كريم عبدالله هاشم : الكتابة في درجة -40 ؛ قراءة نقدية في رواية “كيف تقتل الأرنب” للكاتب “صلاح صلاح”

karim abdullah hashemانها الكتابة في درجة حرارة -40 ، وفي ضغط محيط يزيد على ذلك بكثير .
فقد دبت قملة الى : (( المنافي الباردة بفعل الأيدلوجيات . . أين تقع كندا . . أين تقع روحي ص9 )) . في تلك المنافي ، في ذلك البرد ، وذلك الفضاء الفسيح المتاح . في مناطق الضوء والثلج والضباب وعتمة الروح ، وجها لوجه مع (( أجيال الخائبين المتصحرين العصابيين ص49 )) . كان الأرنب يتقافز هناك . وكانت رواية (( كيف تقتل الأرنب )) لكاتبها (( صلاح صلاح )) .
وقد وجدت هذه الرواية وتم نحتها من تشابكات وتعقيدات كل ما – خلف ظهور شخوصها – من تاريخ وايدلوجيات وموروثات فكرية وسلوكية وتربوية . وكل ما هو – أمامهم – من انفتاح وحداثة وعصرنة وقواعد اعتبارية للأنسان .
ولعلي أجد نفسي مرغما في مقالتي هذه على الحديث أولا عن – الحكاية – قبل أن أتحدث عن السرد أو الخطاب القصصي والأمور المتعلقة به . لأن هذا سيسهل علي وسيساهم في تسليط الضوء على الكثير من المواضع في الرواية .
ولأجل التطرق الى الحكاية والموضوع لابد من التطرق الى اللغة والمفردة الغريبة ، أو التي تثير (( الأستهجان )) لدى – بعض – القاريء أو المتذوق . ولاأريد أن ادافع عن كم (( البذاءة )) والمفردات (( السوقية )) التي ملأت الرواية ، فلكل وجهة نظره . وانما أود الأشارة الى ان هذا الكم البذيء من الكلمات قد – اقترب بنا – كثيرا جدا الى الحوارات الدارجة وقادنا من ايدينا الى مقاهي فضوة عرب والباب الشرقي وعلاوي الحلة وجميلة ومحلات الباعة وكل مستويات اللهجة الدارجة التي تعاني من الضغط والتعسف والشنق ، ومفردات الشخص العادي وهويعاني الأمرين . وقد تمكن صلاح صلاح بهذه – الملفوظات – من الأفصاح عن مكنونات دفينة من القهر والأذلال والأقصاء والخذلان :
(( الجميع لايفهمون ، لايعرفون من أنا . اسأل الزوجة ، أنا مضرط الحجارة غدوت جرذ اختبار للنظريات الأيدلوجية ص11 )) .
(( لاأعرف ان كنت قد جربت شعور الأنتعال ، انه سفرجل الأحتذاء الأبدي ، احساسك بالعدم ، قبالة شرطي ، ضابط أمن ، عضو شعبة ص11 )) .
(( عندما نقف في الأزدراء منتظرين ص18 )) .
(( كنت افكر على النحو الذي سأفقد فيه وليد الفلوجي وعبد الزهرة الكعبي واسرار طيران الدراويش ص18)) .
لقد أتاحت هذه المفردات والتعابير للكاتب قربا كبيرا من الهواجس الدفينة لأعماق شخوص الرواية ، وقد مكنته من رسم هذه الشخوص بشكلها المعروف والمتوقع لدينا ووضعها على الورق .
وأنا هنا لاأعترض على من يعترض – ملفوظات – صلاح صلاح في طرحه لموضوعه من ناحية العناصر اللغوية والمضمون اللفظي الذي أسهب به الكاتب في بعض المواضع ، لأن منظري الفن القصصي والروائي وعلم الجمال سيقولون انه لابد من المحافظة على تهذيب اللغة والصورة والذائقة الجمالية وما الى ذلك من (( سفسطة )) النظريات والتنظير التي حافظت طول هذا الوقت على مسافة البعد و (( الفجوة )) الثابتة بيننا وبين تذوق و(( ملامسة )) العمل الأدبي . ولاأقول هنا بأباحة السوقية والأبتذال . وصلاح صلاح لم يكن من هذا النوع بقدر ماكان فنانا وكاتبا حاذقا في استخدام عباراتنا المعتادة التي (( نترفع عن التصريح بها )) ، وقد خدم موضوعه القصصي وأجاد كثيرا ، وكان حديثه مثقلا بالمعنى والقصد والأيحاء لخدمة وجهة نظره .salah salah
ان شخصية الرواية الرئيسية ، وهي شخصية الراوي ، تبحث في تلك المنافي : (( أن تنزع عنك دبق الوطن ورائحة الحمير والمطال والزوري ص12 )) . دبق الوطن المشحون برائحة الموت والفقد والخسارة والسجون وثقافات الدكتاتور التي تشعبت وانتقلت الى كل جزيئات حياتنا ، بعد ان كان أمس جميل وطفولة حلوة وبغداد آمنة دافئة : (( صباحات فرط قبل أن تغزو حياتنا البداوة ويسحقوا الرازقي ص33 )) .
في تلك المنافي ، يكتشف راوي القصة – الشخصية الرئيسية – المثقف الذي لم يكتب كتابه وروايته بعد – أشياء كثيرة وصعوبات متتالية لغرض الوصول الى حالة الأستقرار والهدوء التي تمكنه من الكتابة ، ونتفاجأ معه بسلسلة من الأحداث الموجعة التي تكشف لنا النقاب عن كم كبير من الحديث المخفي – المستور – الذي لم يتم التطرق اليه مسبقا . والذي يحتاج الى قدرة ليست يسيرة لغرض طرحه وتفصيله أمام القاريء . كم كبير من التشابكات ، ومن الثقافات الدينية الطارئة والتقاليد والأعراف والسلوكيات المستهجنة التي تفضي في جميع حالاتها الى أغراض ومقاصد نفعية ومادية يسلك أصحابها طرق متعددة من الأقناع والأيهام والتدليس لأجل مقاصدهم النفعية المادية ، والأيقاع بالآخرين في هذه الشراك تحت مظلة خدمة الدين أو المذهب أو الطريقة . وشخصية الرواية وجدت نفسها أمام كم كبير من التراكمات والخلفيات الفكرية التي تم تحريفها لأجل منافع نفر ضال . هذا النفر هو صورة وانعكاس – مقعر – أو غير مستوي ، لموروث فكري وعقائدي عراقي يتم تحريفه وتوظيفه لخدمة نفر منحرف كما وضفه الدكتاتور من قبل بشكل وبوجه آخر لخدمة أغراضه . وبهذا أصبحت المتاهة أشد وقعا وأقسى أثرا على شخصية الرواية الرئيسية – المثقف – الذي لم يكتب روايته بعد :
(( يضحك الصرصار هابطا : ستكتشف أشياء رائعة هنا . أقول : مثل ماذا ؟ يقول : لاحقا ص14 )) .
(( الأهتمام هنا كالتالي : المرأة ، الطفل ، الكلب ، وأخيرا الرجل ص24 )) .
وتنبثق في ذاكرته وسط كل الأجواء والشروحات الكندية التي يستهدفها الكاتب في سفر التيه والفقد هذا : (( الحرب العراقية الأيرانية التي لم تزل تولد كل يوم في التيه ص49 )) .
وتغرق هذه الشخصية بحكم ضغط الغربة والعوز والحاجة والأنقطاع بسيل جارف من شبكات النصب والأحتيال والخديعة تحت عناوين دينية ومذهبية تسعى لمكاسب شخصية بحته بأية وسيلة وتحت أي مسمى ، فيجرفه السيل ومن ثم يلفظه الى ضفة ما ، بعد رحلة متتابعة من الخسارات المادية والمعنوية . ولكن قدر الأنسان المضي والمواصلة ولعق جراحه ربما مجددا : (( اني أعود الى العصر الحيواني ص197 )) . . . (( في نهاية أرواحنا جفاف وامتلاء ص235 )) .kh salah salah
لقد تضمنت الرواية الكثير من الأستعارات اللفظية الموغلة في – بذاءة التوجع – التي توصلنا الى القصد والغاية التي يبتغيها الكاتب من (( الملفوظ )) ، ومقاطع سردية واستعارات لدلالات رمزية تأريخية أو سماوية تصرف بها الكاتب وفق طريقته واسلوب طرحه لأضفاء واغناء الصورة السردية ، واغناء العناصر اللغوية التي يستعملها بالصور التي توحي وتنم عن ثقافة وسعة اطلاع وقدرة عالية لدى الكاتب على توظيف وتكييف – الأشارات والدلالات والرموز – بلغة استهجان موجعة بما يخدم غاية الكاتب ومقاصده : (( ولاأحد ، وفي صحائف دانيال ، في الرمز العبري ورد انه أشفقت على انتظاراتنا موظفة في التيه اللامفهوم في أقصى مايمكن من الجمال السلتي ص15 )) . ونجد في اسلوب الكاتب السخرية اللاذعة المنفلتة من كل الأطر والمحاذير التي تم تسطيرها بعناصر – لفظية – يستعيرها الكاتب من قاموسه : (( وأبحث عن زوبعة ولاأقشعه – زوبعة من ( السادة ) الجن ، قيل عنه في غوغل : انه أسلم في طريبيل أثناء الهجرة ، عن اقتناع وايمان بعد ان صمطه عريف أمن بعجل . قيل أيضا : ان أعم أكله وحش الطاوة ، الفسنجون ، وغالبا مرقة الهوه ، مثلما في الحصار ، وهو وحده الذي ساق الى رئي دموعنا في الحرب ، وفي جحورنا عند اخوتنا الفلسطينيين في جبل الجوفة صور امهاتنا ، وان كان لهذا الجن اسما عبرانيا ، فلايلمح الى شيء ، فكلنا أولاد ابراهيم ص17 )) .
وفي الرواية نجد التوصيفات الجميلة الموحية : (( الضباب يمد غلالته الشفيفة على الأرض وقائما نحو السماء في شهقات ولادته العذراوية من البحر ص30 )) . وكذلك وردت بعض الرسومات المتعمقة لطقوس عبثية – كما مع (( خاكية )) – مليئة بالمفردات غير المتوقعة والتوصيفات النابية : (( أنت متعب والشيطان بتوابعه يحيطك )) و (( وفي الساعة التي توسوس فيها الرغبة يتوقف العقل ويمسي الحمار شهيا ، جميلا ص45 )) .
وقد أشارت الرواية في تفاصيل كثيرة الى ثقافة منحرفة يتبناها بعض النفعيين – ثقافة دهاليز خفية – مدانة دينيا واجتماعيا . ويتطرق الكاتب الى معاناة المغترب الذي تتوزعه هموم الحاجة الى الأكتفاء المادي وهموم الغلاء الذي يواجهه ، والنزاع مابين المعونات التي تقدم له والعمل (( الأسود )) الذي ينحرف نحوه مرغما ، ومابين مقبرة (( التيتانيك )) المخلدة لعشرات السنين بالزهور والرياحين والذكرى الطيبة في نفوس الكنديين ، الى ارهاصات وتداعيات الزمن المنفي أو الذي قاد الى النفي القابع وراء الظهر : (( بدأنا الهلوسة مبكرا ، في الحرب ، في الحاصرويم في القطط الميتة ص75 )) . . (( وأحلم بالآيس كريم والجوع والعري والملابس الممزقة وطحين الحصة ص78 )) .
وقد أدى تهكم الكاتب واندفاعه الى الخوض في كثير من التفاصيل التي قادته الى – شطحات – تقريرية في بعض المواضع ، ويشطح ببعض الطروحات الى التقريرية في اسلوب السرد :
(( ويتم التخلص من كل الأنظمة الأقتصادية في العالم ونظرياتها الخراء والصناعة والحداثة ص84 )) .
(( اني افكر في نظام أخلاقي جديد ص85 )) .
وتتكرس لدى شخصية الرواية حالات النفي والفقد والخسران وترسم له طقوس من الضياع نتيجة – اضطراره – لمجاراة بعض المحتالين . فيكسب ، وسرعان مايخسر ويفقد أكثر مما كسب .
وقد كان الكاتب قديرا في توفير الدلالات الوصفية والأستعارات و – مجازات الوصف – المألوفة وغير المألوفة – المعتاد منها وغير المعتاد – المقبول والمستهجن . كلها كانت تنزلق بين سطور الرواية بتدفق وتفنن حكائي وسردي عالي المستوى . ويندفع الكاتب موغلا في اسلوبه وملفوظاته ويشطح أحيانا عن الموضوع المحكي والحكاية التي يتم سردها الى طروحات – فلسفية – تقريرية ، ولكن ذلك يتم هضمه ولايتوقف القاريء عنده بسبب – فرادة – و- غرابة – لغة السرد :
(( وألمح اني أهذي في العدم ، أهذي ولاأحد يعرف كيف يموت المثقف الذي لم يكتب كتابه حتى الآن ص106 )) .
(( وأشرح عظمة الأنتماء الى مخزون اليأس القابع في أجسادنا ص123 ))
(( ثم تهنا في الزمن الجميل ص168 )) .
(( لكنهم يعبرون سماء التفاهة العظيم بأتجاه الهدف العظيم ص169 )) .
(( يتحتم عليك البحث عن ملامح الأمل خارج الفهم الحالي لك ص174 )) .

وبعد . . فقد أجاد وأحسن الكاتب في – كيف تقتل الأرنب – وأنا هنا لاأريد ان اناقش خطوطا حمراء او صفراء او بنفسجية فهذا ليس من اختصاصي ، ولاشأن لي الا بالأدب والقص الذي يلامس قلبي كما فعل صلاح صلاح في روايته هذه .

Kareem_pen@yahoo.com
26-4-2016

شاهد أيضاً

شكيب كاظم: أبو تمام وبُنَيَّاته في آفاق الكلام وتكلم النص

اعترف ابتداء، أنه ما أن أعارنيه أو أهدانيه، صديقي الدكتور قيس كاظم الجنابي، هذا الكتاب …

تعليق على المجموعة القصصية بتوقيت بصرى للأديب محمد فتحي المقداد
بقلم د ميسون حنا

بتوقيت بصرى مهد الحضارة وموطن الغساسنة أتانا هذا الكاتب الغساني ليلهج بما في قلبه من …

ثامر الحاج امين محنة العمرعند الشاعر ( صاحب الضويري )

موت المبدعين ــ على وجه التحديد ــ بأعمار قصيرة ، قضية حظيت باهتمام عدد من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *