هي جمع تكسير يفيد الكثرة فقد بدت بوجود حرف الجر (من) الذي يفيد التبعيض من الكل اللا احد انها ليست جمعا للكثرة بل هي اجزاء للا شيء (لا احد) وعطف هذا المعنى بالواو على الانا المعطوف عليه يمنحها صفاتا ونعوتا متساوية ليتساوى المعطوف مع المعطوف عليه وتكون الانا متوارية مثل الحشود غير الموجودة او الغائبة.
وهذا ما جعل بعض الصور تبدو مأساوية وفاجعة كما في نص( ماذا ارى) الذي وردت فيه ص ورة الفجيعة متمثلة بالسماء لا الارض(وسمائي تظل المذبحة / الروؤس تتطوح/ بعيدا عن الاجساد ص63 او في نص (مدينتي التاج) صارت ( والصواريخ نصال حادة على الارواح) ص 67
وقد تنزع رومانسية الصورة منزعا سرديا يجعل من بعض النصوص قريبة من القصة القصيرة جدا كما في نص( الفجر هواء ثقيل) ونص( اوراق) اذ تنحو الاسطر الشعرية منحى قصصيا تؤدي فيه الانا دور الراوي المركزي.
وقد تتخذ رومانسية الصورة السردية من الوصف المكاني فاعلا رئيسا يحيل النص الى قصة قصيرة جدا كما في نص( مدينتي) فالمدينة هي المكان الذي سيتمحور حوله الفعل السردي:
فوق اسرة المتعبين / نامت مدينتي / والليل في عناد ص14
وغالبا ما يكون المكان في النصوص مدعاة للألم والوجع فالمدينة هي نحيب وهذا ما يجعل الذات تتنفض على واقعها بصور شعرية استعارية ( النخيل توابيت والحزن ينمو والسنابل اثداء جفت ) ص15
ويحتل المكان حضورا قويا في نص الفنار ونص (قف) اذ سيشكل الدرب والنهر والارض والفنار فضاء تتحرك فيه الذات وفي نص ايها القديس تحلق الذات في فضاءات مكانية محيطها الارض والسماء
اما على مستوى بناء الزمن السردي فانه في الاغلب الاعم يؤدي دور المعيق الذي يهدد الذات دوما فالغروب والفجر يوقف حركتها والليل والنهار والظهيرة والصبح كلها اوقات تؤسلب حضورها..كما في نص (نورسي):
ونورسي /يلتقط النهار/ وعلى خارطة جسده/ رسم زمنه المستحيلص112
وتتحقق تعادلية الصورة الرومانسية بين الانا واللا احد في نص( جدائل الليل) الذي يميل ميلا سرديا مستعملا ضمير المتكلمين ال(نا) في الافعال ( نقترب / ننفض /جدائل الليل عنا/ بفضة جسدينا) ص18 او بصيغة ياء التكلم وهي تتعاضد مع كاف الخطاب ( قلبي الارجواني / يقطر في صحنك فاكهة)ص 17
ثالثا/ رومانسية الماء: هي رومانسية ندية مائعة بانسيابية الماء وشفافيته ونداوته لتبدو ثنائية المنبع والمصب شكلا اخر لثنائية الذات / الاخر بزوغا وأفولا.
ويحتل المطر ثيمة مهمة في اغلب قصائد هذه المجموعة ففي قصيدة( نداء المطر) نجد الانا تنزع منزعا رومانسيا مائيا ليحتل المطر دورا مركزيا بقطراته وتشربه مشخصا بصورة حية وعاقلة ايها المطر ( مطر تهاتفك روحي / فتراني اختبئ/ تحت قطراتك) ص96
وهو ما يذكرنا بقصيدة( رذاذ المطر) في ديوان( نوارس مثخنة الجراح) والصادر عن دار تموز 2012 اذ تقول الشاعرة: ( انا المائية في موج مائك )ص95 .
ولا غرو ان المطر هنا عتبة لولوج فضاء مائي به تجد الانا رومانسيتها وهو ايضا رمز لانتفاضة الانا وانتحابها تعبيرا عن احساسها بالمكان وموقعها منه لكي تحدد ملامح هويتها ( لا لا لن اكون مهجورة) ص16
ومن النصوص التي تجسدت فيها رومانسية الماء نص( اراك) اذ يشكل المطر والموج والثلوج والبحيرة قوس قزح لرؤية الغائب تتخطفه الجهات فيغسله المطر) ص79
وتؤدي مفردة الندى دورا موضوعيا مهما حين تقلب رومانسية الماء التشاؤم الى تفاؤل وتحيل الحلم حقيقة (فانا الندى اصطخب انساب/ لبحر لغتي) 89
وتتعالى الحاجة الى استدعاء السيول والسيوح والميوع في نص( عيناك التي لا تنحني) بتواتر مفردات ( شط/ موج / ابحر/ المد والجزر/ هدير/ شريان/ تموجات ) وكذلك في نص( الانثى الحبيبة) تتكرر صور مائية عديدة مثل( السيل جارف / عيون جاحظة تطلب قمحا وماء/ وصباحات ندية) 124
وعلى الرغم من دقة الضبط للكلمات بالشكل الا ان قليلا من الاخطاء الاملائية وردت في صفحة 20 مناجاة بالتاء المفتوحة والصحيح بالتاء المربوطة وفي صفحة 91 عيناك التي لا تنحني والصحيح اللتان لا تنحنيان وصفحة 31 انكسار بالهمزة فوق الالف والصحيح تحتها وصفحة 74 يغتسل بمساءه الخريفي والصحيح بمسائه وفي صفحة 49 تقتنص قلبُك والصحيح قلبَك واخطاء طباعية في ص48 فالقامون والصحيح قادمون وفي صفحة 79 كنافوة والصحيح كنافورة ..

ختاما ..فان نصوص المجموعة بدت متآلفة يأخذ بعضها بتلابيب بعض صانعة لوحة فانتازية لرومانسية شفيفة وولع وجداني يجد له حضنا وارفا في ذات تحلم بزمان زاه وبمكان سرمدي تراه اثيرا يحقق لها وجدا وصبابة ويمنحها افاقا لا تحد ومرايا لا تنتهي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *