عصام القدسي : أنا المدير

osam alkodsi 2وقف أمام المرآة وهو يمسك بربطة العنق بيده يقلب فيها نظره بحيرة . رأته زوجته أخذتها منه، وضعتها حول رقبته وقالت باستغراب وهي تشدها :
– الى أين .؟
– أريد الذهاب الى عملي .. ليس علي أن أتأخر..فأنا المدير .
همت أن تعترض لكن ابنها الذي ظهر خلفها هتف مداريا الأمر – سيتأخر عن الدوام فعلا.. ساعديه على ارتداء ملابسه .
وقفت زوجته متحيرة لا تفهم شيئا مما يجري ورمقت ابنها بنظرة ذات مغزى : – أنت تقول هذا .؟
أجابها :- اجل دعيه يذهب .. فهو المدير .؟
خرج من البيت وانتبه للحديقة التي تحيطه تساءل مع نفسه متى أقيمت هذه الحديقة ومتى نبتت أورادها وأشجارها فهو لم يرها من قبل انحنى وقطف وردة حمراء كبيرة وسار وهو يحملها مر بفتاة صغيرة بضفائر كانت تقف عند محطة الباص وتتأبط كتبا بادرته “صباح الخير يا جدي ” والتصقت به وطبعت قبلة على خده ابتسم لها وهمس في سره ابنة من هذه من أبنائي .؟ ونسي معرفة الجواب . سارت معه خطوات وسألته بمرح : – الى أين أنت ذاهب؟
– الى عملي .
– الى عملك .؟.. ولمن هذه الوردة الجميلة ؟
نظر إليها شزرا وواصل سيره بخطى وئيدة . توقف عند كشك صغير بادره صاحبه العجوز : – صباح الخير ياحاج الى أين العزم .؟ تلكأت الكلمات في حلقه لكنه قال له : – أعطني علبة سجائر ونسي اسمها فابتسم له وقال: ولكنك تركت التدخين منذ زمن بعيد . وأعطاه علبة من السجائر التي اعتاد قبل سنوات عليها . بحث في جيبي سترته وجيوب بنطلونه وتوقف لحظة يفكر ثم دس يده في جيب سترته الداخلي وأعطاه حفنة من النقود . ابتسم العجوز ثانية واستل مبلغا وأعاد إليه الباقي . مر بمقهى الحي وتطلع بالوجوه كمن يبحث عن شخص ما . لمحه احد أصدقائه القدامى هتف به : – تعال يا حاج لنشرب الشاي معا .
رد عليه بحزم : – سأتأخر على الدوام . ارتسمت الدهشة على وجه صديقه . لكنه واصل سيره دون اهتمام.ثم استقل سيارة أجرة ، وصل الدائرة دلف إليها شاهده الحارس عند المدخل حياه وسأله : – ما الذي أتى بك ياحاج .؟
رد عليه مستفهما : – اليوم عطلة .؟
– لا.!!
– إذن دعني ادخل.
– فأفسح له الطريق وقد بدت الدهشة على وجهه
قال مع نفسه :- هل جن الجميع ..أم نسوا أنني أنا المدير .
وما أن سار خطوات في ممر المدخل حتى شاهد كشكا لبيع الشاي والسجائر يالله .. الى هذه الدرجة أفلتت الأمور .. من وضع هذا الكشك هنا وفكر أن يصدر أمرا برفعه فورا فهذه دائرة حكومية وليس سوقا شعبيا. وراح يجتاز الممرات واخذ يبحث عن مكتب نرجس الموظفة الجميلة التي هام بها يوما ليقدم لها الوردة الحمراء لكنه لم يجدها شعر بحماسته تتسرب ، أرخى يده فسقطت الوردة تحت قدميه ، داسها ومضى حزينا ولاحظ على المكاتب وجوها لم يرها من قبل فأخذته الحمية :- من هؤلاء .؟ ..موظفون جدد .؟ ودون علمي .؟ توقف عند غرفة تحمل لوحة “غرفة المدير” استقبله الفراش ببشاشة وترحاب وحين أراد الدخول منعه بلطف فراح يصرخ بوجهه : – كيف تجرؤ .؟ وأمره أن يذهب ويعد له قهوته الصباحية . في هذه اللحظة خرج شاب أنيق المظهر من الغرفة وما أن رآه حتى عرفه ابتسم معتذرا ووضع يده على كتفه وأمر الفراش أن يأتي بقهوة الحاج المعتادة ثم أوسع له الطريق الى داخل الغرفة دخل بقامته المديدة ودار حول المكتب الفخم واستقر خلفه بينما جلس الشاب الأنيق أمامه على كرسي. أدار الحاج عينيه بالغرفة وشهق يااااه كم تغيرت .. أين الطاولة الكبيرة التي كانت هناك .؟ والساعة الكبيرة من غير مكانها على الحائط ..وأين دولاب الملفات .؟ وتذكر فجأة انه كان يوما مديرا للدائرة جلس سنين طويلة في هذه الغرفة وعلى هذا الكرسي وانه تقاعد منذ أعوام ولزم بيته ومنع من الخروج إلا نادرا وبرفقة احد أبنائه بسبب مرض النسيان الذي أصابه وأزرى بعمله رغم انه لم يصل بعد الى سن التقاعد. كان المدير الجديد الذي يجلس أمامه موظفا من الدرجة الخامسة حين كان هو مديرا للدائرة وكان يكن له المحبة والاحترام ويعامله كابنه وهو الذي رشحه للمنصب بعد مثابرته واجتهاده ونيله الماجستير . ابتسم المدير الشاب بوجهه وخاطبه برقة ومنتهى الحب – أي حاج .. أي ريح طيبة أتت بك إلينا .
انتبه لنفسه وغمغم بخجل بكلمات غير مفهومة وغادر المكان .عندما أصبح خارجا في الشارع وجد ابنه في انتظاره .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــــــري بـمـوقـعــنــــــــا
| محمد الدرقاوي : التاكسي 75…

“ساكن جديد حل بالحي” ، هذا ما أسر به عامل مقهى في أذن مقدم الحي …

| د. ميسون حنا : كرة .

ضرب أحدهم كرة، تدحرجت بعيدا، حاول الكثيرون الإمساك بها دون جدوى، اختفت عن الأنظار وتوغلت …

تعليق واحد

  1. صالح الرزوق

    قصة طريفة. للعراق نكهة في الشعر الحديث و القصة الطليعية و رواية الغرائب و الأدب السياسي. منذ كنت أتابع فاضل العزاوي و عبد الستار ناصر و جمعة اللامي و أنا أعتقد أن هذه الموجة من الحداثة تمهد الطريق لبنية مستقبلية. لكن الصدام مع فكر الردة يعزز من الكوابح و ليس المحفزات. و هذه مشكلة لا حل لها إلا بمزيد من الفرص للأقلام الشابة.
    القصة مثل الصورة عن النسيان.
    لا أعرف لماذا يختار الموقع صورة أبيض و أسود من الماضي الذي يصر على العودة إلينا بكوابيسه؟
    شكرا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.