أسعد الجبوري : بريد السماء الافتراضي ؛ حوار مع الشاعر الإغريقي هوميروس

asaad 9كنا على وَشْك الفشل في مهمة البحث عنه بين صحائف السموات وطبقاتها الشاسعة.لكن لحظة فاعلة من تلك المواقيت الإلهية، أنقذتنا بالوصول إلى الهدف. وهكذا عثرنا عليه جاثماً على ركبتيه أما لجنة من المُحَلّفين .كان السُّكْرُ تَعْتَعَهُ،فجعل منه شخصاً متَّرَدُّداً فِي الكَلاَمِ أمام قضاة تلك المحكمة التي نُصبت للتحقيق بهويته التي طالما شابها الغموض على امتداد تواريخ السجلات الإغريقية .
أنه الشاعر هوميروس.رجلُ الملاحم التي أنعشت اللغةَ بالإلياذة والأوديسة،وأشعلت الشعوب بحرائق الحروب وجنون الرغبات والخيانات والصراع على النساء والتيجان ومدن ما قبل طروادة وما بعدها.
ومثلما لا ينبغي محاكمة شاعر ثمل بملاحمهِ وأساطيره،فسرعان شهدنا على تأجيل استجواب هوميروس إلى حين أن يفرغ رأسهُ وتجف أوردته من الكحول،ليستفيق ثانيةً، ويثبت من يكون في حقيقة الأمر الواقع.
كنا مندهشين من الموقف تماماً .وما أن غادر المحلفون والجندرمةُ والجندُ من الحراس المكان ،تاركين الشاعر على الأرض مرتجفاً وخائر القوى،حتى تقدمنا نحوه وحملناه على ظهر دابّة وحيد القرن إلى خط الشلالات في الجانب الآخر من فردوس المغتربين.هناك أجلسنا حتى تشبّع ماءً.وما أن بدأت مصابيح الوعي بالعودة إليه،حتى سألناه بهدوء وتروٍ قائلين :
■ نحن في ورطة يا سيد هوميروس.غوغل لم يُثبت تاريخ ميلادك.ولا شيئاً من صحائف أعمالك الشخصية. فما العمل ؟!!
ـــ لا تأخذ ذلك بعين الاعتبار. فما ذكرته أنتَ ،ليس بمعضلة.ففي زمن الإغريق ،لم يكن عندنا مقاتل أو رجل مثل باسم غوغل.كنا نؤرخ تواريخنا بالسيوف والرماح فقط.أنا عندي شعور خاص واستثنائي،بأن هوميروس الذي تبحث عن تاريخ ميلاده،ما زال في رحم الأساطير.
■ وهل يَصحُ أن نعتبر الأساطير مثل مَجَرَّات تدورُ في فضاءات مجهولة، يعيش فيها الغامضون ،ممن لا يريدون توضيحاً لمعالم صورهم وهوياتهم وسلالاتهم العائلية ؟
ـــ الأسطوريون تواريخٌ مفتوحةٌ .هكذا فَقِه النجوم على الدوام خارج:كائناتٌ لا تُلّمس ،وخارج الحبر والورق والكاميرات.
■ ربما ذلك عملٌ،لا يجيدهُ إلا صُنّاع الأوهام والمَسَرّات الخيالية.أليس ذلك صحيحاً يا هوميروس ؟
ـــ كلما مرّ الزمنُ بفترة تصحر أو يباب،سرعان ما ينبري العظماءُ إلى ملئ المساحات الفارغة في الذاكرة الإنسانية بالحوادث والأشياء اللامعقولة. وهكذا كانت صناعة الأساطير والملاحم منذ قديم الزمان.روايات عن ملاحم ضخمة،عادةً ما تجعل الزمنَ حشوة قابلة للاحتراق في الذاكرة البشرية على الأرض وفي السماوات كذلك.فربما الأساطير والملاحم المكتوبة بنصوص السماويين،أعظم أثراً مما قمنا بتدوينه نحن على الأرض .
■ ولماذا لم يُختَرق التاريخ الحديث ،بنشوء أساطير جديدة،غير تلك التي جاءت من الحقب الكلاسيكية،لتنام وتستفيق في الذاكرة.وأنت واحد من أولئك الذين صنعوا ثقباً واسعاً في التاريخ. ما رأيك؟
ـــ لم أعط الصحافة الإغريقية وقتاً طويلاً للحديث عما ذكرته أنتَ.فأنا شاعر مشغول بتدوين أعمال الفرسان ليس غير.homeros
■ وماذا تعلق على كلام (مارتن وست) الذي قال عنكَ: ( أن هوميروس ليس اسماً لشاعرٍ تاريخي، بل اسماً مستعاراً. بينما ترى مصادر قديمة أخرى، أنه عاش في فترة قريبة من حرب طروادة المفترضة. ويعتقد إيراتوسثينيس الذي جاهد لإثبات تقويم علمي لأحداث حرب طروادة أنها كانت بين 1184 و1194 ق. م. )).
ـــ أنا ((وُلدتُ في إيونيا الواقعة في آسيا الصغرى، قرب سميرنا أو جزيرة خيوس، ومتُ في كيكلادس. اسمي الأصلي “ميليسجنس” (مولود من نهر ميليس الذي يجري قرب المدينة)، وأنه ابن الحورية كريثيس.)) على أية حال ،أنا لست بارعاً بتحديد يوم مولدي.لكن ذلك بات مبهجاً بالنسبة لي. كيف لا يكون المرءُ سعيداً ،وهو يجد المئات من المختصين،وهم ينبشون الأرض بحثاً عن تاريخه ؟؟
■ لماذا تقول ذلك يا سيد هوميروس ؟!!
ـــ لأنني كنت أكتب تلك الملاحم بمداد المقاتلين المتوحشين .كل صفحة من ذلك التدوين كانت مزدحمةً بالجثث وحطام السفن والخراب.لقد أصابني العمى في الصميم من جراء مناظر الموت وروائحه الكريهة السّامّة .
■ إذا كانت الإلياذة والأوديسة عبارة عن (مسلخين) للحوم البشرية،فما الذي دفع بك لتدوين حركة الدم خارج الأجساد والغناء لها بتلك الأناشيد الحماسية ؟!!
ـــ لقد عُينتُ مراسلاً حربياً في كتيبة التجنيد البحرية.ولم يكن أمامي إلا الانخراط في طقوس تلك الحروب وطواحينها القائمة على الحماس قتلاً وغناءً وسفراً.لذلك ،وبسبب اتساع رقع القتل والقتل المضادّ،كنت في أحايين كثيرة،لم أتمكن من ارتداء سراويلي الداخلية بالدقة الأدبية المطلوبة. لقد عشتُ في زمن طروادة تجارب الفناء المَشُوب باللذة العظمى للنصر.
■ هل كنت تابعاً ،تطبيقاً للدلالة على الاسم الذي تحمله. فكلمة “هوميروس” تعني: “قائد الأعمى”وهي بالتقليد الإيولي تعني “الأعمى”.فيما يرى آخرون ( أن “هوميروس” كلمة قد تعني ((مُلحن الأصوات ) .لم يحصل اسمك على اتفاق بالإجماع.ما رأيك؟
ـــكان العالم الإغريقي عالماً ميلودرامياً بحق.فمثلما كانت لغة الحرب تمشي مع الدم في الشرايين بكل فخر وفروسية،مثلما كانت أقوامٌ كثر غير منسجمة مع حركات الملوك ونزوات الإناث الطاغية على أغلب مشاريع العسكر المميتة .آنذاك،وفرّتُ على نفسي الموت بالصراخ الشفاهي الذي كنت أعصفُ به أبدان المدونين حتى بلوغ ذروة اللا وعي .لذة الفقدان.
■ ثمة من يعتقد بأن الإلياذة أقدم نصٍ أدبي مكتوب في الأدب الغربي. الآن .كيف ينظرُ هوميروس إلى ما قاله ((غريغوري ناجي)) أن قصائدك عموماً، لم تصبح نصوصاً ثابتة إلا بحلول القرن السادس قبل الميلاد؟
ـــ ربما يرى أحدٌ صحةً في مثل ذلك القول.فالشعر الإغريقي استطاع مقاومة التَّلَف ،عندما وجد من يقوم بتوفير مادة له، شبيه بمواد لحفظ الطعام من الفساد،فقام بصيانة ذلك الشعر .
■ سأنقل إليك ما يقوله البعض عنك: ((يعتقد كثيرون أنه من غير المرجع أن تكون الملحمتان من تأليف الشخص ذاته، يرى آخرون أن التشابه الأسلوبي بينهما قوي بما فيه الكفاية ليدعم نظرية المؤلف المنفرد في مواجهة نظرية تعدد المؤلفين. وتحاول رؤية متوسطة ترأب الخلاف بين الطرفين، بالقول إن الإلياذة كانت من تأليف هوميروس في سن الرجولة، بينما جاءت الأوديسة في شيخوخته. ويتفق الجميع على أن الأناشيد الهوميرية والملاحم الدورية قد أُلفت في زمان يلي زمان الملحمتين.)) ما رأي هوميروس؟
ـــ أنا متابعٌ لتلك الشكوك الافتراضية .ومثلما كانت هي قاسية بلا رحمة ولا شفقة.مثلما كنت أرى أنها أفكار بلا عقل لأشخاص تمتْ تعبئتهم بالصدأ النقدي .
■ولكن سامويل بتلر حاجج قائلاً: بأن (( امرأة صقلية شابة كتبت الأوديسة – لكنها لم تكتب الإلياذة – واستخدم روبرت غريفز هذه الفكرة في روايته ابنة هوميروس كما استخدمها أندرو دلبي في إعادة اكتشاف هوميروس. )) فما ردّك!
ـــ لا بأس من ذلك.فليس أفضل من أن يكون المرء بنصفين: ذكري وأنثوي في آن واحد .إن أمراً من ذلك النوع،يوفر الطمأنينة للشعر ،كأن لا تكون في جانب أحد على حساب الآخر.فالذكرو- نثوية مصطلح يليق بالمخلوقات الخارجة من عصور الأحفورية نحو مَسْبَك الشهوات العظمى .
■ هل وجد الشعرُ الإغريقي حاجته بالشعر العسكري لمحاكاة السيوف والبطولات ورحلات البحر الهالكة،أكثر من شغفه بالرُومانتيكيَّة وحانات الغرام وذئاب الإيروس في غرف الليالي الحمراء ؟
ـــ أنا الشاعر التروبادوري الأعمى .غنيتُ لكل شعوب العصور. رافقت المتسولين والأمراء،وقطعت الجسور مع الريح لاستكشاف البلدان دون توقف.لم أستطع السيطرة على نفسي وسط غبار تلك الطقوس العظيمة التي ترتفع فيها مناسيب البهجة ،مصحوبةً باللذة التي تكون بغنٍ عن السيوف والملاحم وأكاليل الغار .الشعرُ في زمن الحرب،رغيف يُقذفُ بتنور ملتهب،ولا أحد يسيطر على اللحظة الفاصلة ما بين النضج والاحتراق سوى عين الشاعر.
■ هل لأن الفخر يملؤكَ نفسياً،فتطير منتفخ الأوداج كونكَ مؤسس الشعر الشعبي الملحمي ؟
ـــ أنا شاعرٌ باهظُ الثمن ودون قرطاسيه،ولكنني تمكنتُ من بناء الشعر بناءً ملحمياً بسبب الحروف التي كنت أراها نازلةً من العينين قطيعٍ من الُّليوث نحو حقول الأرض والأنفس الهائمة بكيمياء مدارس العواطف والصحة النفسية وكل ما يجعل من الجسد شريكاً للمطر والعاصفة.
■ أحياناً أظنُ حروفك تلك من الثّدْييات الإغريقية ؟
ـــ أجل.فطالما أحسُّ بحيوانات تتوالد في الرؤوس القريبة مني في محافل الشعر ومرافق تشرد الأفكار والصور.من تلك الحيوانات الثديية، كنا نستمد المتعةً ،لتوليد طاقة خاصة للغة .فالشعوب المتكدسة في مجرى تاريخ ،لا ترغب أن تكون مجموعات كتب فقط.وكنت أمتنع عن جعلها حقولاً للأرشيف.
■ يعتبركَ أرسطو طاليس مثالاً أعلى في الشعر ،فهو يقول عنك: ((أن هوميروس كان فريداً بين شعراء زمانه بتركيزه على ثيمة محددة أو حدث معين في ملاحمه.
بينما يصف ماثيو أرنولد خصائص أسلوبكَ المميزة بقوله:
« ينبغي أن يكون مترجم هوميروس واعياً بأربع خصائص هامة تميز مؤلفه: أن أفكاره متلاحقة. وأنه بسيط ومباشر في تطوير أفكاره وفي التعبير عنها وهذا يشمل كلماته وتراكيب جمله. كما أن مادة فكره بسيطة وصريحة، أي أن أفكاره بسيطة في جوهرها. وأنه شديد النبل.»
ـــ أنا لا أعرف لمَ يكون علىّ الردّ عن هؤلاء الذين يتناولون حياتي وشعري !!
النقاد في دخيلتهم كما قال لي بالأمس (هارولد بلوم ): يحبّون الاستمرارية ،ولكن ذاك الذي يعيش فقط في الاستمرارية ،لا يمكنه أن يصبح شاعراً . فالقراءة الشعرية الضالة ،تاريخياً ،علامة صحة،لكنها على الصعيد الفردي،ذنبٌ يقترف ضدّ الاستمرارية.ضدّ السلطة الوحيدة التي يُحسب لها حساب الملكية أو أسبقية المبادرة بإطلاق تسمية ما .
■ يعتبر الأوروبيون بأن تأثير هوميروس على آدابهم أحدث تطوراً بالغاً. خذ ألفرد هيوبك الذي يقول:
( أن تأثير أعمال هوميروس الذي شكل تطور الثقافة الإغريقية وأثر فيها ،قد أقرّ به الإغريق الذين اعتبروه معلمهم.) ؟
ـــ كل ما كان على تراب تلك البلدان،وجدته بداخلي صالحاً للإنشاد. كنت نسخة عن طبوغرافية الأرض الإغريقية. ربما لهذا كانت الإلياذة موسوعة جغرافية حاملة للأحاسيس الروحية والفنية والعاطفية للشعوب التي كنت أنتمي إليها جبالاً وأنهاراً وشجراً وأغانٍ تفيض بالحب وقصص المشردين والبواسل والقادة وحركات الأنجم.ولكنها أيضاً،كانت حافلة بالقتال.

■ بعضهم عثر عليك في الأوديسة ،شاعراً أعمى يروي للملك (أدويسيوس) قصصاً عن حروب طروادة .هل كتبت عن نفسك في تلك الملحمة يا هوميروس؟

ـــ لم يكن وجودي في الإلياذة وحسب،بل في كل ما استطعت تدوينه شفهياً أو بالكتابة على الحجر الخاص بالذاكرة.كنت أسري في تلك الأشعار مثل قطرات النبيذ الممزوجة بتلك الأصوات التي يخلفها المحاربون والعاشقون والمتألمون والعابرون البحار والأراضي الشاسعة نحو مصائرهم في الأساطير أو الموت الأبدي.لقد عشتُ متسولاً أو ملكاً على عرش الإلياذة والأوديسة،دون أن يمتلكني شعور بالنقص .
■ لم تكن لديك آلة كاتبة ولا برامج (وورد)على كمبيوتر .فكيف تم حفظ قصائدك يا هوميروس؟!!
ـــ كم تمنيتُ لو كان معي جهاز إليكتروني ماكنتوش ،لكنت كتبت الملايين من القصائد والصفحات.ولكن الذي حدث أن لساني هو من كان يُملي على المدونين ما كنت أفيض به من ذلك التراكم الشعري الشفاهي.
■ وربما بعد كل ذلك الجهد من الإملاء المُرهق،راح المدونون يسجلون قصصك وأغانيك وأشعارك المملة بالإشارات أو باستخدام طرق الإيماءات اختصاراً للوقت.
ـــ أعرف عن ذلك الأمر الكثير.فطالما فقد المدونون صوابهم من التكرار واستنساخ البطولات وأقاصيص العاشقين .وأصوات الشجن التي عادة ما تمتلئ بها الأغاني.إلا إننا كنا نتجاوز ذلك بحفلات السكر الشديد الذي كان يقودنا إلى الثمالة المطلقة البعيدة عن كل وعي.
■ وكنت تشرب بغزارة كما يبدو ؟!!
ـــ لا شِعرَ ينمو في جسد شاعر خالٍ من الخمر .لذلك فلم يَكُن أمامي إلا المضي قدماً نحو منابع النبيذ الإغريقي، تاج الروح،ومجدد اللغات .
■ والنساء .ألمْ يكنّ لهنّ من مكان في قلب هوميروس؟!!
ـــ قلةٌ من الإغريقيات ،يحببنّ شاعراً شعبياً من طرازي.فكيف وكنت أعمى ؟
■ ربما لأنك لم تلامس قلوبهنّ بعواصف من تلك العواصف التي لا تخمد لها نيران.
ـــ لقد كانت قوة الشكيمة الحربية في شعري ،أقوى بكثير من قُوة الحبّ .ومع ذلك حاولت فتح الأبواب على النساء من خلال الشّراب المُنضد بالكحولي،ولم تفلح كل تلك المحاولات.بقيتُ في الظل البارد،دون أن تغمرني شمسٌ في عمقي الذي ظلّ معتماً وصولاً إلى القبر.
■ لنقلّب الصفحة يا سيدي هوميروس . يصف ماثيو أرنولد خصائص أسلوب هوميروس المميزة بقوله:
« ينبغي أن يكون مترجم هوميروس واعياً بأربع خصائص هامة تميز مؤلفه: أن أفكاره متلاحقة. وأنه بسيط ومباشر في تطوير أفكاره وفي التعبير عنها وهذا يشمل كلماته وتراكيب جمله. كما أن مادة فكره بسيطة وصريحة، أي أن أفكاره بسيطة في جوهرها. وأنه شديد النبل.»
ـــ لماذا قَلَبتَ الصفحة وجئتني بهذا الكلام.دعني أتمتع بعطور النساء فقط.فأفكاري بهنّ هنا متلاحقة.وتراكيب كلماتي حولهنّ متشابكة.الآن أدركت بأن القصيدة التي لم تلمسها امرأة ،هي هراء وتسقط من صرح الملاحم.
■ كيف لهوميروس أن يسقط في هاوية الجفاف .بإبعاد نفسه عن الغرام فطرياً ،فيما هو في شعره فطري ((مثل الملاحم الفرنسية كأغنية رولان، ويُمكن تمييز أسلوبه بسهولة من أساليب فرجيل ودانتي وميلتون بسبب سهولة حركته ووضوحه التام. كما يُمكن تمييز أسلوبه عن أساليبهم لغياب الدافعٍ العاطفي وراء النص. ففي شعر فرجيل، دافع النص الخفي الذي يُحرك بلاغته إحساسُ بعظمة روما وإيطاليا، يُخفيه أحياناً وراء رقة لغته. بينما دانتي وميلتون شديدا الوفاء لتعاليم زمنهما الدينية وسياساته.
ـــ كنت أظن أن الوقوع في الحب،يعني الخروج من بحيرة الشعر المضطربة. أنا خجول بإبعاد العاطفي عن الشعري .وكل ما يُحكى عن الملاحم الشعرية،فإنها دون العاشقين،ليست بأساطير ،إنما تكون أشبه بحوادث سير على الطرق السريعة.
■ وهل سيكف هوميروس عن مدح الآلهة الأولمبية وسواها ،فيما لو تم نقله بمركبة فضائية إلى بلاد الإغريق الجديدة الآن؟
ـــ كلّ شئ يمكنُ تصحيح مساره. فبواسطة المخيلة،نستطيع إعادة ترتيب حوادث الكون من جديد .
■ وأيضاً داخل حصان طروادة ؟!!
ـــ لا .لا .الله يرحم ذلك الحصان.أنا شُقِيتُ كثيراً من وراء قصة جنون الملك(( أوديسيوس)) بالمدام ((بينيلوبي)) وشراسة المعارك البحرية التي خاضها ضدهُ إله البحر بوصيدون.
■ هل ما زلت خائفاً من كل البطولات الوهمية التي قمت بصناعتها يا هوميروس؟

ـــ أنا خائف من رغبات النساء الدفينة فقط.فكل أنثى صنعتها بيدي،سرعان ما أكلتْ هي أصابعي،لتجعلني نديماً للندم في الخمر والنحيب.بعبارة أدق،كان الجنس النقطة المركزية لكل تلك الملاحم الشعرية التي كانت بمثابة الراديو المباشر لأصوات الموتى في تلك الحروب .

19-4-2016
انتهـــــــــــــــــــــى

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاني متي  : إلى أين أمضي بنفسي ؟ .

وقالت لي نجوم الليالي التي ترقبني ، وتحرسني ، وتحدثني من العلى : -هل جاءك …

| د. عاطف الدرابسة : قلتُ لها .

قلتُ لها :   أنثرُ رؤايَ وأفكاري بين الكلماتِ ، كأنَّني أبحثُ عن الخلودِ في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *