د. حاتم الصكر : شتاء المراعي .. والشعر الرعوي الحديث (ملف/26)

hatam alsakrإشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.

المقالة : 
شتاء المراعي .. والشعر الرعوي الحديث
د. حاتم الصكر “
” قد يغذي الراعي غنمه لتسمن
لكنه ..وعندما يغني
يشدو بأغنية رقيقة ….. ”
” فرجيل ..الرعوية السادسة ”

يكرس الشاعر ” عيسى حسن الياسري ” بديوانه الجديد – شتاء المراعي – اتجاها ً
” رعويا ً” في الشعر العراقي الحديث , كانت له في أشعار ” السياب ” الأولى بذور لم تمهلها تحولات الشاعر الفنية لتستقل في حقل واضح السمات ,فظل التراث الرعوي للسياب مرجعا ًلتشخيص البيئة القروية , وتفاعل ْ الشاعر معها , وصياغتها فنيا ًفي أجواء رومانسية انسحبت إلى الظل بعد بروز المؤثر ألمديني في موضوعات شعره الباحثة عن أشكال مبتكرة ساعدت مغامرة التجديد التي قادها ” السياب ” على بلورتها.
” والياسري ” يفاجئ قارئه في أول بيت من أول قصائد الديوان بالقول ”
” أنا آخر قروي ٍ ..حاول أن يترك أغنية في وحشة هذا العالم ْ ..أن ْيمنحه مرعى ًوقطيع شياه ْ .
محيلا ً ذاكرتنا إلى صيحة الشاعر الروسي ” يسنين ” – أنا آخر الشعراء القرويين .. متواضع بقصائدي كالقنطرة الخشبية – .
وكلا الشاعرين ينعي عالما ًقادما ًمن الماضي , ينسحق تحت لا فتة عالم قائم تحوم فوقه ” غربان ٌ جائعة ٌ ” لدى الياسري , بينما تقوم بذلك في قصيدة ” يسنين ” – الشموع الكنائسية .. وساعة القمر الخشبية التي تدق الثانية عشرة .. إيذانا ًبانقضاء ٍوانتهاءٍ أبديين – . ورغم تغافل الياسري عن توثيق الصيحة الاستهلالية ” أنا آخر القرويين ” فإنه لا يتغافل عن تراث القرية مادة لشعره , بدءا ً بالعنوان الذي يتآزر فيه الزمن ” شتاء ” والمكان ” المراعي ” لخلق إطار يحف بالقصائد , معتمدا ًمفردات القاموس الرعوي الممتزجة غالبا ًبالمرجع القروي رغم الفرق الواضح بينهما , فالمرعى أكثر تحديدا ًعلى مستوى الترميز من القرية , المرعى مكان مشترك بين الإنسان والحيوان والنبات . بينما تتأكد صورة القرية في ” موتيفات ” مأثورة لم تخطئها أعين ” السياب ” و ” جبران ” وسواهما , ممن تكررت في أشعارهم طرق القرى وبيوتها وساكنوها وشيء من عاداتها .aisa alyasiri 8
ولكن ّوقائع ” شتاء المراعي ” من النوع الشعري , أي أنها لا تحيل بالضرورة إلى المراعي مكانا ًفي جغرافية أرضية مرسومة كتضاريس متواطأ عليها بين الشاعر وقرائه , بل نجد لها قوة الشفرة الشعرية ذات المدلول المنفتح على وعي الشاعر ,الموصوف في قراءاتنا بأنه وعي رعوي , فهو يسم كل ّ” جميل ” و ” ماض”
و” بريء ” بأنه كائن رعوي بمعنى الانتماء الفني – الرمزي – ويقابله بعدوانية كل شيء ” قبيح ” و ” قاس ٍ” و ” حاضر ” في ثنائية واضحة , لا تحتال أو تتخفى أو تبحث عن تعينات أو تحديدات بنائية , تتطلب كدا ًأو توليدا ً على مستوى التلقي , وهي تستند في انكشافها البنائي ومباشرتها إلى ذلك التراث البعيد من الشعر الرعوي الإنساني الذي تعود أقدم نماذجه المسماة صراحة ًإلى ” فرجيل ” وقصائده المعنونة
” بالرعويات ” والمنصرفة إلى الريف مكانا ً , وعادات الرعاة وأغانيهم وأجوائهم موضوعا ً , ثم بلوغ ” فرجيل ” درجة التماهي مع موضوعه في كتب ” الزراعيات”الأربعة وجو الفلاحة وأعمال الزراعة , مما صوره بالتدريج وصولا ً إلى ملحمته الشهيرة ” الإنياذة ” .
في العهود التالية , وعصر النهضة بوجه خاص , تغدو ” الأكلوج ” – الرعوية – مصطلحا ً خاصا ًبوصف الطبيعة الريفية المثالية , بل تتعداه إلى أية قصيدة رعوية في شكل محاورة بين راعيين ,أو ذات معالجة رمزية مشابهة , ويبرز هنا اسم الشاعر الإنجليزي ” أدموند سبنسر ” وديوانه – تقويم الرعاة – , وعمل فيليب سدني القصصي ” أركاديا ” , وما استثمر أو تطور لا حقا ًفي الشعر – الرومانتيكي –الذي تكون فيه الطبيعة عامة ً مولّدا ًشعريا ً مهما ً, إلا أن ّمحاولة تعتيق الشعر الرعوي – أي البحث عن جذور قديمة له وأصول عربية , سننصرف دون شك إلى اللوحة الرعوية في صور الوصف , وأجواء البداوة , وقاموس الرعي الذي كان يشتغل بقوة داخل البناء الفني للقصيدة قبل الإسلام وبعده بفترات , وهي أصول تمدنا عند المقارنة بما يمكن عده متشابها ًأو مطورا ً أو مستحدثا ًفي أسلوب بناء القصيدة الرعوية الحديثة . kh aisa 2
ما الذي يمكن أن يضيفه إذن ديوان حديث في باب الشعر الرعوي , وعند نهايات قرن التحولات المفاجئة الحادة , قرننا الأخطبوطي المتشظي بعنف وفظاظة , والمنتقل إلى عبودية آلته القاسية , لعل امتياز ” الياسري ” في – شتاء المراعي – يكمن في مواصلة خطه الجنوبي الذي تعرّفنا عليه مطالعتنا لما حملت دواوينه السابقة من عناوين كان الجنوب واضح الاسم والوصف فيها ” طائر الجنوب ” و ” سماء جنوبية ” .
الجنوب هنا جهة دلالة لا اتجاه , وبذلك يكون ” شتاء المراعي ” منطويا ً تحت لا فتة الجنوب الجهوية , وما تختزنه من دلالات , ودون ذلك يكون للمراعي اتساعها في المكان مما يضم السهل والجبل وكل ما يصلح مرعى , وبهذا التأويل تسقط خصيصة المرعى وتفاصيله , وتلك العناصر التي لا تكتفي هنا بأن تكمل بعضها بل تعيد حياتها.
فالنهر –مثلا ً- جزئية مكانية , والغروب جزئية زمانية , لكنهما يعبران عن كون رعوي واحد , فالنهر في القصائد يخترق الحقول , ويغسل أجساد أطفال القرى , والرعاة , وحيواناتهم , بينما يرد الغروب مقترنا ًبلوحة العودة من المرعى إلى الأكواخ , وأوبة الرعاة التقليدية .
إن ّاختيار المرعى الجنوبي على مستوى الدلالة , يهبنا فرصة أن نتخيل مكانا ًفسيحا ًغير محدود بجدران أو تضاريس , وانطلاق الرعاة ومخلوقات المرعى في مساحته المطلقة , ما هي إلا المعادل الفني للحرية والانطلاق والبداهة التي يمنحها الشاعر أبعادا إنسانية بوعيه المسقط عليها
إن المرعى هنا معاد التشكل بوعي – ظاهراتي – فهو ذو صورة متخيلة , تتآزر الذاكرة والمخيلة في صنعه , وتتسلسل به من حرفيته إلى إنسانيته :
” أتذكر ُ سنوات ٍ ممطرة ً .. ماشية ً تتجول في المرعى .. أصحابا ً … ” kh aisa 10
يمكننا أن نلمس في هذا المجتزأ الشعري ثلاثة انحرافات عل مستوى البناء , أولها وصف السنوات بأنها ممطرة تعبيرا ًعن انتمائها إلى عنصر” الجميل ” في ثنائية ” الجميل – القبيح ” وانسحاب المطر إلى السنوات نفسها لا إلى طقسها أو مناخها .
وثانيها إعطاء حرية التجول للماشية وهي مأمورة براع في مرعاها , وهو انحراف معاكس للأول إذ منحت الماشية حرية تمنح لراعيها , أما الانحراف الثالث فهو خارجي ينتقل بالتذكر من الزمان ” السنوات الممطرة ” و ” المرعى ” إلى البشر المعبر عنهم بالأصحاب .
وهذه أبرز ميزات القصائد الرعوية للياسري , فهي لا تذهب إلى المرعى لتختاره مكانا ًبديلا ًرغم ما يظهر من تضاد بين المرعى والمدن ” باراتها الخانقة ” و ” هواؤها الفاسد ” و” شراسة ناسها ” , بل نزعم أن القصائد تحضر المرعى لازمة ًلما يسميه الشاعر ” زمن البراءة السعيد ” فإزاء كل ما هو منفتح , منبسط , غير محدود , يجابهنا الحاضر بالقيود والزيف والتحديد وهو ما لا يريده الشاعر .
إنه ينعي أيضا ًسليقة الفطرة وبراءة الطفولة وبداهة العيش مما ذهب مع سنوات المرعى وفصله الغامر – الشتاء – , وثمة ما هو غائب رغم حضوره في طرق ثنائية واضحة , أعني الخريف الذي ذهب بحلوله كل شيء – العمر والحب والبراءة – .
يستطيع قارئ الديوان بعد أن يشخص الجو الرعوي – لا القروي كما توهم القصائد , ويمضي في إعادة تشكيل المكان المفترض , أن يتعرف على ثنائية الواسع – الضيق التي هيمنت على رؤية الشاعر في الديوان , فالواسع هو المرعى مقترنا ًفي التذكر بالزمن الماضي دائما ً, يناظر زمنا ًومكانا ًمعاصرين فيهما من الضيق ما يشعرنا بالخسارة :
” لا قرى ً .. لا مواقد ُ هذي مدافن طفل الشتاء ْ ..وهذا الذي يتصاعد من كوة الكوخ ِ..
دخان أحلامنا الذابلة ْ… ” .kh aisa 8
فالماضي المتسع ممثلا ً له هنا بالقرى – المواقد – الطفل –الشتاء – الكوخ – البناء بدائي دون أبواب – الأ حلا م , وهي كلها أماكن أولى – بدائية ,ذات اتساع ونمو , القرى المنفتحة على الحقول , والمواقد على السماء , والطفل المشرع للنمو , والشتاء المكتنز بالمطر , وبناء الكوخ المتطامن والمفتوح , والأحلام التي لا تحد , أما الحاضر في المقطع السابق فتمثله , أو هو ذاته ممثل في أماكن مغلقة , وصفات ضيقة : مداخن – كوة دخان –ذبول , ويقابل هذا الإحساس بالضيق رعب مزدوج : مكاني يخشى ليل المدن وهواؤها وأماكنها وقسوتها , ورعب زماني يفترض عصراً وحشيا ً له قوة قدرية تسحق الشاعر وقراه :
” يا هذا القرن ْ .. وجهك رعبي ..
قدماك مطاحن كوخي ”
وإذا كانت للقرن – كناية عن عصرنا الحاضر – قدمان وحشيتان تطحنان كوخ الشاعر , فإن الكارثة إذ تحصل لا يجد لها الشاعر سوى ما تتركه في اللوحة الرعوية من نكبات يعرضها وكأنها صور مقطعة من حطام معركة :
” مراع ٍمحروقة ُ .. شجر ٌعار ٍ .. فيضانات دخان ْ ” .
إن ّالشاعر يسترسل في مناداة زمن المرعى حتى تستحيل كل مفرداته طقسا ًجديدا ً لهجو الحاضر , وحتى يصل الأمر إلى حد وصف روث الأبقار بالبخور , والحنين إلى جنيات المرعى اللواتي أخذنه صبيا ً . بين القرى والقرن أكثر مما بين الألف والنون من بعد ًفي التسلسل الهجائي ,وافتراقهما –الفوينمي – يفتح في ذاكرتنا مدلول تقابلهما العدائي في – شتاء المراعي – , تقابل يمثله تسلط الزمان الأبدي – القرن – على المكان المتحول – قرى – , وهو صراع لا ينفك الإنسان يحسه ويعبر عنه دون أن يجد له حلا ً.
وفي – شتاء المراعي – تنويع آخر لصيحة ٍ إنسانية يحفها العجز والألم والخسران , لكنها صيحة لها – على الصمت – فضائل لا يحصيها العد .
……………………………………..
” * نشرت في جريدة القادسية في 18 حزيران 1992 وفي جريدة القدس العربي اللندنية
” ملاحظات وإحالات :
-” شتاء المراعي – شعر : عيسى حسن الياسري – بغداد – دار الشؤون الثقافية – 1992
– رعويات –فرجيل – وزراعياته – تحليل في كتاب الدكتور – أحمد عثمان – الأدب اللاتيني ودوره الحضاري – عالم المعرفة – ص 214 وما بعدها

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.