ناظم السعود : لا صحافة أدبية في العراق (ملف/11)
شهادة صريحة حول مسلسل .. عراقي !

nadum alsod 6إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر الكتاب الجديد للناقد والصحفي والمجاهد الثقافي العراقي الأستاذ “ناظم السعود” “لا صحافة أدبية في العراق” على حلقات. وناظم السعود مدرسة صحفية عراقية أصيلة ، وقلم نقدي بارع ، وسمته المشتركة الأهم في الحقلين هو أنه مبضع لا يهادن، ولكنّه مبضع جرّاح فيه الشفاء للنصوص والنفوس العليلة، فناظم لا ينسى دوره التربوي الخلّاق أبدا. في هذه الحقات دروس عميقة ثرة من تجربة السعود.. فتحية له وهو يبدع وسط لهيب محنته.

المقالة :
انتهت قبل أسابيع إحدى القنوات المحلية من إعادة عرض المسلسل العراقي المعروف ب” مناوي باشا ” الذي تابعه الجمهور بشغف في عرضه الأول كونه يتناول باتساع وجرأة مرحلة تاريخية مهمة يصبح لزاما توضيح ما غمض منها ولا سيما لأجيال الحروب والإغراءات الكثيرة حولها، والمشكلة هنا ان القناة المذكورة اعادت حلقات المسلسل في الجزء الأول واكتفت بهذا غير مؤشرة او مبالية بالاجزاء المتبقية او المسروقة من هذا المسلسل العراقي الشهير !.
وأصارحكم ، احبتي ، انني لاحظت بل تعايشت مكرها مع هذه المشكلة ( أي تجهيل المشاهدين لما يرونه معروضا عليهم ) لأكثر من نصف قرن أي حوالي منذ افتتاح التلفزيون العراقي ولم اجد حلا معقولا او حتى تفسيرا منطقيا لهكذا مشكلة تعنى بالدراما العراقية او تتصدى لمشكلاتها المعروضة او المثارة او الممررة !.
لقد سألني كثيرون ممن تابعوا حلقات المسلسل المحلى أعلاه عن النهاية المفروضة والشخصيات والأحداث ان كانت حاسمة وختامية ام ثمة ما يليها وسيكملها فلا يمكن ان نتعامل بشئ مبتور وكانت النهايات لا تتطابق او تفسر البدايات او انها تظهر ناقصة ولا أقول مشوهة لما سبق من أحداث ، فأحار بالإجابة وان كنت ألوم الجهة العارضة التي وجدتها تعذب المشاهد العراقي من هذا البتر او ذاك التجهيل!.
للأسف أجدني مضطرا لان أقول ان هناك ثلاثة اجزاء حاضرة للعرض من مسلسل ( مناوي باشا ) وقد لا يعرف عنها المشاهد المسكين شيئا وكان الواجب تذكيره من إدارة القناة باعتبارها وسيلة وعي وتثقيف لا ان تحول المعروض فيها الى أداة للاستفهام والتجهيل ومحق التاريخ الوطني بشخصياته ومراحله ومنعرجاته ، والذي يشاهد الدراما المصرية ، مثلا ، سيتوصل الى ظاهرة مخيفة حاضرا ومستقبلا وهي: إننا أصبحنا نعرف التاريخ المصري بصورة تفصيلية لم نجد مثلها في الدراما العراقية وان الأجيال الجديدة أصبحت مغتربة عن تاريخها وبعيدة عن نضالات الشعب العراقي ونكباته المختلفة !!.
وقد انتبهت إلى ان إدارة الإنتاج في ذلك المسلسل كانت للأكاديمي والشخصية الفنية المعروفة الدكتور حمودي جاسم ( وهو صديق قديم منذ عهد الطفولة في بغداد ) فأرسلت له رسالة توضيحية وكاشفة لإزالة اللبس من هذا المسلسل … أرسلتها الى اسبانيا حيث يقيم حاليا وعائلته ، و أجابني تفصيليا حول ما سالت .. ولكن الرسالة وما كشفت عنه من خفايا ( ولك أن تقول فضائح ) جعلتاني أضع إصبعي على جروح عديدة تحيط بل تنز من الدراما العراقية ان كانت مغيبة او معروضة ، ولا أظن ان أحدا اقرب من الدكتور حمودي ممن كان يعمل بهذا المسلسل” مهموما ومنتجا ” يمكنه الحديث عنه وتشخيص سلبياته والتحذير من خطورة ما يحيط بها فهو شخص مثقف وواع لما حوله ولا يخشى من التصريح الكاشف والصادم معا .مناوي باشا
وألان علينا ان ننشر نص الرسالة التي وصلتني مؤخرا من اسبانيا والتي تميط اللثام عن حقائق مغيبة عن المشاهد العراقي أحاطت بهذا المسلسل المشهور مذ تسعينات القرن السابق ، ولكن هذه الرسالة/ الوثيقة تكشف بصراحة مذهلة ما يجري من الأعيب وتفاصيل تخص لا هذا المسلسل فحسب إنما غيره ممن كان او .. سيكون !.
غصة في “مناوي باشا”
حسنا يا صديقي ناظم استجابة لروحك الطيبة سأكتب لك عن “مناوي باشا” المسلسل التلفزيوني الذي يعد اليوم واحدا من العلامات المميزة في الدراما العراقية وان كانت لي فيه كلما يمر ذكره أمامي غصة الحيف وعدم الإنصاف..
كان نص مسلسل مناوي باشا الذي كتبه الصديق البصراوي “علي صبري” بمقتبل شبابه واشترته في حينه منه شركة بابل للإنتاج السينمائي والتلفزيوني.. بقي النص نائما بالأدراج لوقت طويل. وحين كلفت بعمل مدير الانتاج في تلك الشركة كانت الأمور المالية فيها كارثية، فمديرها المفوض السابق وهو رجل لا علاقة له بالدراما إطلاقا قد ورط الشركة بإنتاج مسلسل فاشل بكل مقاييس الانتاج ومرت عمليات إنتاج المسلسل بأخطاء كارثية أخرى مما جعل ميزانية ذلك المسلسل تصبح ثلاث أضعاف ما خطط له. ومن سوء حظ هذا المسلسل لم تكسب الشركة عنه فلسا واحدا بعد إنتاجه..
كان لزاما علي بعد هذه الظروف الصعبة في الشركة وخروج مديرها المفوض وتكليف احد الإخوة من أعضاء مجلس الإدارة بمهام المدير المفوض وتكليفي بمهمة مدير الإنتاج فيها. ولأجل تخطي العقبات قررت اللجوء الى صيغة الانتاج المشترك بين الشركة التي لها السمعة العريضة وبعض من معدات الإنتاج مثل الكاميرا والإضاءة وملحقاتهما ووسائل النقل وغيرها وبين المنتجين الذين لديهم المال.

غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن
غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن

علي ان أقول بان من أشار علي بنص “مناوي باشا” هو الزميل المخرج “نزار شهيد الفدعم” وقد كان تواقا لإخراجه، بحثت عن النص فوجدته ووجدت معه نصوصا أخرى. قرأت النص وأعجبني. كنت اتمنى لو استطيع الإيفاء برغبة زميلي نزار غير ان أملاءات الإنتاج لها ظروفها. تشاورت مع المدير المفوض المؤقت على مقترحي بالإنتاج المشترك فوافق الرجل. . أخذت النص وعرضت فكرته على اثنين من المنتجين. أولهم كان السيد مهدي وزميلته الفنانة هناء محمد ولم أجد لديهم الحماسة للمغامرة بمشروع إنتاجي كبير. فعرضت الفكرة على الاخ المنتج فاضل علوان فاستمهلني بعض الوقت وعادت الي بعدها بالموافقة.
جرى الاتفاق بيننا على كل التفاصيل وقدم لائحة تضم مجموعة كبيرة من خيرة ممثلي الدراما العراقية وكان هذا عنصرا من بشائر النجاح المتوقع للمسلسل ثم اقترح تسمية الصديق فارس طعمة التميمي وهو من طلبتي وسرني وجوده ودعمه. وكان قبول الفريق الفني بالنسبة لي طبيعيا فهم بمجموعهم من فناني دائرة السينما والمسرح مما يعزز الثقة بنجاح المسلسل دون حدوث عوارض وإشكالات. وقد ثبتنا بالتعاقد ان أكون المشرف على الإنتاج كوني ممثلا للشركة وان يكون الأخ عمار علوان مديرا للانتاج..
بدأنا على بركة الله وكأننا فريق واحد متعاون ولم تسجل بيوميات العمل اي مشكلة لا فنية ولا شخصية وكان الجميع متفانين بعملهم بصورة مميزة. ومن خلال تجاربي الشخصية السابقة استطيع القول بان فريق العمل الذي انجز “مناوي باشا” كان من خيرة الأشخاص الذين تميزوا بالمهنية والالتزام العالي والرغبة بالعطاء..
بالطبع قبل بدء التصوير كنت قد عرضت نص المسلسل على احد أساتذة التاريخ المعاصر وكان أستاذا بالجامعة المستنصرية فأعجب كثيرا بدقة المؤلف “علي صبري” واشاد بجهوده. بالطبع كانت ثمة ملاحظات بسيطة تم تفاديها مع الأستاذ علي صبري.
أصعب مشكلة واجهتنا وهي واحدة من أخطاء الانتاج المستعجل إننا صورنا بشهري تموز وآب في بغداد. كانت درجات الحرارة العائق الوحيد الذي تكبده زملائي من الممثلين والفنيين واذكر ان الزميلة الفنانة آمال ياسين بسبب التعرق الشديد والثوب المفصل لها لم يكن من القطن فتحسست بشرتها وعانت ما عانت منه.
ومن محاسن هذا المسلسل أنني اصطحبت لموقع التصوير المنتج اللبناني طنوس فرنجية وهو من كبار المنتجين وسبق له ان مول وأنتج العديد من الأعمال العراقية. فابدي استحسانه للعمل وكان من نتائج هذه الزيارة ان اقتنع بالدخول مع شركتنا بإنتاج مسلسلات جديدة وأحال لنا النصوص للاتفاق على اي منها للبدء فيه، ولكن…. واه من هذه اللاكن..
كنا على وشك الانتهاء من تصوير المسلسل تم تكليف السيد محسن العزاوي ليكون المدير المفوض للشركة.. وبمجيئه كان محملا بانطباع ان هؤلاء المنتجين ويقصد بالأمر الاخ فاضل علوان وإخوته بأنهم لصوص..وكان يتحين الفرصة لإيقاف العمل او لتعطيله ويقابل كل أجراء نتخذه بالتشكيك. واحتملت بهتانه ومراوغته معهم لحين انتهاء التصوير فقد كنت أقف حاجزا بينه وبين العمل لكوني انا مدير انتاج الشركة.
وعندما انتهى التصوير صارت الأمور هينة ولم يعد للأمر من تاثير على العمل.باشر الزميل “فارس طعمة ” حضوره اليومي أثناء مونتاج المسلسل. وعند النهاية من اجل عمل تايتل المسلسل طلب السيد محسن العزاوي ان يوضع اسمي بصفة “منسق للإنتاج” وهذا بخس بحق شركتنا اولا ورشح الشقيق الثاني للأخ فاضل علوان وهو طالب بالصف الثالث بكلية الفنون في حينها ليكون هو المنتج المنفذ.. سكت عن ذلك المخرج “فارس طعمه” وكأن الأمر لا يعنيه مهنيا. وسكت “فاضل علوان” وأشقاؤه عن الأمر لان فيه مصلحة لهم. حتى أنهم لم يدفعوا أجور عملي وهي منصوص عليها بالعقد وعندي الى الآن أوراق التكليف بالعمل. لم يكن أمامي الا الذهاب الى وزير الإعلام للتظلم. فأحال الشكوى الى الوكيل الأقدم السيد “حميد سعيد” الذي صمت هو الآخر عن إحقاق الحق.. وبظني ان سبب صمته كون” محسن العزاوي” احد جلاس أماسي في مجموعة “حميد سعيد” وهو المكلف بمهرجان بابل حينها.. ولم يكن أمامي سوى الصمت.
هذه باختصار تفاصيل غصتي مع “مناوي باشا”..ذهب ألم الماضي مع بقية الحكايات التي تجري بين الكواليس، وبقي المسلسل يؤشر انجازا فنيا يحسب لصالح الدراما العراقية التي يمكن لو أتيح لها فرصة وجود تقاليد عمل جيدة ان تعطي نتائج باهرة .
د حمودي جاسم
اسبانيا
4 / 4 / 2014

شاهد أيضاً

طلال حسن: عصر الديناصورات (قصص للأطفال) (18/القسم الأخير))

الديناصور 1 ــــــــــ عادت الديناصورة العشبية إلى وكرها ، عند غروب الشمس ، بعد أن …

طلال حسن: عصر الديناصورات (قصص للأطفال) (17)

ديناصور وديناصورة 1 ــــــــــ ككل صباح ، تأهبا للذهاب إلى المروج لتناول طعامهما من الأعشاب …

غانم عزيز العقيدي: دلامـــــة والخائن طوكان (قصص قصــيرة) (1)

دلامة والخائن طوكان بسبب كبر سنه وتعرضه الى الخسارة في عديد من المرات التي كان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *