أ. د. نادية هناوي سعدون* : دنيا ميخائيل وايقاع الفكرة في قصيدة النثر

nadia hanawi 2*ناقدة وأكاديمية عراقية

عرفت الشاعرة دنيا ميخائيل المقيمة في الولايات المتحدة الامريكية بنظمها لقصيدة النثر كجنس شعري ذي شكل فني له خصوصيته الجمالية والموضوعية على المستويات اللغوية والاسلوبية والتركيبية مما جعلها احدى شواعر قصيدة النثر المميزات في العراق .
وهي تكتب الشعر باللغتين العربية والانكليزية وقد حازت على جوائز شعرية في مهرجانات عربية وملتقيات اجنبية ..
ودنيا ميخائيل التي تنتمي الى الجيل الثمانيني الذي ضم ريم قيس كبة وسهام جبار ورسمية محيبس وامل الجبوري وغيرهن لها دواوين عدة منها مزامير الغياب.
في قصيدتها )كل شيء يخبرني انها نهاية العالم( تستقرئ الواقع العراقي بمنغصاته وسلبياته عبر رؤية سوداوية لا تحيد عن تلمس الواقع المر ولا تنزاح عن هول الكوارث المعاشة التي يمر بها العراق اولا والعالم من بعده راسمة رؤية ذات ايقاعية فكرية متميزة.
وهي اذ تستحضر تنبوءات نوستراداموس ومخاوفه من الالفية الثالثة فانها تعضدها بما شاع من اخبار واشاعات وتحذيرات علمية عن امكانية وجود فايروسات قاتلة جديدة تهدد البشرية وتتوعدها بالزوال والانمحاء فضلا عن مخاطر كثر الحديث عن هول نتائجها ومنها تلوث طبقة الاوزون وما يمكن ان تجره على البشر من كوارث وويلات ومحن وحروب ضارية تأكل الاخضر قبل اليابس:

كل شيء يخبرني
بانها نهاية العالم:
نوستراداموس
والفايروسات القاتلة الجديدة
وطبقة الاوزون
والحروب
وهي تتحسس هول المصيبة الانسانية التي ستودي بالعالم الى الهلاك كما انها لا تستبعد ان يسحق الشر واهواله كل ما هو خير وجميل وبريء حتى الفراشة هذا الكائن المسالم والوديع فانها لا مفر ان تتحول الى شر مستطير لا يقل خطره عن خطر اي امر شرير اخر .
اما الحب الصادق فسيستحيل الى مجرد احساس وجيب واقتضاب بارد للمشاعر بلا اي تبادل للأهواء والرغبات..
وسيتحول العمل الى مجرد عبث وقتي ليس من ورائه اي طائل للمضي والتحضر للمستقبل حتى ان النملة تكاد ان تتبرم من حمل جسدها غير آبهة بالخزن للمستقبل والاستعداد للجدب والخواء :
وأثر الفراشة الخطير
ورسالته ُ المقتضبة الباردة
في الرد على قصيدتها الطويلة
والطريقة التي تحمل ُ بها تلك النملة ُ جسدَها
وكأنها لاتعبأ ُ بالخزن بعد اليوم

وبذلك تخالف الحياة وظيفتها وما رسمه لها القدر فهل ستنطلي الحيلة على الاحياء ليهادنوا الاستسلام ويغازلوا الهزيمة ام ان الطبيعة ستفعل فعلها وترد الاشياء الى حالها الذي عليه خلقت ولأجله وجدت ؟donia mikaeil
وعلى الرغم من ان الشاعرة وهي تبوح بإحساسها على مضض الا انها تكتم حدسا اثيريا وتستحض همة نائمة لتوقظ لديها الامل وتبعد عنها الخيبة والضياع لتعلمها ان الحقيقة ليست كذلك ابدا فالعالم ما زال بخير والغيوم ما برحت تواصل مسيرتها الندية لترسم للحياة بهجتها ولتفيض على الحقول بخيرها ..
اما صدفة البحر فهي الاخرى ما زالت تكتم وجعها لتمنح الاخرين المسرة والارتياح وما زالت العاب الطفولة بسذاجتها وبراءتها تفعل فعلها مكانيا وزمانيا :
ولكن مايجعلني أغيّر رأيي:
العالمُ خارج النافذة
الغيوم ُ التي تعرفُ طريقها دائماً
صَدَفَة ُ البحر التي لم تَبَح بالسر كاملا ً
ألعاب طفلتي التي تملأ المكان

ولا غرو ان روح الشعر ما زالت طرية يافعة لتهمس الى غدها بالأحلام الوردية التي ترجو تحققها وجملة حميمية سمعتها تلك الروح جعلتها تبدل لوعة الانتظار للغد بمتعة التفرس للامس واليوم ..
فلا انتظار يدوم ولا حضور يزول بل الاتي والاني هما الحقيقة الوحيدة التي بها تباشر الذات حياتها مخلفة وراءها وجعا قديما وماضيا عتيدا لا بد ان ينزاح بظلاماته ليبزغ فجر الحاضر الغر بتطلعاته واماله :

الأمنيات ُ التي همستُ بها قرب النافورة
والتي يجب أن تتحقق
وجملة لوري الأخيرة: “كل شيء يحدثُ الآن.”
ان الذات الشاعرة تخاطب روحها هامسة لها ان عالما مبهما ليس فيه الا متاهات الضياع والتيه لن يدوم وان اشعاع الامل سيزيل ظلمة ويكشف الحقيقة .
وهي اذ تستحضر ذكرى جميلة او جملة سمعتها او قولا قرأته فانه تردم بذلك بعضا من ضياعات روحها لتوجد عالما جديدا ليس فيه ضياع وفضاءً رحبا من الحرية والتجدد ليس فيه تيه او مخاتلة
وبذلك تغدو القصيدة خارطة مكانية فيها فضاءان متعارضان احدهما سوداوي ممج ومغلق والاخر وردي متفاءل ومنفتح فيه فيض من الارتياح والتجلي لكي تنعم فيه الروح بالسكينة والوداعة فلا الم يفجعها ولا خوف يهددها ..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.