عدنان أبو أندلس : الشاعر الأرمني خاجيك كرابيت في حسّرته الأفيونية؛ آلية التحكم في بوصلة أرض الأحلام

adnan abu andalusسمعت عنه كثيراً وبحثت عنه سنين َ,حتى قادتني اللهفة طواعية للتعرف على جانب من سيرته الذاتية, ولو بنص واحد عما يخالج هوسي عن هذا الكائن الحالم ببلوغ مسافة البعاد مرتحلاً ,غير أني لم اهتدِ إلى ذلك إطلاقاً رغم البحث المتواصل لسنوات عدة .
تقصيت أخباره من زملائه الذين مازالوا على قيد الشعرفلم أفلح أيضاً ,سوى عن نتفٍ شفاهية عن حياته المتأرجحة بين البقاء والرحيل, ولكثرةِ ماتلهفت بالعثور على ديوانه المحير (الحسرة الإفيونية) الصادرعن دار الأزهر بغداد \1976ولغرابة تسميتهِ إزددتُ فضولاً آخر بالتقصي الدؤوب.وأخيراً إهتديت إلى أوراق مستنسخة ومبعثرة بتسلسلاتها وما فقد منها, إرتضيت مبتهجاً.قلبتها بفرح لايصدق ,فكيف لا وهو الأرمني الوحيد في المشهد الكركوكي أنذاك ,حيث كان متواجداً بحضوره الدائم ضمن جماعة كركوك الثانية.تصفحتها كثيراً غير أني لم أعثرإلاعلى آه ٍ واحد تطابق عنونة الديوان , تساءلت ما سرعلاقة الحسرة بالإفيون ,كيف جمعت المفردتان معاً ؟ لكن حالما إطلعت على شرح مفصل للدكتور السردي عبدالله إبراهيم والذي عاصره طيلة عقد السبعينات ,زال العجب والتساؤل اللحظة حين قال في مقابلته مع الناقد عدنان أبو زيد( إلتحق بجماعة كركوك الثانية الشاعر الأرمني خاجيك كرابيت آيدنجيان والذي كتب مطولات شعرية غامضة وملتوية ,إستلهمت تأريخ ارمينيا ,وأعد ديواناً بعنوان (الحشرة الإفيونية) ودفع ثمن نشره في مطبعة بدائية في كركوك,لكن منضد الحروف لم يكن يفرق بين حرفي الشين والسين , شأنه شان الشاعر نفسه, فقد صدر بعنوان (الحسرة الإفيونية) فسّر هو بذلك ,كما سُّرت الجماعة بالعنوان المبتكر الذي حسبناه كناية عن حسرة الشاعر على وطنه الذي أصبح مجرد ذكرى )
إذ أن الأحلام من أكثر المفردات التي وردت في ديوانه(الحسرة الإفيونية) والذي يقع في- صفحة92- وضم بين دفتيه -78- قصيدة لم ارَ حسرة واحدة فيها ,أو تأوهاً مضغوطاً ينم عن حيرة لبلوغ الهدف ,لذا تأكدت يقيناً بأن الإلتباس وقع في فن الطباعة ليس إلا.
أن عنوان – الحسرة الإفيونية – وتأويلها هي أن تقوم أو تتقدم لعمل لم تفعله بعد فوات الآوان قد يتطابق مع الحسرة , أما عنونة – الحشرة الإفيونية – وكما هو معلوم شجرة يستخلص منها دواء يتحكم في السيطرة على الإعصاب والآلام البسيطة في الجهاز العصبي المركزي , يعيش بعدها بوضع لايحسد عليه كما هوالحال في مخدر –القات- قد يفي العنوان الثاني بأرجحية وأفضلية من سابقه .
المهم واستخلاصاً من الإشتباه الحاصل في المفارقة بين العنونتين , يتبين إنهما يلتقيان ربما – الحسرة \ الحشرة باثر دافع فسلجي لعضو ما , فترى على هذه الشاكلة دفقات سريالية تموء من بعيد كحلمه غير المحقق ,حيث أنها قلب السجال في توظيف نصوصه بها, فتراه يختم القصيدة بنهايات دخيلة لا تلائم المحتوى العام,لذا نصطدم بزعزعة المعنى ورجفات مصطنعة قد تدخل في صياغة الإستخدام المزخرف لتأطير النص ,وكما في ثنائية مجتمعة قهراً لارابط بينهما سوى الدفقة الغرائبية المشوشة بإلتواءاتها وفق غموض حياته وإضطراب مشخص في عمق الحلم البعيد,فاضحت صياغتها ذات أبعاد متنوعة تارة وأخرى مجزأة على فقرات عديدة يصعب تشخيص المراد منها بتطابق الحس النفسي الذي قد يتشعب منه الفوضى, من سآم وضجر وضياع وتلاشٍ وتشرد وحلم وعدم ,تلائم حسرته التي ذكرها على طرف اللسان,او ترصيعاً لأسطرباتت خاتمة للنص وإليك الكلمات المركبة مثل \ القوائم اللازوردية – أوقيانوس العدم- ريح برونزية – العقول الزئبقية – آلام سبرينطيقي- أدمغة إلكترونية –انغام الفلمنكو –قصيدة مينافيزيقية – أظافربرونسية – المركب الحلزوني – المدار البوهيمي – الأرض الإسفنجية – وآمبير وغيرها – هذه المفردات التي ختمت أكثر نصوصه,وقد تكاد أن تكون مستقلة عن متن النص غير انه دمجها للتأطير الفني وهكذا جرياً في مستهل القصائد منها قصيدة مصابيح الأمل ص13.
تركت بحيرة الحياة والاحلام
أمام سوار المدينة- مدينة بابل المهجورة
حيث دورة الأمل تسير بسرعةjama3a-krkok (2)
يبغي من وراء توهج الضياء في مسيرة بأمل في تحقيق يراد منه مسيرة بسرعة التطبيق – الحلم.
فالحلم كما يقول فرويد – أن الحلم ناتج عن الصراع النفسي بين الرغبة اللاشعورية المكبوتة والمقاومة النفسية التي تسعى لكبت هذه الرغبة )
وفي حلم غيبوبة الإلهام الروحي ص25 يقول:
آه..إن الفقر قاتل \ لابد أن أنتصر عليه \ لأنني إذا بقيت مكتوف اليدين \ تتحطم أحلامي
الصراع مع الفقر جهاد عيني مثل الحلم الذي يبغي الإنتصار من وراء غيبوبة نشطة وكما هي الحشرة الأفيونية للشد العصبي.
وفي قصيدة الموت وأنا ص38 حيث قدم الموت\ العدم على أنا – الحلم – هذا المزج المعني والمقصود هو حقيقة الحلم يقول:
أمهلني لكي أكون \ جلادك الأول
وقهقهه ضاحكاً \ حسناً ولكن أن تفعل بي الأن
لأني عظمة العدم
وفي سياق المقطع يقول:
إني لا أقهر أمامك بالموت
لأني أعظم من عظمتك العدمية
لأني أمتلك قدرة الشمس
في قصيدة مائدة مستديرة ص65- يلتقي الحلم بالعدم بصيغة القلق والمحبة:
الآلام تتبخر في فمهم –الآم سبرنطيقي
الآم الإنسان العصر الآلي-حيث في الغياب يتمظهر العدم وينوء بكشف الحلم كما في ياغائبي:
هل انت موجود ! \هل أنت موجود بدون جدوى \أم موجود بأظافر بروسية-وفي الحسرة الإفيونية يظهر الحلم برؤاه وفق ألية صريحة بعد إنجلاء التمني:
لم يعد الحلم حلماً
بل لأصبح بضاعة الآلة الإصطناعية
التي تجر منا ضحاياها
بذلك التمني الفكري والذي سبب له الشرود والغثيان وعدم الإستقرار النفسي ,فتراه على غير ذي إتزان رغم أنه إنبرى بألة التحكم( السبيرنطيقي) فإستقر بحمل فكرة تجديدية لايدري ماذا يريد وإلى أين يسير ,كأنه إنقلب على ذاته محاولاً الإنفلات من تبعات البيئة التي نشأ فيها , كالإنفتاح على عوالم آخر بروح بوهيمية تكاد توصله إلى ماربه:
لايكفي أن اعانق العدم الجميل بالقصيدة الحزينة
ولا أخفي تحت معطفي كل السعادة التي جاوزتها
مع الأشياء البوهيمية
وله ايضاً بتلك الروح البوهيمية شأن آخرفي قصيدة قوافل حجرية ص89:
العاملات زارعات بهجة وإبتسامة \ يغسلن من بئر ملونة
حتى إنهن يغسلن نظرات الناطور الممسوخ
قوافل صخرية ورقصات بوهيمية
ومن قصائده التي عنونها بالبوهيمية مثل – أنا خالق بوهيمي \ حلم البوهيميون .
إن بوصلة التحكم في حياته كانت تتأرجح بين الرحيل أو البقاء بفوضوية مكشوفة , لذا جاءت مفرداته متناثرة حيناً ومحتمعة حيناً آخر,تلتصق بقرينة نافرة وتنفلت إلى عالمها ,لكنه يضطر إلى لملمتها كي تلائم حسرته المصطنعة لابل شجرته الوارفة ,ربما وظفت تلبساً بمعنى وإشكالية في التأويل وفهم مزدوج أو بتسقيط إفتراضي أحتسبت له رؤى مبتكرة كما هو ينشدها في أحلامه المستديمة لفترة السبعينيات لذائقة ذلك الجيل المرتكز على حداثة وتجديد لمسايرة روح العصر وفق روح إقتحامية للتغيير وإكتشاف المجهول في ذات المتاهه, والتي يبتغي منها الوصول إلى ضالته \ موطن الأحلام\ أرمينيا كي يخلد فيها .
هذه الموجة قد ركبها طواعية ببوصلة معطوبة لم تبلغه حدود التيه لكنه وكما قال د.عبدالله (ظل إلى النهاية يراهن على أن الزمن سيجعله في يوم ما ,الشاعر الملحمي للاُمة الأرمنية شأن هوميروس عند الأغريق, والمتنبي عند العرب, وفردوسي عند الفرس) ركب حلمه وتأبط بوصلة معطوبة وغادر إلى المانيا في مطلع ثمانينيات القرن المنصرم ,فيمم وجهه شطر وطن أجداده وحيداً وعنيداً ,لكن تقطعت به السبل هناك فقضى نحبه قبل الوصول إلى أرض الأحلام .

كركوك 24-3-2014.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

| زياد جيوسي : قانون جذبي أنا بين المتخيل والواقع.

 ما شد انتباهي في الفترة الأخيرة كتاب من مئة وثلاث وثمانين صفحة من القطع المتوسط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.