أ. د. نادية هناوي سعدون* : التعاضد السردي بين الواقعي والمتخيل في رواية فندق كويستيان

nadia hanawi 2*ناقدة وأكاديمية من العراق 

يشكل العنف والإرهاب ثيمة مهمة وأساسية فيها رواية( فندق كويستيان) للروائي خضير فليح الزيدي وهي تستمد مادتها الخام من تفاصيل واقعية للمشهد العراقي الراهن المحتدم بين الحروب والحصار والتفجيرات والتطرف والطائفية. ولا يعني هذا ان الرواية تحاكي الواقع العراقي بمرآوية عاكسة بل هي تقيم علاقة على نحو تحويلي من وجهة نظر الذي يقع تحت وطأة العنف في الجحيم العراقي أو اولئك الذين يرتكبون فعل الإرهاب أو مشاريع الموت كما تسميهم الرواية .
ولان الغرائبية وسيلة السارد المفضلة في توصيف مرارة الواقع الهش ومأساويته لذلك غدت بعض الرؤى السردية فاضحة وقاسية.. وبالاسترجاع الزمني تتعالى نزعة التغريب عند ناصر في ذكرياته عن مركز استلام الجثث إذبان الحرب الثمانينية ليقدم لنا مشهدا عنيفا للطريقة التي بها يتم التعامل مع جثث القتلى .
وبشاعة الحرب وضراوة مأساويتها تجعل السارد لا يراها ماضيا غابرا بل هي حاضر يرتد على من عايشه ليجعل منهم ضحايا أتون لا ينتهي وهذا ما نلمسه في مونولوجات عديدة كقول ناصر:” ايباه منذ زمن وصنبور الدم مفتوح في هذه البلد ولا احد يفكر في غلقه” ص30، ومن التغريب المشهد الاستباقي الذي رسمه بركات وهو ينصح ناصرا بالتخلي عن فكرة الذهاب إلى بغداد وهذا الاستباق سيغدو وكأنه تنبؤ واقعي لمآل ناصر ورصد لمستقبل قادم مؤجج بالعنف والرعب والبطش .
ولئن كان الواقع فجا ومفجعا وسوداويا فان الروائي استعان من أجل ذلك بتقانة الوصف بكل وظائفها التفسيرية والتزينية والزخرفية فصاغ وعلى لسان علي وصفا تغريبيا واقعيا لموت ناصر الذي شبهه بنومة قيلولة على طريقة علب السردين ، ولعل من أخطر المشاهد تغريبا مشهد إعداد البطل لقماش العلم العراقي .
وقد لا يجد الكاتب بدا من توظيف كل ما هو فاجع ومقزز وهو يصف مناظر الدم في الشارع العراقي وما ذلك الا لان التجريد والرفض للتحديدات والانقلاب على المحظورات هي وظائف التزم بها الروائيون الواقعيون الذين اظهروا في اعمالهم بشاعة الحرب والاحتلال والكوارث التي تروع البشر وترعبهم وتعرضهم لقبح الإرهاب وظلاميته ، وقد يتحول التغريب الى استيهام وذلك حين يجد ناصر نفسه متماهيا مع وهم رباب ووهم المخطوطة وهذا الاستيهام هو الذي سيدفع بناصر إلى حتفه لتكون رباب هي النهاية لجنون العاطفة على وفق وعي باطني لا شعوري..
وباعتماد تقانة المونتاج المكاني يتجلى للبطل ناصر كيف ان الانسان بانخراطه في أتون الارهاب قد دمرّ نفسه بنفسه فيرضخ باستكانة لا يملك معها بدا الا بالانتفاض على ما حوله كانعكاس تغريبي لواقع تسجيلي متصدع وترجمة لمشاعر استلاب داخلي اعترته فنغصت عليه حياته كلها.
ومن ثم تغدو الغرائبية بمثابة تعبير موضوعي عن ادانة الفعل الارهابي ورفض علني لأساليبه البشعة والتدميرية فضلا عن تهكم واقعي من نمطية واقع لا يقبل التقدم الا بالتراجع ولا يؤمن بالوسطية الا تطرفا ولا الاعتدال الا غلوا ولا الحوار الا نزاعا ..
ولان هذا التعبير لا يصل الى القارئ الا عبر عرقلة أفق توقعه وخيبة انتظاره فان الروائي يعمد الى الايغال كافتعال مقصود يعضد نزعة التغريب الواقعي في الرواية لتكون الرؤية المهيمنة في النص رؤية نقدية حيال كل ما يجري في التاريخ والمجتمع .khudier flieh alzaidi 3
واسهمت الفانتازيا بشكل فاعل ومهيمن في تحقيق إبعاد الترميز الإيحائية والدلالية مؤدية وظائفية جمالية بعضها سلبية وبعضها ايجابية ولكن المتحصل من استعمالها في كلتا الحالتين هو التهكم والرفض وفي أحايين كثيرة الاشمئزاز بما يشابه الكوميديا السوداء أو الضحك بما يشبه البكاء لان الواقع بتفاصيله الدقيقة لا يفصح إلا عن الشر بما يجعل عملية تسجيل وقائعيته منطوية على دوما على سخرية كمشهد طيران جهاز الموبايل من سيارة جاسم لحظة تعرضه لإحدى السيارات المفخخة مما جعل جاسما يخرج من الانفجار عاريا كما ولدته أمه. او تحول الموبايل من جهاز لخدمة الإنسان إلى آلة مدمرة للتفجير والسيارة من وسيلة لراحة الإنسان إلى أداة للتفخيخ
وترافق الرؤى الفانتازية مفارقة تتهكم من واقع الحال وما فيه من مغالطات رؤيوية ضدية متهكمة فعبارة (التفاح المتعفن) و( رائحة التفاح المشوي) التي تتكرر في تضاعيف الرواية تدلل على أن وظيفة الزمن إنما هي تحويل الجمال إلى القبح، فالتفاح جميل وهو رمز لكل شيء مغرٍ لكنه إذا ما تعفن فانه سيغاير اسمه لونا ورائحة ولذة فتتحول اللذة فيه سُما والجمال قبحا والعطر اختناقا.
وتتكرر في الرواية عبارات فوق السبعة وتحت السبعة وهي ترمز الى مرحلتين زمنيتين لنظامي حكم دكتاتوري وديمقراطي وما بينهما كابد الإنسان العراقي لظى الحرب والإرهاب في شكل من التنميط القسري حيث المغنطة أبدية للعودة الحتمية
وإذا كانت الفانتازيا تتجسد على هيأة ساخرة فإنها في الوقت نفسه قد تبدو مريرة فيها من الدموية والعنف ما هو غير قليل ومن أمثلة ذلك مشهد لم جثث الجنود في البراد المركزي وهو العمل الذي كان قد عُهد إلى ناصر القيام به مع فصيل من الجنود غير المسلحين ويتلاقى هذا المشهد مع صورة صف السمك في علب السردين .kh khudier flaieh alzaidi 7
وتشير عائدية الزمان للمكان في الرواية موضع الرصد الى حقيقة أن لا اختلاف بين ماض ذهب مع القرن العشرين وبين حاضر قائم في القرن الحادي والعشرين، فالنتيجة واحدة وهي حتمية التفتت والتشتت عند نقطة معينة بلا ابتداء، وثبوتية مآل الخوف والقتل بلا انتهاء..
ولعل المقصد من وراء فانتازية تداول الواقعة اليومية من الشارع العراقي هو استفزاز القارئ ودفعه الى تأمل الواقع الراهن وانتقاده ومن ذلك على سبيل التمثيل لا الحصر الفكرة الواقعية التي تقصد الكاتب تقديمها الى القراء في أن أحداث المخطوطة/ الرواية لا جديد فيها قائلا على لسان كريم حنش” ذاك الطاس وذاك الحمام عيشة نجسة أما مفخخات قرب الرصيف تترصد بنا أو حرب مدمرة تلتقطنا كالفئران، عمي العراق حياة محصورة بين قوسين متعانقين ” ص98..

شاهد أيضاً

قراءة في قصيدة: (تراتيلُ مطرٍ يُصَلّي) للشاعر “محمد سعيد العتيق”
د. وليد العرفي

قصيدة ذات نزوع صوفي في انجذاب متناه نحو المطلق ، وهو ما يتبدّى منذ العتبة …

نايف عبوش: نعمات الطراونة.. والتواصل العصري الحي مع التراث

لعل ما يقلق المهتمين بالتراث اليوم، هو الانحسار المستمر، في ثقافة التراث،وخاصة لدى شريحة الجيل …

صباح هرمز: مسرحيات يوسف الصائغ بين الخيانة و الانتماء
أولا: ديزدمونة وجدلية الشرق والغرب (ملف/6)

إشارة: رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *